
رجل الدين بين قداسة الرسالة وتوظيف الدين
كتب / سعيد فارس السعيد
رجل الدين، قبل أن يكون صاحب موقع أو صفة دينية، هو إنسان يحمل مسؤولية معرفية وأخلاقية تجاه الناس.
هو معلم و مرشد ومصلح وقائد اجتماعي .
وكلما ازدادت مكانته وتأثيره، ازدادت مسؤوليته في أن يحافظ على الأمانة التي يحملها، وأن يميز بين ما هو ديني وما هو شخصي أو سياسي.
ومن الطبيعي أن يكون لرجل الدين رأيه في قضايا المجتمع والوطن، وأن يتخذ موقفاً من قضايا عامة، وأن يرفض الظلم والفساد والاستبداد، وأن يدافع عن العدالة وكرامة الإنسان.
المسألة ليست في أن يكون لرجل الدين موقف سياسي، وإنما في طبيعة هذا الموقف وحدوده، وفي مدى ارتباطه بموقعه الديني.
فمن حق رجل الدين، كغيره من المواطنين، أن يفكر ويختار ويؤيد ويعارض.
لكن عندما يتحول الانتماء السياسي إلى ارتباط تنظيمي عميق، ويصبح رجل الدين جزءاً من حزب أو حركة أو جماعة، ثم تُستخدم مكانته الدينية في الترويج لهذا الانتماء أو تبرير مواقفه، تبدأ منطقة تحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
لأن رجل الدين في هذه الحالة لا يتحدث فقط باسمه الشخصي؛ فجزء من الناس قد ينظر إلى كلامه باعتباره يحمل وزناً دينياً وأخلاقياً.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
هل هذا الموقف تعبير عن اجتهاد ديني وأخلاقي، أم أنه موقف سياسي يخص الحزب أو الجماعة؟
الفرق بين الموقف الديني والموقف السياسي.
من المهم ألا نخلط بين الأمرين.
رجل الدين يستطيع أن يقول إن الظلم مرفوض، وإن الفساد مضر بالمجتمع، وإن كرامة الإنسان يجب أن تُصان.
وان يهتم ويشير الى الطريق الصحيح قضايا الوطن والأمة والإنسانية
هذه مواقف أخلاقية وطنية وانسانية يمكن أن تستند إلى قيم دينية وإنسانية عامة.
لكن عندما ينتقل الأمر إلى تأييد حزب بعينه، أو الدفاع عن قيادة سياسية محددة، أو تبرير قرارات تنظيمية، فمن الأفضل أن يكون واضحاً للناس أن هذا موقف سياسي قابل للنقاش، وليس حكماً دينياً ملزماً.
هذه الحدود تحمي رجل الدين كما تحمي الدين.
___الاستقلال لا يعني العزلة.
ليس المطلوب من رجل الدين أن يعتزل الحياة العامة، ولا أن يبقى بعيداً عن قضايا المجتمع.
بل إن وجوده في الشأن العام قد يكون ضرورياً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالعدالة، والحقوق، والسلم الأهلي، ومواجهة الكراهية والفتنة.
لكن استقلال رجل الدين يعني أن يحتفظ بالقدرة على نقد الجميع، بمن فيهم الأشخاص أو الجهات التي يتقاطع معها سياسياً.
فإذا أخطأ القريب، ينبغي أن يستطيع أن يقول: أخطأ.
وإذا أصاب المختلف، ينبغي أن يستطيع أن يقول: أصاب.
وهذه القدرة على الإنصاف هي التي تمنح صوته قيمته الأخلاقية.
عندما يصبح الانتماء أقوى من الرسالة
المشكلة لا تكمن في مجرد الانتماء أو التعاطف السياسي، وإنما تظهر عندما يصبح الانتماء سبباً في تغيير الموقف من الحق والباطل.
عندما يُغضّ النظر عن خطأ لأن صاحبه من الجماعة نفسها.
أو يُدان موقف صحيح لأن صاحبه من الخصوم.
أو يُستخدم الخطاب الديني لإقناع الناس بأن موقفاً سياسياً معيناً هو بالضرورة الموقف الديني الصحيح.
هنا تتراجع مساحة الاجتهاد والنقاش، ويصبح من الصعب الفصل بين سلطة الدين وسلطة التنظيم السياسي.
وهذا ما ينبغي تجنبه.
___الدين أوسع من التنظيمات
الأحزاب والحركات والجماعات السياسية كيانات بشرية، لها برامجها ومصالحها واجتهاداتها، وهي بطبيعتها قابلة للنقد والخطأ والصواب.
أما الدين، بالنسبة إلى المؤمنين به، فهو أوسع وأعمق من أي تنظيم سياسي.
لذلك لا ينبغي أن يُختزل الدين في حزب، أو أن يُربط الإيمان بالولاء لتنظيم معين، أو أن يصبح الاختلاف السياسي سبباً للحكم على الناس في دينهم أو أخلاقهم.
ليس كل رجل دين منخرط في الشأن العام موظفاً لدى حزب، كما أن كل انتماء سياسي لا يعني بالضرورة توظيفاً للدين.
المعيار الحقيقي هو: كيف يستخدم رجل الدين موقعه وتأثيره؟
هل يستخدمهما لخدمة القيم والإنسان والمجتمع؟
أم يستخدمهما لتبرير خيارات سياسية وتنظيمية لا علاقة لها بجوهر رسالته الدينية؟
رجل الدين الذي نحتاجه
نحن بحاجة إلى رجل دين حاضر في المجتمع، لكنه لا يفقد استقلاله.
يستطيع أن ينصح السلطة والمعارضة.
أن ينتقد جماعته إذا أخطأت.
وأن يحترم المختلف معه.
وأن يرفض الظلم مهما كان مصدره.
وأن يوضح للناس متى يتحدث من موقعه الديني، ومتى يعبر عن رأيه الشخصي أو السياسي.
هذه الشفافية مهمة؛
لأنها تمنع الخلط بين قداسة النص وبين اجتهاد الإنسان.
فرجل الدين ليس معصوماً، ورأيه السياسي ليس وحياً، وانتماؤه لا يمنح الحزب الذي ينتمي إليه صفة دينية.
وفي المقابل، فإن مشاركته في الحياة العامة لا تنتقص من مكانته الدينية ما دام يحافظ على استقلاله الأخلاقي، ويحترم حق الآخرين في الاختلاف.
خلاصة القول :
القضية إذن ليست في إبعاد رجل الدين عن السياسة، ولا في منعه من المشاركة في الشأن العام.
القضية هي منع الخلط بين الرسالة الدينية والعمل الحزبي.
فحين يستخدم رجل الدين مكانته للدفاع عن العدالة والكرامة وحقوق الناس، فإنه يؤدي دوراً اجتماعياً وأخلاقياً مهماً.
أما عندما تُستخدم المكانة الدينية لمنح حزب أو جماعة أو شخص حصانة من النقد، فهنا يصبح من المشروع التساؤل عن حدود هذا الدور.
___الدين أوسع من الحزب، والرسالة أكبر من الجماعة، والضمير يجب أن يبقى أعلى من الولاء.
ورجل الدين الذي يحافظ على هذه المسافة، يستطيع أن يكون قريباً من الناس من دون أن يصبح أسيراً لاصطفافاتهم.
فالمطلوب ليس رجل دين بعيداً عن المجتمع، بل رجل دين قريب من المجتمع ومستقل في ضميره.
تلك هي قداسة الرسالة…
وتلك هي مسؤولية رجل الدين.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”



