
سفينة الرحيل
حزنٌ يسكن أحشائي،
بين ومضةِ عينٍ وصحوةِ حياة،
يجري في شراييني كدمعةٍ ضلّت طريقها،
ويكبر كلما غاب وجهٌ أحببته،
أو ابتعدت يدٌ كنت أظنّها
ستبقى معي حتى آخر الطريق.
أحمل في قلبي زمنٍ مضى،
أصواتًا رحلت،
ووجوهًا غابت،
وأيامًا ما زالت تعيش في داخلي،
كأنها تنتظر عودةً
يعرف القلب أنها لن تأتي.
أخاف من الغد،
فالبحر لا يكشف للسفينة
ما تخبّئه الأمواج،
وأنا أمضي في مائه العميق،
أراقب الأفق،
وأنتظر قدرًا لا أعرفه ..
تمضي سفينتي…
تتعبها الريح،
والقلب ربّانٌ وحيد،
يمسك دفة الأيام
ويبحر رغم انكسار المجاديف.
كلما اقتربت من مرفأ،
جاء الموج وأبعدني،
وكلما ظننت أنني وجدت الأمان،
أيقظتني الحياة
على صوت موجةٍ جديدة.
حتى ابتسامتي أصبحت حذرة،
أخشى أن أفتح للنور نافذةً صغيرة،
فتأتي الريح
وتطفئها قبل أن تدفئ قلبي.
ودموعي على خدي
حكاية قلبٍ أحب الحياة،
ثم تعلّم أن يحمل وجعه
ويمضي بهدوء.
وفي أعماقي قيثارة،
تعزف لحنًا خافتًا من الحنين،
كل وترٍ فيها ذكرى،
وكل نغمةٍ فيها وجهٌ غائب،
وكل عزفٍ فيها
محاولةٌ أخرى للبقاء.
ومع ذلك… أعزف.
أعزف لأن السفينة
ما زالت تعرف طريقها،
ولأن البحر، مهما طال،
يخفي خلف أمواجه شاطئًا.
وربما كان الأمل
ذلك الضوء الصغير
الذي يظهر في آخر الليل،
فنراه بعيدًا،
ونمضي نحوه.
لذلك سأواصل الإبحار،
وأترك للريح ما تبقى من خوفي،
وأحمل في قلبي
وترًا واحدًا لم ينكسر.
فما دام في صدري نفس،
وفي روحي لحن،
فالسفينة ما زالت تمضي…
وربما، خلف آخر موجة،
ينتظرني شاطئٌ جديد،
وشمسٌ لم أرها من قبل،
وحياةٌ تقول لي بهدوء:
ما زال في العمر
مرفأٌ يستحق الوصول.
بقلم عصام كحلة



