
أين حزب الله مما يحدث ؟
بقلم : أمين السكافي .
من «المقاومة التي لا تُهزم» إلى قوةٍ تعيد حساباتها تحت النار .
قبل ثلاث سنوات فقط، كان الحديث عن حزب الله مختلفاً تماماً. كان يُقدَّم بوصفه القوة غير النظامية الأكثر تسليحاً وتنظيماً في المنطقة، مع تقديرات تتحدث عن نحو 100 ألف مقاتل، وترسانة تتجاوز 150 ألف صاروخ وقذيفة، تشمل صواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيّرة وقدرات دقيقة.
أما اليوم، فيبدو المشهد متناقضاً إلى حدٍّ يفرض السؤال الذي لا يمكن الهروب منه:
أين ذهب حزب الله؟
ولماذا لم تعد إسرائيل تتعامل معه كما كانت تفعل قبل عامين؟ ولماذا لا نرى عمليات نوعية متواصلة، أو عودة إلى أسلوب «الضربات الخاطفة» الذي ميّز مقاومته في الثمانينيات والتسعينيات؟ وهل انتهت فعلاً القدرة العسكرية للحزب، أم أن ما نراه هو مرحلة إعادة بناء طويلة لا تظهر إلى العلن؟
والأهم: هل تغيّر الحزب، أم تغيّر المسرح الذي كان يعمل عليه؟
من مجموعة مقاومة إلى جيش غير معلن
نشأ حزب الله في الثمانينيات في بيئة الاحتلال الإسرائيلي للبنان، وسرعان ما انتقل من العمل المقاوم المحدود إلى بناء تنظيم عسكري وأمني شديد التعقيد.
كانت سنوات الثمانينيات والتسعينيات سنوات حرب استنزاف: عبوات، كمائن، قنص، عمليات خلف الخطوط، أسر جنود، واستهداف الدوريات والمواقع الإسرائيلية.
وكان الانسحاب الإسرائيلي من معظم جنوب لبنان عام 2000 أحد أكبر الانتصارات السياسية والعسكرية التي رسخت صورة الحزب.
ثم جاءت حرب 2006.
بعدها لم يعد حزب الله مجرد تنظيم مقاومة كلاسيكي. دخل مرحلة جديدة: أنفاق، صواريخ بكثافة هائلة، وحدات مضادة للدروع، دفاعات جوية محدودة، طائرات مسيّرة، قوات خاصة، وأجهزة اتصالات وأمن واستخبارات.
ومع الحرب السورية، تحول الحزب عملياً إلى قوة تخوض حرباً شبه نظامية خارج حدود لبنان.
وهنا تكمن المفارقة.
الحزب الذي خرج من سوريا أكثر خبرة عسكرياً، خرج منها أيضاً أكثر انكشافاً استخباراتياً.
2023: لحظة الذروة
عندما اندلعت حرب غزة في تشرين الأول 2023، لم يكن حزب الله هو حزب الثمانينيات.
كان أمام إسرائيل تنظيم يمتلك آلاف الكوادر المدربة، وبنية صاروخية ضخمة، وشبكة أنفاق، وخبرة قتالية تراكمت خلال أربعة عقود.
وكانت التقديرات الغربية والإسرائيلية تتحدث عن ترسانة تصل إلى 150 ألف صاروخ وقذيفة أو أكثر، وعن عشرات الآلاف من المقاتلين. لكن يجب التنبيه إلى أن هذه الأرقام تقديرات استخباراتية وليست أرقاماً يعلنها الحزب نفسه، ولا توجد اليوم قاعدة بيانات مستقلة تسمح بتحديد ما بقي منها بدقة.
وكانت قوة الحزب الأساسية في أن إسرائيل لم تكن تعرف بالضرورة:
* أين توجد كل منصاته؟
* كم منها متحرك؟
* كم منها مخزن؟
* أين توجد مراكز القيادة؟
* من يعرف ماذا؟
* وأين توجد وحدات القوة الخاصة؟
لكن شيئاً جوهرياً تغيّر في 2024.
الضربة التي سبقت الحرب
لم تبدأ هزيمة حزب الله العسكرية بالقصف الجوي.
بدأت بالاستخبارات.
في 17 و18 أيلول 2024 انفجرت أجهزة النداء والاتصال التي يستخدمها الحزب. وأصيب آلاف الأشخاص، وقُتل العشرات، وتعطلت قدرة واسعة من شبكة الاتصال البشرية للحزب. وتحدثت تقارير رويترز عن إدخال نحو 5 آلاف جهاز مفخخ إلى منظومة الحزب.
كانت تلك العملية أخطر من عدد ضحاياها.
لأنها قالت لحزب الله شيئاً مرعباً:
العدو موجود داخل الشبكة.
وبعدها جاءت الضربات على القيادات.
إبراهيم عقيل، أحد أبرز قادة قوة الرضوان، قُتل.
ثم السيد حسن نصر الله.
ثم سلسلة من القيادات والكوادر.
وهنا لم تعد المسألة خسارة أفراد.
لقد أصبح السؤال:
هل تستطيع المؤسسة العسكرية أن تستمر إذا تم تفكيك رأسها ومراكز اتصالها؟
اغتيال نصر الله: نهاية مرحلة
في 27 أيلول 2024 اغتالت إسرائيل السيد حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية.
وهذه ليست مجرد عملية اغتيال قائد.
نصر الله كان بالنسبة إلى الحزب أكثر من أمين عام؛ كان مركز الثقل السياسي والعسكري والإعلامي، وصاحب شبكة العلاقات مع إيران وسوريا والعراق واليمن والفصائل الفلسطينية.
لذلك فإن مقتله أحدث فراغاً لا يُقاس بعدد المقاتلين الذين فقدهم الحزب.
ثم جاءت خسائر أخرى في القيادات والبنية العملياتية.
وفي الوقت نفسه بدأت إسرائيل حملة جوية واسعة استهدفت مخازن الصواريخ ومراكز القيادة ومواقع الإطلاق والبنية التحتية.
وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أنها صادرت أو دمرت عشرات الآلاف من الأسلحة خلال عملياتها البرية في جنوب لبنان، فيما أقر محللون بأن الترسانة الصاروخية للحزب تعرضت لضربة شديدة.
لكن هنا يجب أن نكون دقيقين:
ضرب الترسانة لا يعني القضاء عليها.
فالحزب لم يكن يملك مستودعاً واحداً من الصواريخ يمكن تدميره في غارة واحدة.
كان يمتلك شبكة موزعة، وأنفاقاً، ومخازن صغيرة، ومنصات متحركة، وقدرات مخفية.
ولهذا لا يستطيع أحد اليوم أن يقول بمصداقية إن الحزب فقد 50% أو 70% أو 90% من صواريخه.
الأرقام الدقيقة غير متاحة.
إذن لماذا لا يقاتل كما كان؟
هنا أصل المسألة.
أعتقد أن تفسير «حزب الله انتهى» مبالغ فيه.
لكن تفسير «حزب الله ما زال كما كان» أكثر خطأً.
الحقيقة تقع بين الاثنين.
الحزب اليوم أضعف عسكرياً مما كان عليه في 2023، لكنه ليس قوة منتهية.
والدليل أن الاشتباكات لم تتوقف تماماً.
ففي الأشهر الأخيرة استخدم الحزب الطائرات المسيّرة، وخصوصاً في محيط منطقة علي الطاهر، بينما استمرت إسرائيل بالقصف والغارات والعمليات البرية المحدودة. وفي 6 أيلول 2026 قالت إسرائيل إن ضرباتها جاءت رداً على هجمات بطائرات مسيّرة من الحزب.
أي أن السؤال الصحيح ليس:
لماذا لا يقاتل حزب الله؟
بل:
لماذا يقاتل بأقل كثيراً من قدرته السابقة؟
والجواب في أربعة عوامل.
أولاً: فقدان القيادة والسيطرة
الحرب الحديثة ليست عدد البنادق والصواريخ فقط.
إنها:
استخبارات + اتصالات + قيادة وسيطرة + استطلاع + لوجستيات.
وقد تلقى الحزب ضربة هائلة في هذه المجالات خلال 2024.
الضربات على أجهزة الاتصال أثبتت الاختراق.
اغتيال القيادات أثبت الاختراق.
تحديد المقرات والأنفاق أثبت الاختراق.
والقصف المتكرر أثبت أن إسرائيل باتت تمتلك معلومات أكثر مما كانت تملك قبل الحرب.
وهذا يجعل أي عملية كبيرة أكثر خطورة.
ثانياً: سوريا لم تعد سوريا
وهذه ربما أهم نقطة في مستقبل الحزب.
كانت سوريا بالنسبة إلى حزب الله أكثر من حليف سياسي.
كانت الجسر اللوجستي بين إيران ولبنان.
أسلحة، صواريخ، قطع غيار، خبراء، حركة مقاتلين، مخازن، طرق برية.
وبعد سقوط بشار الأسد في كانون الأول 2024، اعترف نعيم قاسم نفسه بأن الحزب فقد طريق الإمداد العسكري عبر سوريا، وإن اعتبر الأمر قابلاً للتعويض بطرق أخرى.
وهنا يجب رفض المبالغة أيضاً.
سقوط الأسد لم يقتل حزب الله، لكنه قتل إحدى أهم مزاياه الاستراتيجية.
تقول تقارير رويترز إن سقوط الأسد قطع طريقاً رئيسياً لإعادة تسليح الحزب من إيران، فيما رأى مسؤولون وخبراء أن قدرة الحزب على إعادة بناء ترسانته أصبحت أكثر صعوبة.
وهذا يفسر كثيراً من الهدوء الحالي.
فالمقاتل يمكن تعويضه.
لكن منظومة الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، وأنظمة الاتصال، وقطع الغيار، والتدريب النوعي، تحتاج إلى خط إمداد مستمر.
ثالثاً: إيران نفسها لم تعد كما كانت
هذه نقطة غالباً ما تُهمَل.
حزب الله ليس مؤسسة مستقلة تماماً عن البيئة الإيرانية.
وعندما تتعرض إيران نفسها لضغوط عسكرية وأمنية هائلة، يصبح عليها أن تعيد ترتيب الأولويات.
والعام 2026 كان أكثر قسوة على طهران والمنظومة الإقليمية التي بنتها خلال عقود.
لذلك فإن السؤال لم يعد فقط:
هل يريد حزب الله القتال؟
بل:
هل تستطيع إيران أن توفر للحزب ما يحتاجه كي يخوض حرباً طويلة؟
وهذا فرق جوهري.
رابعاً: لبنان نفسه أصبح جزءاً من الحساب
هنا حدث التحول الأكبر.
في الماضي كان الحزب يستطيع أن يقول:
نحن مقاومة.
أما اليوم، فقد أصبحت الدولة اللبنانية نفسها تحت ضغط دولي هائل لإنهاء السلاح خارج مؤسساتها.
الاتحاد الأوروبي يستعد للمساعدة في تعزيز الجيش اللبناني، فيما أصبح ملف سلاح حزب الله جزءاً مركزياً من المسار السياسي والأمني الجاري.
وبالتالي فإن إطلاق حرب شاملة اليوم قد لا يكون بالنسبة إلى الحزب مجرد مواجهة مع إسرائيل.
قد يتحول إلى:
حرب مع إسرائيل + أزمة داخلية لبنانية + ضغط دولي + محاولة قطع ما تبقى من طرق الإمداد.
وهذا ما يفسر الحذر.
ولكن لماذا لا يعود إلى نموذج الثمانينيات؟
السؤال الذي طرحته هنا مهم جداً.
لماذا لا ينفذ الحزب عمليات خاطفة؟
كمين.
عبوة.
قنص.
استهداف دورية.
عملية خلف الخطوط.
الجواب أن البيئة التي أنتجت مقاومة الثمانينيات لم تعد موجودة.
آنذاك كان الاحتلال الإسرائيلي ينتشر داخل مناطق واسعة من لبنان.
وكانت خطوطه اللوجستية واضحة.
وكانت الحركة خلف خطوطه ممكنة.
أما اليوم، فإن إسرائيل تمتلك:
طائرات مسيّرة على مدار الساعة، أقماراً صناعية، استخبارات بشرية، تنصتاً إلكترونياً، قدرات استهداف دقيقة، وتفوقاً جوياً مطلقاً.
وبالتالي فإن العملية الصغيرة ليست بالضرورة صغيرة في نتائجها.
قد تقتل ثلاثة جنود إسرائيليين، لكنها تكشف خلية كاملة.
وهذا بالضبط ما يخشاه حزب يعيد بناء نفسه.
هل يستطيع الحزب العودة؟
نعم.
لكن ليس بالشكل القديم.
الحزب الذي قد يظهر في السنوات المقبلة ربما يكون:
أقل اعتماداً على الصواريخ الثقيلة، وأكثر اعتماداً على المسيّرات؛ أقل ظهوراً، وأكثر سرية؛ أقل مركزية، وأكثر لامركزية؛ وأشد حذراً في استخدام قوته.
والتقارير التي ظهرت في 2026 تشير فعلاً إلى أن الحزب تمكن من إعادة تنظيم بعض قدراته خلال فترة الهدوء، واستخدم مسيّرات هجومية ووسائل قتالية جديدة، وإن بقي أداؤه أقل بكثير من مستوى ما قبل حرب 2024.
وهذه نقطة مهمة جداً:
الحزب لم يعد قوياً كما كان، لكنه لم يصبح أعزل.
وأين حزب الله اليوم؟
ربما يمكن اختصار الصورة كلها في هذه الجملة:
حزب الله انتقل من مرحلة الهجوم إلى مرحلة البقاء وإعادة البناء.
لم يتخلَّ عن السلاح.
ولم يتحول إلى حزب سياسي صرف.
ولم يستسلم.
لكنه فقد جزءاً كبيراً من حرية الحركة التي كان يتمتع بها.
فقد نصر الله.
وفقد قادة ميدانيين.
وخسر مقاتلين.
وتعرض جهازه الأمني لاختراق تاريخي.
وخسر جزءاً مهماً من ترسانته.
وفقد الممر السوري.
وتعرضت بيئته الاجتماعية والاقتصادية لضربات هائلة.
وتغيّر ميزان القوى الإقليمي.
ومع ذلك ما زال يمتلك بنية تنظيمية ومقاتلين وسلاحاً وقدرة على تنفيذ عمليات محدودة، كما تظهر الأحداث في جنوب لبنان في 2026.
الخلاصة: هل انتهى حزب الله؟
لا.
لكن حزب الله الذي عرفناه قبل 2024 انتهى بالفعل.
والفارق كبير.
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب إطلاق مئة صاروخ أو ألف صاروخ؟
بل:
هل يستطيع إعادة بناء منظومة الردع التي جعلت إسرائيل تفكر ألف مرة قبل الدخول في حرب شاملة معه؟
حتى الآن، الجواب: ليس بعد.
وهذا ربما هو سبب الصمت الذي يراه كثيرون.
إنه ليس بالضرورة صمت العجز، ولا هو بالضرورة صمت القوة.
إنه صمت تنظيم تعرض لضربة استراتيجية غير مسبوقة، ويعرف أن معركته المقبلة ليست بالضرورة معركة إطلاق الصواريخ، وإنما معركة إعادة بناء القدرة على البقاء دون أن تمنحه إسرائيل فرصة ثانية لتدمير ما يعيد بناءه.
وهنا تصبح قصة حزب الله بعد 2024 مختلفة تماماً عن قصته قبلها.
لقد انتقل الحزب من سؤال:
كيف نردع إسرائيل؟
إلى سؤال أكثر قسوة:
كيف نستعيد قدرتنا على الردع من دون أن نخسر ما تبقى لنا؟
وهذه، في رأيي، هي المعركة الحقيقية التي يخوضها حزب الله الآن.
ولذلك فإن القول بأنه «اختفى» سابق لأوانه.
والقول إنه «ما زال كما كان» غير صحيح.
إنه حزب الله بين مرحلتين: قوةٌ عسكريةٌ كُسرت أطرافها، لكنها لم تُكسر نواتها؛ ومقاومةٌ لم تعد قادرة على التصرف كما كانت، لكنها لم تتحول بعد إلى تاريخ.
وربما تكون السنوات المقبلة هي التي ستجيب عن السؤال الأصعب:
هل يستطيع حزب الله أن يعيد اختراع نفسه كمقاومة، أم أن الحرب التي خسر فيها جزءاً كبيراً من قوته ستدفعه تدريجياً إلى أن يصبح حزباً سياسياً يملك بقايا جيش؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن نراقب إجابته، لا عدد الصواريخ التي ما زالت في المخازن .



