
حين يصبح الصمت جريمة. واشنطن تقصف وطهران تُعاقب، والعرب يصفقون.
في وضح النهار، وتحت سمع وبصر العالم، تتصاعد الأعتداءات الأميركية المتكررة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ليس لأن طهران هددت أمن واشنطن، ولا لأنها أحتلت شبراً من أرضها. الجريمة الوحيدة التي أقترفتها إيران هي أنها وقفت في وجه العدو الإسرائيلي، ورفضت أن تُسلّم المنطقة لمشروع الهيمنة الأميركي-الصهيوني.
أميركا تضرب لأن إيران تقاوم. تقصف لأنها لا تركع. تعاقبها لأنها قالت (لا) في زمنٍ صار فيه قول (نعم) هو العملة الرائجة.
ولكن الأخطر من صواريخ واشنطن، والأقسى من طائراتها، هو الصمت العربي والإسلامي المريب والمعيب.
دولٌ تدّعي الشقيقة، وتتغنى بالقومية والإسلام، لم تصدر بيان إدانة واحد. لم ترفع صوتاً. لم تفتح فمها.
هذا الصمت لم يعد حياداً. هذا الصمت صار شراكة في الجريمة. صار أكثر إجراماً من القصف نفسه، لأنه يمنح المعتدي غطاءً وشرعية.
أين البيانات؟ أين الجامعة العربية؟والتي أطلقت عليها بعد طوفان الأقصى الجامعة العبرية غير أسف على التسمية، أين منظمة التعاون الإسلامي؟ تبخروا. وكأن الدم الإيراني ليس دماً مسلماً، وكأن السيادة التي تُنتهك لا تعنيهم.
قبل أن تُطلق أول رصاصة، حذّرت إيران. نبهت وبوضوح، (أنتم لستم مستهدفين. لكن إن إنطلقت الصواريخ الأميركية من أراضيكم، ومن قواعدكم، فستكون مصالحكم وقواعدكم هدفاً مشروعاً لردنا) .
قالتها إيران مراراً، (نحن نعتبركم أشقاء. أغلقوا القواعد. أطردوا الجنود الأميركان من أرضكم. أحموا بلادكم وشعوبكم قبل أن تحترقوا بنارٍ لن تطفئها واشنطن) .
لكن النداء ذهب أدراج الرياح. أختارت بعض العواصم أن تبقي الباب مفتوحاً للغزاة، وأن تجعل من أراضيها منصة أنطلاق لقتل جارها وشقيقها، فقط لإرضاء واشنطن وحماية تل أبيب.
ما يجري اليوم ليس جديداً. هو نسخة طبق الأصل عما حدث في إبادة غزة، وعما يجري الآن في لبنان.
نفس الصمت. نفس التواطؤ. نفس الذرائع الواهية.
لماذا غزة تُباد؟ لماذا لبنان يُقصف؟ لماذا اليمن يُحاصر؟
الجواب واحد، لأنهم يشكلون خطراً على الكيان الغاصب. لأنهم رفضوا التطبيع. لأنهم حملوا السلاح بدل بيانات الشجب.
اليوم الدور على إيران، وغداً الدور على من سكت على هذه الأعتداءات .
هذه ليست حرباً بين أميركا وإيران. هذه مؤامرة أميركية-إسرائيلية مكتملة الأركان، بتواطؤ عربي واضح ومفضوح. هدفها واحد، تجريد المنطقة من أي قوة تقول (لا) لإسرائيل، وتحويلها إلى حديقة خلفية آمنة للمشروع الصهيوني.
التاريخ لن يرحم. والشعوب لن تنسى. ومن يراهن اليوم على صمت القصور، سيستيقظ غداً على صراخ الشعوب.
فإما أن تختار الدول العربية أن تكون مع محور المقاومة، أو أن تعلن رسمياً أنضمامها إلى محور الحماية الأميركية لإسرائيل. لا منطقة رمادية بعد اليوم.
نضال عيسى



