
من الطائف إلى اغتيال الحريري… لبنان بين إعادة البناء والوصاية والمقاومة
أمين السكافي . (الحلقة ٦)
لم تكن السنوات الممتدة من اتفاق الطائف عام 1989 إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 مجرد مرحلة انتقالية بين الحرب والسلم. كانت، في الحقيقة، مرحلة تأسيس لبنان الثاني: لبنان الذي خرج من الحرب الأهلية، وأعاد بناء مؤسساته وطرقه ومرافئه ومطاره وشبكات اتصالاته، لكنه لم يستعد في المقابل كامل سيادته السياسية. كان لبنان يتعافى عمرانياً واقتصادياً، فيما كانت حياته السياسية والأمنية تتحرك تحت سقف النفوذ السوري، وكان الدين العام يكبر بالتوازي مع الأبنية والجسور والطرقات.
وفي قلب هذه المرحلة برز رجلان طبعا الحياة اللبنانية بطريقتهما: رفيق الحريري، رجل الإعمار والمال والعلاقات الدولية، والسيد حسن نصرالله، الذي أصبح منذ عام 1992 أميناً عاماً لحزب الله وقاد المقاومة في السنوات التي انتهت بالانسحاب الإسرائيلي من معظم الجنوب عام 2000.
بدأت القصة من الطائف. في 22 تشرين الأول 1989 أقر النواب اللبنانيون وثيقة الوفاق الوطني، ثم صدّق عليها مجلس النواب في 5 تشرين الثاني. وجاء الاتفاق ليعيد توزيع السلطة بين الرئاسات والطوائف، ويعزز دور مجلس الوزراء، ويضع أساساً لإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة. لكن الاتفاق حمل أيضاً عقدة ستلازم لبنان طوال المرحلة التالية: إعادة انتشار القوات السورية في البقاع تمهيداً لبحث مستقبلها، من دون وضع آلية حاسمة لإنهاء الوجود السوري.
وفي 13 تشرين الأول 1990 انتهت عملياً الحرب الأهلية بعد إسقاط العماد ميشال عون عسكرياً وخروجه إلى المنفى الفرنسي. وانتقل لبنان إلى مرحلة جديدة كان رئيس الجمهورية فيها إلياس الهراوي، فيما أصبحت دمشق اللاعب الخارجي الأكثر نفوذاً في تركيب النظام السياسي الجديد.
كان اتفاق الطائف قد دعا إلى حل الميليشيات وتسليم سلاحها للدولة، لكن الاستثناء الأبرز كان المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب. وفي عام 1991 صدر مرسوم العفو العام، واندمج عدد من قادة الحرب في النظام الجديد، وبينهم شخصيات أصبحت لاحقاً من أعمدة السلطة: نبيه بري، وليد جنبلاط وغيرهما. وفي المقابل، بقي حزب الله خارج عملية نزع السلاح باعتباره قوة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي. وتكرس ذلك عملياً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجنوب ووجود الجيش السوري في أجزاء واسعة من لبنان.
أما القوات اللبنانية، فقد اختارت السلطة الجديدة معها طريقاً مختلفاً. وبعد حل الحزب واعتقال الدكتور سمير جعجع في نيسان 1994، أودع السجن، ثم صدرت بحقه أحكام قاسية. ولم يكن الأمر مجرد قضية قضائية بالنسبة إلى أنصاره وخصوم السلطة آنذاك؛ فقد اعتبره كثيرون رسالة سياسية إلى القوى التي رفضت الصيغة التي نشأت بعد الطائف، ولا سيما استمرار الوجود السوري وعدم تنفيذ ما اعتبروه جوهر الاتفاق المتعلق بإعادة الانتشار والسيادة.
ثم جاء رفيق الحريري.
في تشرين الأول 1992، وبعد أزمة اقتصادية وانهيار كبير في سعر الليرة وإضرابات شعبية أطاحت بحكومة عمر كرامي في أيار من العام نفسه، تشكلت حكومة جديدة برئاسة الحريري. كان ظهوره مختلفاً عن معظم السياسيين اللبنانيين: رجل أعمال ثري، يحمل شبكة واسعة من العلاقات العربية والدولية، ويقدم نفسه باعتباره رجل إعادة إعمار الدولة لا رجل ميليشيا. وقد ساعد تعيينه على استعادة الثقة المالية وبدأت مرحلة واسعة من إعادة البناء.
كان مشروع الحريري ضخماً. أعيد تأهيل الكهرباء والمياه والهاتف والصرف الصحي، وشقت الطرق والجسور، وأعيد تأهيل المطار والمرافئ، وتوسعت شبكة الاتصالات. وفي بيروت ظهر مشروع سوليدير لإعادة إعمار وسط العاصمة وتحويله إلى واجهة اقتصادية وسياحية جديدة. كما وضعت الدولة، عبر مجلس الإنماء والإعمار، برامج واسعة لإعادة تأهيل البنية التحتية. وتشير الدراسات إلى أن الإنفاق على البنية التحتية بين 1992 و2000 بلغ نحو 5.7 مليارات دولار، توزعت على الكهرباء والاتصالات والطرق والمواصلات والمرافئ والمطار والمياه.
لكن هنا بدأت المفارقة الكبرى: لبنان كان يعيد بناء الحجر بالدين.
فقد اعتمدت الدولة بصورة واسعة على الاقتراض لتمويل إعادة الإعمار والعجز. وبحلول عام 2000 كان الدين العام قد ارتفع إلى نحو 25 مليار دولار، أي قرابة 150 في المئة من الناتج المحلي، بينما كانت فوائد الدين تلتهم قسماً ضخماً من الإيرادات. وقد سجل البنك الدولي أن أكثر من ثلثي الإنفاق الاستثماري في التسعينيات جرى تمويله عبر الاقتراض من السوق وبفوائد مرتفعة.
وبينما كان الحريري يبني لبنان الاقتصادي، كانت المعركة في الجنوب ترسم لبنان السياسي.
في تموز 1993 شنت إسرائيل عملية عسكرية واسعة عرفت باسم تصفية الحساب، ثم جاءت عملية عناقيد الغضب في نيسان 1996. وكانت مجزرة قانا في 18 نيسان، حين أصابت القذائف الإسرائيلية موقعاً لقوات الأمم المتحدة كان يحتمي فيه مدنيون، محطة مفصلية؛ إذ قتل أكثر من مئة مدني. وانتهت حرب 1996 بتفاهم نيسان الذي وضع قواعد لتجنب استهداف المدنيين.
وفي هذه السنوات كان حسن نصرالله يتحول تدريجياً إلى الشخصية الأبرز في المقاومة. بعد اغتيال عباس الموسوي عام 1992، تولى نصرالله قيادة حزب الله، وبدأت المقاومة تدخل مرحلة مختلفة في التنظيم والعمليات والخطاب السياسي. لم تكن عملية التحرير عام 2000 نتيجة حدث منفرد أو قرار في يوم واحد، بل حصيلة تراكم طويل من المقاومة المسلحة، والتضحيات، والضغط السياسي والأمني، وتغير البيئة الإسرائيلية الداخلية.
وفي 25 أيار 2000 انسحبت إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية المحتلة، منهية احتلالاً استمر 22 عاماً، وفق تأكيد الأمم المتحدة أن الانسحاب تم من الأراضي اللبنانية وفق القرارين 425 و426، مع بقاء مسألة مزارع شبعا موضع نزاع.
كان ذلك اليوم نقطة تحول تاريخية. فالجيش اللبناني لم يكن هو القوة التي قاتلت إسرائيل طوال تلك السنوات، والمقاومة التي كان حزب الله رأسها كانت صاحبة الدور العسكري الرئيسي في فرض الانسحاب. ومن هنا خرج حزب الله من مرحلة «المقاومة ضد الاحتلال» إلى سؤال سياسي جديد: ماذا يحدث لسلاح المقاومة بعد زوال الاحتلال؟
في الوقت نفسه كان لبنان أمام تحول آخر: حافظ حافظ الأسد على نفوذه في لبنان حتى وفاته في حزيران 2000. وبعد وفاته تسلم بشار الأسد السلطة في سوريا، ووجد نفسه أمام لبنان شديد الحساسية، تتداخل فيه السياسة والأمن والاقتصاد مع دمشق.
وفي عهد إميل لحود، الذي انتخب رئيساً للجمهورية عام 1998 خلفاً لإلياس الهراوي، ازدادت العلاقة بين دمشق وبيروت التصاقاً. وكان الحريري ولحود يمثلان، شيئاً فشيئاً، رؤيتين مختلفتين للبنان: الحريري يريد لبنان أكثر انفتاحاً على الاقتصاد العربي والدولي، فيما كان لحود أقرب إلى المؤسسة العسكرية وإلى الخيار السوري في إدارة البلاد.
عاد الحريري إلى رئاسة الحكومة في أواخر عام 2000، لكن العلاقة بين الرجلين لم تكن سهلة. ومع مرور الوقت، لم يعد الخلاف شخصياً فقط، بل أصبح انعكاساً لصراع على طبيعة الدولة نفسها: من يقرر؟ الحكومة؟ رئيس الجمهورية؟ دمشق؟ أم شبكة القوى اللبنانية المتحالفة معها؟
وجاء عام 2004 ليضع كل شيء على الطاولة.
كان المجتمع الدولي يضغط باتجاه إنهاء الوجود السوري ونزع سلاح الميليشيات، فأصدر مجلس الأمن القرار 1559 في 2 أيلول 2004، داعياً إلى احترام سيادة لبنان واستقلاله، وانسحاب القوات الأجنبية، ونزع سلاح الميليشيات، وإجراء انتخابات رئاسية من دون تدخل خارجي.
وفي خضم ذلك جرى تمديد ولاية إميل لحود. استقال عدد من الوزراء احتجاجاً، ثم وقعت في الأول من تشرين الأول محاولة اغتيال النائب والوزير السابق مروان حمادة. وبعد أيام استقال الحريري من رئاسة الحكومة، وتولى عمر كرامي رئاسة حكومة جديدة في ظل تصاعد التوتر السياسي.
ثم جاء 14 شباط 2005.
كان الحريري يغادر منطقة عين المريسة في بيروت ضمن موكب يضم سياراته ومرافقيه، عندما انفجرت شاحنة مفخخة بقوة هائلة قرب فندق السان جورج. قتل الحريري ومعه 22 شخصاً آخرين، وجرح عدد كبير. لم يكن التفجير مجرد اغتيال لرئيس حكومة سابق؛ كان انفجاراً أصاب قلب النظام الذي نشأ بعد الطائف.
وأظهرت التحقيقات الدولية لاحقاً أن العملية كانت معقدة، وأن التحضير لها استغرق أشهراً، وأن فريقاً منظماً راقب تحركات الحريري وموكبه. كما أشار تقرير لجنة التحقيق الدولية إلى وجود أدلة متقاطعة تشير إلى تورط لبناني وسوري، وهي مسألة أصبحت لاحقاً محوراً قضائياً وسياسياً دولياً بالغ التعقيد.
وهكذا انتهت مرحلة وبدأت أخرى.
كان لبنان عام 2005 مختلفاً جذرياً عن لبنان 1989: انتهت الحرب، أعيد بناء جزء كبير من البنية التحتية، تحولت بيروت إلى ورشة إعمار، خرجت إسرائيل من معظم الجنوب، وصعد حزب الله ليصبح القوة السياسية والعسكرية الأبرز في المقاومة. وفي المقابل، تضخم الدين العام، وتكرس نظام المحاصصة، وانتشر الفساد والزبائنية، وبقي القرار السياسي لسنوات تحت تأثير سوري واسع، بينما لم تُبنَ دولة قادرة على إدارة الخلافات بعيداً عن نفوذ الخارج.
أما الحريري، الذي دخل التاريخ بوصفه رجل الإعمار، فقد خرج منه شهيداً في انفجار هائل على شاطئ بيروت.
وأما نصرالله، الذي بدأ تلك المرحلة قائداً للمقاومة، فقد خرج منها قائداً لقوة لبنانية باتت جزءاً أساسياً من المعادلة الداخلية والإقليمية.
وبين الرجلين يمكن اختصار لبنان ما بعد الطائف: رجل بنى الدولة بالحجارة والمال والعلاقات، ورجل بنى قوة المقاومة بالسلاح والدم والصراع؛ وبين مشروع الدولة ومشروع المقاومة، وبين الإعمار والديون، وبين السيادة والنفوذ السوري، عاش لبنان خمسة عشر عاماً انتهت بانفجار واحد… لكنه لم يكن انفجاراً عادياً، بل كان الانفجار الذي أعاد فتح كل ملفات الجمهورية دفعة واحدة



