
ألغام المحاصصة ..قراءة في جذور الطائفية السياسية ومستقبل الدولة العراقية
الحلقة الثانية: هندسة المحاصصة… من بريمر إلى الإقليم
كتب رياض الفرطوسي
لم تكن مرحلة ما بعد أبريل/نيسان 2003 مجرد سقوط لنظام شمولي، بل كانت لحظة تفكيك كامل لمفهوم الدولة. تشير وثائق “مؤسسة راند” للأبحاث إلى أن الإدارة الأمريكية دخلت بغداد بغير رؤية متماسكة لبناء السلم الأهلي، حيث طغى التنافس بين وزارتي الدفاع والخارجية، وسادت رؤية تبسيطية للمجتمع العراقي باعتباره مجرد مكوّنات مذهبية وإثنية مغلقة.
تجلى هذا الفهم في تأسيس “مجلس الحكم الانتقالي” الذي صممه الحاكم المدني بول بريمر. بُني المجلس على معادلة رياضية طائفية (13 مقعداً للشيعة، 5 للسنة، 5 للأكراد، ومقعد للمسيحيين)، متأثراً بنماذج مع معالجات المحاصصة في البوسنة والهرسك. هذه الخطوة لم تُأسس لديمقراطية مواطنة، بل شرعنت “المحاصصة الطائفية” كآلية وحيدة لتوزيع السلطة والثروة.
سرعان ما استُغل هذا النموذج من قبل مراكز القوى الإقليمية. وكما يوضح الباحث( الدكتور محمد فايز فرحات، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجي). في دراسات “مركز أهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية”، فإن الدول الإقليمية المحيطة بالعراق لم تترك هذا الفراغ يصنع دولة قوية على حدودها، بل دخلت على خط التوازنات لدعم حلفائها، وتحويل التمثيل السياسي إلى ورقة نفوذ إقليمية.
شهدت انتخابات 2010 المحك الأبرز لهذا الصراع، عندما تم الالتفاف على القائمة الفائزة بالأغلبية العددية لصالح التحالفات الطائفية الكبيرة، مما كرس قاعدة سياسية مفادها: أن القرار الوطني العراقي بات مرهونًا بتوافقات خارجية وإقليمية تُصنع خلف الأبواب المغلقة.
هكذا تحول النظام السياسي إلى بنية هشة لا تستمد مشروعيتها من صندوق الاقتراع بقدر ما تستمدها من قدرتها على إرضاء الفاعلين الخارجيين وحماية مصالح الشبكات الحزبية.
· في الحلقة القادمة: عندما يصبح الفساد عقيدة والسلاح دولة… كيف أدت المحاصصة إلى نهب المال العام وظهور الكيانات الموازية للشرعية؟



