
بين رؤيتين
ثَمَّةَ رُؤْيَتَانِ تَتَقَابَلَانِ عَلَى طَرَفَيِ الزَّمَنِ؛
إِحْدَاهُمَا تُبْصِرُ بِعَيْنِ الضَّمِيرِ،
وَالأُخْرَى تُجِيدُ ارْتِدَاءَ الأَقْنِعَةِ.
الحَقِيقَةُ لَا تُجَادِلُ كَثِيرًا،
فَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّ النُّورَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى صَخَبٍ لِيُثْبِتَ وُجُودَهُ،
وَأَنَّ الوُضُوحَ لَا يَطْلُبُ شَهَادَةً مِنْ أَحَدٍ.
أَمَّا الزَّيْفُ، فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ كُلَّمَا اقْتَرَبَتْ لَحْظَةُ انْكِشَافِهِ،
لِأَنَّهُ يَخْشَى صَمْتَ الحَقِيقَةِ؛
فَفِي الصَّمْتِ تُرَى الوُجُوهُ عَلَى حَقِيقَتِهَا.
كَمْ مِنْ وَجْهٍ أَخْفَتْهُ الأَقْنِعَةُ،
وَكَمْ مِنْ قَلْبٍ أَضَاءَ الطَّرِيقَ فِي هُدُوءٍ،
دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ تَصْفِيقًا أَوْ ثَنَاءً.
فَالكَرَامَةُ لَيْسَتْ مَا نُعْلِنُهُ عَنْ أَنْفُسِنَا،
بَلْ مَا يَبْقَى مِنَّا حِينَ تَسْقُطُ كُلُّ الزَّوَائِفِ،
وَلَا يَبْقَى إِلَّا مِيزَانُ الأَخْلَاقِ.
قَدْ تَتَأَخَّرُ الحَقِيقَةُ،
لَكِنَّهَا لَا تُخْطِئُ الطَّرِيقَ،
وَقَدْ تَطُولُ لَيْلَةُ العَتَمَةِ،
لَكِنَّ الفَجْرَ لَا يَنْسَى مَوْعِدَهُ.
فَالنُّورُ، مَهْمَا أَحَاطَتْ بِهِ الظِّلَالُ،
يَبْقَى قَادِرًا عَلَى الإِشْرَاقِ.
عصام كحلة



