
من الإعلام إلى البحث الاستراتيجي… ومن تجربة الإنسان إلى مشروع السلام في الشرق
لقاء خاص مع الكاتب والباحث السوري سعيد فارس السعيد
من الإعلام إلى البحث الاستراتيجي…
ومن تجربة الإنسان إلى مشروع السلام في الشرق
سؤال: بدايةً، كيف تقدم نفسك للقارئ؟
سعيد فارس السعيد:
أنا كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل، متخصص في قضايا الأمن الاجتماعي والوطني والقومي والإعلام والرأي العام.
ولدت في حلب عام 1961، ونشأت في منطقة نبل في ريف حلب الشمالي، وهي بيئة غنية بالتاريخ والتنوع والتداخل الحضاري. وربما كان لهذا المكان أثر كبير في تكوين شخصيتي واهتماماتي الفكرية، وفي علاقتي بالتاريخ والمجتمع والإنسان.
___لم أنتمِ خلال حياتي إلى حزب سياسي أو تنظيم ديني أو طائفي أو نقابي، ولم أسعَ إلى منصب أو نفوذ سياسي.
اخترت أن أبقى مستقلاً، وأن تكون علاقتي بالقضايا من خلال البحث والكتابة والتحليل والنقد الموضوعي والبناء.
وأعتقد أن استقلال الكاتب ليس ترفاً، بل مسؤولية.
سؤال: كيف بدأت علاقتك بالكتابة والصحافة؟
الإجابة:
بدأت الكتابة في سن مبكرة، وكانت البدايات من خلال صحيفة «الجماهير الحلبية» ومجلة «الضاد»، واهتممت منذ البداية بالقضايا الثقافية والتراثية والاجتماعية، وبخاصة تاريخ المنطقة وتراثها.
كنت أرى أن الصحافة ليست مجرد نقل للأخبار، وإنما وسيلة لفهم المجتمع والتعبير عن قضاياه والدفاع عن حق الناس في المعرفة.
ومنذ تلك المرحلة بدأت تتشكل لدي قناعة بأن الكاتب لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل لما يحدث، بل عليه أن يحاول فهم لماذا يحدث، وما النتائج التي يمكن أن تترتب عليه.
سؤال: عملت في عدد من المؤسسات الرسمية والإعلامية. ماذا أضافت لك تلك التجربة؟
الإجابة:
العمل داخل المؤسسات يعرّف الإنسان على الدولة من الداخل، وعلى طريقة صناعة القرار، وعلى العلاقة بين الإعلام والمؤسسات والمجتمع.
عملت في المكتب الإعلامي لجامعة حلب، كما عملت مسؤولاً للإعلام والشكاوى في مجلس مدينة حلب، وألقيت محاضرات في المراكز الثقافية، وشاركت في مهرجانات وفعاليات شعرية وتراثية، وظهرت في وسائل إعلام عربية مختلفة.
هذه التجارب جعلتني أقترب أكثر من هموم الناس اليومية، وأدرك أن المواطن ليس رقماً في تقرير، وأن وراء كل شكوى أو قضية إنساناً له حقوق ومشاعر وحياة.
سؤال: عملت أيضاً في المجال الإعلامي المرتبط بالأمن القومي.
كيف تنظر اليوم إلى تلك المرحلة؟
الإجابة:
كانت مرحلة مهمة في تكويني المهني.
عملت مستشاراً ومسؤولاً إعلامياً في مكتب الأمن القومي السوري خلال الفترة التي أذكرها في سيرتي المهنية، وكانت مهمتي الأساسية مرتبطة بمتابعة وتحليل الصحافة العربية والأجنبية والإذاعات والتلفزيونات وإعداد التقارير الإعلامية اليومية.
هذه التجربة أعطتني معرفة واسعة بطريقة تناول وسائل الإعلام للقضايا السياسية والأمنية، وكيف يمكن للرأي العام أن يتأثر بالمعلومة وطريقة تقديمها.
وربما لهذا السبب أصبحت قضية الرأي العام والتأثير فيه لاحقاً محوراً أساسياً في دراستي الأكاديمية.
سؤال: الدكتوراه في الإعلام.
ما موضوع أطروحتك؟
الإجابة:
أطروحتي بعنوان «الرأي العام وطرق التأثير»،
أبحث فيها في أشكال الرأي العام وأنواعه ودوافعه، وفي الوسائل والأساليب التي يمكن من خلالها التأثير فيه وتشكيله.
وأهمية هذا الموضوع بالنسبة لي أنه لا يتعلق بالإعلام وحده، بل يرتبط بالسياسة والأمن والمجتمع وصناعة القرار.
فمن يفهم الرأي العام يستطيع أن يفهم جانباً مهماً من حركة المجتمع، ومن لا يفهمه قد يتخذ قرارات صحيحة في الشكل لكنها خاطئة في النتائج.
سؤال:
هل تعتبر نفسك سياسياً؟
الإجابة:
إذا كان المقصود بالسياسي الشخص المنتمي إلى حزب أو تيار أو الذي يسعى إلى منصب سياسي، فلا.
أما إذا كان المقصود بالسياسة فهم الدولة والمجتمع والعلاقات بين القوى والمصالح والقرارات وتأثيرها في حياة الناس، فبالتأكيد هي جزء أساسي من عملي البحثي.
أنا أتعامل مع السياسة كباحث مستقل، لا كطرف حزبي.
وأعتقد أن الكاتب يفقد جزءاً كبيراً من قيمته عندما يتحول إلى ناطق باسم جهة أو جماعة، ويصبح همه الدفاع عن موقفها مهما كان صواباً أو خطأ.
سؤال: كيف حافظت على استقلاليتك في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب؟
الإجابة:
ليس الأمر سهلاً، لكنه بالنسبة لي كان خياراً واضحاً.
أنا لا أريد أن أكون أسيراً لموقف مسبق، ولا أريد أن أكتب لأن جهة ما تريد مني أن أكتب.
قد أتفق مع موقف سياسي في قضية معينة، وأختلف معه في قضية أخرى، وهذا أمر طبيعي بالنسبة للباحث المستقل.
الاستقلال يعني أن يكون معيارك هو الحقيقة والمصلحة العامة والعدالة، وليس الانتماء.
سؤال: تعرضت خلال مسيرتك لضغوط بسبب الكتابة. هل دفعت ثمناً لاستقلالك؟
الإجابة:
نعم، كانت هناك تجارب صعبة.
تعرض منزلي للمداهمة والتوقيف عام 2009 على خلفية مقال تناول قضية فساد، ثم أُفرج عني قضائياً بعد يومين.
وفي عام 2010 تعرضت أيضاً لإجراءات أمنية، وصدرت بحقي إجراءات مرتبطة بالإقامة الجبرية وعدم السفر وعدم ممارسة العمل الإعلامي أو التواصل الإعلامي، واضطررت في منتصف ذلك العام إلى ترك عملي.
___أنا لا أذكر هذه التجارب من باب الشكوى أو تقديم نفسي كضحية، وإنما لأنها جزء من تجربة الكاتب الذي اختار أن يقول رأيه.
وقد علمتني هذه التجارب أن حرية الكلمة ليست شعاراً، وإنما مسؤولية وثمن.
سؤال: هل غيّرتك هذه التجارب تجاه الدولة والسلطة؟
الإجابة:
جعلتني أكثر تمييزاً بين الدولة والحكومة والسلطة.
أنا لست ضد الدولة، بل أؤمن أن الدولة هي الإطار الذي يحمي المجتمع ويضمن الحقوق وينظم العلاقة بين المواطنين.
لكن الدولة شيء، وأداء الحكومات والسلطات شيء آخر.
ومن حق الكاتب أن ينتقد أداء السلطة عندما يرى خطأً، كما أن من واجبه أن يعترف بالإنجاز عندما يرى إنجازاً.
النقد الموضوعي ليس عداءً للدولة، بل يمكن أن يكون دفاعاً عنها عندما يساعدها على تصحيح أخطائها.
سؤال: ما مفهومك للحرية؟
الإجابة:
الحرية ليست أن يفعل الإنسان كل ما يشاء.
الحرية الحقيقية تبدأ من قدرة الإنسان على مواجهة نوازع الشر في نفسه، ومواجهة غرائزه وأهوائه التي قد تضر به وبالآخرين.
ومن أجمل وأسمى مبادئ الحرية أن يستطيع الإنسان قول كلمة الحق في وجه سلطان جائر، ولكن من دون أن تتحول الحرية إلى فوضى أو إساءة أو تحريض على الآخرين.
الحرية مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً.
سؤال: ما معنى الوطن بالنسبة إليك؟
الإجابة:
الوطن ليس مجرد أرض وحدود وجغرافيا.
الوطن هو الإنسان، والحقوق، والكرامة، والأمن، والقانون، والانتماء.
ولا يمكن أن يطلب من إنسان أن يحب وطناً يشعر فيه بأنه أقل من غيره في الحقوق أو أكثر منه في الواجبات.
ولهذا أقول دائماً:
الوطن القوي، والذي سيكون الأقوى، هو عندما تتساوى الحقوق والواجبات لكل مكوناته.
سؤال: كثيراً ما تختلط العدالة بالانتقام.
كيف تنظر إلى ذلك؟
الإجابة:
العدالة ليست الانتقام.
لا يمكن بناء وطن من خلال الرغبة في الانتقام من جماعة بأكملها بسبب أخطاء أو جرائم ارتكبها أفراد منها.
من ارتكب جريمة يجب أن يحاسب وفق القانون، أياً كان انتماؤه.
أما العقاب الجماعي، أو تحميل الإنسان مسؤولية جريمة لم يرتكبها فقط لأنه ينتمي إلى منطقة أو طائفة أو جماعة معينة، فهو ظلم جديد، ولا يمكن أن يكون أساساً لدولة عادلة.
نحن نحتاج إلى عدالة تعيد بناء المجتمع، لا إلى انتقام يعيد إنتاج الكراهية.
سؤال: وكيف تنظر إلى مستقبل سوريا في ظل تعدد مكوناتها؟
الإجابة:
سوريا لا يمكن أن تكون قوية إلا إذا شعر كل سوري أنها وطنه.
المكونات السورية ليست مشكلة يجب التخلص منها، وإنما حقيقة اجتماعية وتاريخية يجب إدارتها ضمن دولة القانون.
المطلوب ليس أن يتخلى أي مكون عن هويته، وإنما أن تتساوى الهويات والمواطنون أمام الدولة في الحقوق والواجبات.
أنا أرفض منطق تحميل جماعة بأكملها مسؤولية ما ارتكبه بعض أفرادها، وأرفض أيضاً أن يتحول الخوف من الماضي إلى ظلم جديد في الحاضر.
سؤال: أنت عشت في بيئة إسلامية، ومع ذلك تؤكد دائماً على الانفتاح على بقية المكونات. كيف تفسر ذلك؟
الإجابة:
أنا أرى أن الإنسان لا يحتاج إلى كراهية الآخر حتى يثبت انتماءه.
يمكنني أن أعتز ببيئتي وثقافتي وتراثي، وفي الوقت نفسه أحترم تراث الآخرين ومعتقداتهم وشخصياتهم التاريخية.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتماء إلى تعصب، وعندما يتحول الاختلاف إلى عداء.
أما التنوع، فهو جزء من تاريخ المشرق.
سؤال: وكيف تنظر إلى الفكر السياسي الشيعي في هذا السياق؟
الإجابة:
أنا أرى أن الفكر السياسي الشيعي، في جذوره الأساسية، يحمل رؤية مرتبطة بالدولة والعدل والكرامة الإنسانية وإقامة الدولة على أساس الحق.
من الإمام علي عليه السلام إلى الإمام الحسن والإمام الحسين عليهم السلام، نجد حضوراً واضحاً لمفاهيم الدولةو العدالة ورفض الظلم وحماية الإنسان.
وأنا لا أنظر إلى التشيع باعتباره مشروعاً لإلغاء الآخرين، بل أرى في جوهره الفكري دعوة إلى دولة العدالة للجميع ، وإلى بناء مجتمع تكون فيه قيمة الإنسان مرتبطة بإنسانيته لا بلونه أو قوميته أو انتمائه.
والفكرة التي أؤمن بها هي أن الدولة العادلة هي التي تحمي الجميع.
سؤال: أين تضع تجربة الإمام موسى الصدر في هذا السياق؟
الإجابة:
الإمام موسى الصدر قدم نموذجاً مهماً في ربط الانتماء الديني بالعمل الوطني والإنساني.
لم يتعامل مع الطائفة الشيعية باعتبارها جزيرة منفصلة عن لبنان، وإنما تحدث عن لبنان كله، وعن الإنسان اللبناني، وعن الحوار والعيش المشترك.
وهذا نموذج أراه مهماً في فهم الدور الوطني لأي مؤسسة دينية أو اجتماعية.
سؤال: وكيف تنظر إلى دور العلامة الشيخ علي الخطيب والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى؟
الإجابة:
أرى أن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى كان زيجب أن يبقى مؤسسة دينية واجتماعية ووطنية، وأن يكون بيتاً لكل الشيعة وملتقى لكل المكونات.
والعلامة الشيخ علي الخطيب، في رأيي، رجل فكر وقامة فكرية وطنية وانسانية جديرة بالاحترام والتقدير من كل المكونات اللبنانية …
والشيخ الخطيب قامة فكرية واقعية وانسانية يستطيع أن يؤدي دوراً مهماً في هذا الاتجاه، خصوصاً من خلال خطابه وتأكيده على الحوار والوحدة الوطنية والعيش المشترك ورفض التكفير والعنف.
وهناك فرق بين الصوت السياسي التنفيذي وبين الصوت الديني والاجتماعي الوطني.
__وأعتقد أن قوة المؤسسات الدينية تكمن عندما تتحول إلى جسور بين الناس، لا إلى جدران تفصل بينهم.
سؤال: وماذا عن قضية المقاومة والسلاح والسيادة؟
الإجابة:
هذه قضية لا يمكن فصلها عن الاحتلال والسيادة والدولة.
أنا أؤمن بأن الأصل هو الدولة والقانون والسيادة الوطنية.
لكن لا يمكن أن نناقش السلاح بمعزل عن وجود الاحتلال والاعتداءات والتهديدات.
ومن هنا يجب أن يكون النقاش وطنياً ومسؤولاً، لا أن يتحول إلى تبادل للتخوين.
المطلوب الوصول إلى صيغة تحفظ سيادة الدولة وكرامة المواطنين وأمنهم، وتعالج أسباب الصراع بدل الاكتفاء بمعالجة نتائجه.
سؤال: وكيف تنظر إلى إسرائيل وإمكان تحقيق السلام في المنطقة؟
الإجابة:
أنا من أكثر المؤمنين بالحاجة إلى السلام، لكن السلام لا يعني الاستسلام.
السلام الحقيقي يحتاج إلى عدالة، وإلى احترام سيادة الدول وحقوق الشعوب، وإلى إنهاء الاحتلال والاعتداء والتهجير.
لا يمكن أن تطلب من شعب أن ينسى آلامه بينما تستمر الأسباب التي صنعت هذه الآلام.
أنا أؤمن أن شعوب المنطقة تستحق السلام، ولكن السلام العادل والدائم، وليس سلاماً مؤقتاً يُفرض بالقوة.
___محور: مار مارون والهوية المشرقية
سؤال: من بين مؤلفاتك كتاب بعنوان «أضواء على الكنيسة المارونية ومار مارون». ما الذي دفعك إلى الكتابة عن الكنيسة المارونية ومار مارون وأنت تنتمي إلى بيئة إسلامية؟
الإجابة:
ربما يكون هذا الكتاب من أكثر الكتب التي تعبّر عن شخصيتي الفكرية والإنسانية.
نشأت في منطقة قريبة من الجذور التاريخية للموارنة، وكنت منذ الصغر مهتماً بتاريخ المنطقة وتراثها ومكوناتها.
ومار مارون شخصية تاريخية وروحية ارتبط اسمها بجزء أساسي من تاريخ المشرق، والكنيسة المارونية تمثل مكوناً أصيلاً من مكونات هذا الشرق.
لذلك لم أكتب عن مار مارون بدافع طائفي أو ديني ضيق، وإنما كتبت عنه باعتباره شخصية تاريخية وروحية تستحق البحث والدراسة.
أنا لا أؤمن بأن معرفة تاريخ الآخر تهدد هويتي، بل أرى العكس تماماً؛ فكلما عرفت الآخر أكثر استطعت أن أفهمه وأحترمه وأتحاور معه بصورة أفضل.
ولهذا كتبت عن مار مارون والكنيسة المارونية من موقع الباحث الذي يريد أن يعرف، لا من موقع من يريد أن يحاكم أو يصنف أو يضع الناس في خانات طائفية.
سؤال: هل يمكن لكاتب مسلم أن يكتب عن شخصية مسيحية من دون أن يكون ذلك مجرد بحث تاريخي؟
الإجابة:
بالتأكيد.
هناك فرق بين أن تدرس الآخر لأنك تريد أن تعرفه، وأن تدرسه لأنك تريد أن تنتقص منه.
أنا أتعامل مع الشخصيات التاريخية والروحية باعتبارها جزءاً من الذاكرة الإنسانية والحضارية للمشرق.
ومار مارون ليس شخصية تخص الموارنة وحدهم من الناحية التاريخية؛ فهو جزء من تاريخ منطقة عاش فيها المسلمون والمسيحيون جنباً إلى جنب، وتداخلت فيها الحضارات والأديان والثقافات.
وأنا أؤمن بمبدأ بسيط:
الإنسان يستطيع أن يحب تراثه، ويحترم تراث الآخرين، من دون أن يتخلى عن هويته.
بل إن احترام تراث الآخر هو أحد أشكال الثقة بالذات، وليس تنازلاً عنها.
سؤال: لماذا اخترت مار مارون تحديداً موضوعاً لكتاب مستقل؟
الإجابة:
لأن مار مارون يمثل بالنسبة لي أكثر من شخصية تاريخية.
إنه جزء من ذاكرة المشرق، والبحث في سيرته وفي التراث المرتبط به هو بحث في جانب من تاريخ المنطقة وحضارتها.
وأعتقد أن الباحث لا ينبغي أن يكتفي بدراسة ما يعرفه مسبقاً، وإنما عليه أن يذهب إلى المساحات التي ربما لا يعرفها الآخرون عنه، وأن يحاول فهمها بموضوعية.
سؤال: هل ترى أن الجهل بتاريخ الآخر أحد أسباب الطائفية؟
الإجابة:
نعم، إلى حد كبير.
فالطائفية لا تولد دائماً من الاختلاف، وإنما كثيراً ما تولد من الجهل بالاختلاف، ومن الصور النمطية التي يصنعها الإنسان عن الآخر من دون أن يعرفه.
عندما يعرف المسلم تاريخ المسيحيين في بلاده، ويعرف المسيحي تاريخ المسلمين فيها، ويعرف كل مكون أن الآخرين ليسوا غرباء عن هذه الأرض، يصبح من الصعب على المتطرف أن يقنع الناس بأنهم يعيشون في جزر منفصلة.
المشكلة ليست في أن يكون للناس مذاهب وأديان وثقافات مختلفة؛ المشكلة عندما يتحول الاختلاف إلى خوف، والخوف إلى كراهية، والكراهية إلى عنف.
سؤال: ماذا اكتشفت من خلال دراستك للكنيسة المارونية ومار مارون؟
الإجابة:
اكتشفت أن تاريخ المشرق أكثر تشابكاً وعمقاً مما تقدمه لنا الخطابات الطائفية الضيقة.
فعندما نقرأ التاريخ بعيداً عن الاصطفافات، نجد أن شعوب المنطقة ومكوناتها لم تكن تعيش في عزلة عن بعضها، بل كانت تتفاعل وتتبادل التأثير، وتتشارك الأرض واللغة والثقافة والمصالح والتحديات.
وهذا ما يجعلني أعتقد أن العودة إلى التاريخ بصورة موضوعية يمكن أن تساعدنا في بناء المستقبل، لا في إعادة إنتاج صراعات الماضي.
سؤال: هل ينسجم كتاب «أضواء على الكنيسة المارونية ومار مارون» مع مشروعك الفكري العام؟
الإجابة:
ينسجم معه تماماً.
أنا لا أريد أن أكون كاتباً يكتب فقط عن الجماعة التي ينتمي إليها، ثم يتعامل مع بقية المكونات باعتبارها «الآخر».
مشروعي الفكري يقوم على الإنسان أولاً، وعلى الدولة والقانون والعدالة والمساواة والعيش المشترك.
ولذلك كتبت عن قضايا إسلامية ومسيحية وتاريخية واجتماعية وسياسية وأمنية، لأنني أرى أن الكاتب لا ينبغي أن يسجن نفسه داخل حدود الطائفة أو المذهب أو الحزب.
الكاتب الحقيقي يجب أن تكون مساحته أوسع من هويته الضيقة، وأن يكون قادراً على رؤية وطنه ومجتمعه بكل مكوناته.
سؤال: كيف تتصور العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مستقبل المشرق؟
الإجابة:
لا أرى مستقبلاً آمناً للمشرق إذا حاول أي مكون أن يعيش وحده أو أن يلغي الآخرين.
المشرق كان وسيبقى قوياً بتنوعه، وليس رغم تنوعه.
نحن بحاجة إلى الانتقال من فكرة «التعايش» بمعناها السلبي، أي أن يتحمل كل طرف وجود الآخر، إلى الشراكة الوطنية والإنسانية، حيث يشعر كل إنسان أن هذا الوطن وطنه، وأن حقوقه مصونة، وأن عليه في المقابل واجبات تجاه وطنه ومجتمعه.
سؤال: هل احترامك للآخر يعني أنك تتخلى عن هويتك؟
الإجابة:
على العكس تماماً.
أنا أرى أن الإنسان الذي يخاف من معرفة الآخر ومن احترامه ربما يكون غير واثق بما يكفي من هويته.
أنا أعتز بهويتي وتراثي وثقافتي، وفي الوقت نفسه أستطيع أن أقرأ تاريخ المسيحيين وأحترم رموزهم، وأن أتعرف إلى تاريخ الموارنة ومار مارون، وأن أبحث في تاريخ أي مكون آخر.
الهوية ليست جداراً نعزل أنفسنا خلفه، بل جذور تجعلنا أكثر قدرة على الانفتاح.
محور: الكتب والبحث والكتابة
سؤال: لديك أحد عشر كتاباً مطبوعاً.
ماذا تمثل لك الكتب؟
الإجابة:
الكتاب بالنسبة لي ليس مجرد صفحات مطبوعة.
الكتاب هو خلاصة مرحلة من التفكير والبحث، وهو محاولة لترك شيء يمكن أن يعود إليه الإنسان بعد سنوات.
لدي أحد عشر كتاباً مطبوعاً، وأعمل حالياً على إعادة طباعة عدد منها في لبنان.
وأنا لا أقيس قيمة الكتاب بعدد النسخ التي تباع، وإنما بما يضيفه إلى معرفة القارئ وبقدرته على فتح سؤال جديد في ذهنه.
سؤال: من بين مشاريعك كتاب «الفروسية عند العرب». ما الذي جذبك إلى هذا الموضوع؟
الإجابة:
الفروسية عند العرب ليست مجرد حديث عن الخيل.
هي جزء من تاريخ وثقافة وهوية اجتماعية وحضارية امتدت عبر قرون.
بحثت في أصول الخيل، والفروسية، وسباقات الخيل، والأنساب، والصفات والجمال والألوان، والمصادر التي تناولت هذا التراث.
وأردت أن أتعامل مع الموضوع باعتباره جزءاً من التراث العربي الذي يستحق التوثيق والدراسة، بعيداً عن النظرة السطحية التي تختصر الفروسية في السباق أو ركوب الخيل.
سؤال: هل تختلف طريقة كتابتك للكتاب عن المقال الصحفي؟
الإجابة:
بالتأكيد.
المقال يحتاج إلى التركيز والاختصار وإيصال الفكرة بسرعة، بينما الكتاب يمنح الباحث مساحة أوسع للتوثيق والتحليل والتفصيل.
لكن في الحالتين أحاول أن أحافظ على قاعدة واحدة: أن أكتب للقارئ باحترام، وألا أفرض عليه نتيجة مسبقة.
محور: الإعلام والرأي العام
سؤال: كيف تنظر إلى الإعلام اليوم، خصوصاً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي؟
الإجابة:
الإعلام أصبح أكثر تأثيراً وأسرع انتشاراً، لكنه في الوقت نفسه أصبح أكثر خطورة.
في السابق كانت المعلومة تمر عبر مؤسسات إعلامية يمكن مساءلتها، أما اليوم فقد يستطيع أي شخص نشر خبر أو شائعة تصل إلى آلاف أو ملايين الناس خلال دقائق.
ولهذا أصبحت الحاجة إلى الوعي الإعلامي أكبر من أي وقت مضى.
لا يجوز أن نصدق كل ما نقرأ، ولا أن ننشر كل ما يصل إلينا.
وأحياناً تكون أخطر جريمة إعلامية هي نشر معلومة غير صحيحة في لحظة توتر اجتماعي أو طائفي.
سؤال: هل تعتقد أن الإعلام يمكن أن يكون أداة لبناء السلام؟
الإجابة:
بالتأكيد.
الإعلام يستطيع أن يشعل الحرب، لكنه يستطيع أيضاً أن يطفئها.
يمكنه أن يركز على الخلافات، ويمكنه أن يبحث عن المشتركات.
يمكنه أن يحول الآخر إلى عدو، ويمكنه أن يقدمه باعتباره إنساناً له حقوق ومخاوف وأحلام.
ولهذا أعتقد أن مسؤولية الإعلام في منطقتنا أكبر من مسؤولية الإعلام في مناطق مستقرة، لأن كلمة واحدة قد تساهم في تهدئة مجتمع أو إشعال فتنة داخله.
محور: رؤيته للمستقبل
سؤال: ما المشروع الذي تريد أن تكرس له المرحلة المقبلة من حياتك؟
الإجابة:
أريد أن أكرس ما تبقى من جهدي للسلام في الشرق، ولإنسانية الإنسان.
لا أريد شرقاً تحكمه الكراهية الطائفية أو الدينية أو القومية أو العشائرية.
أريد شرقاً تكون فيه الدولة أقوى من الفوضى، والقانون أقوى من السلاح المنفلت، والعدالة أقوى من الانتقام، والإنسان أهم من الانتماء.
وأؤمن أن هذا المشروع لا يخص طائفة أو حزباً أو دولة بعينها، وإنما يخص جميع شعوب المنطقة.
سؤال: ما الرسالة التي تريد إيصالها إلى الأجيال الجديدة؟
الإجابة:
لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن المختلف عنكم هو عدوكم.
اعرفوا تاريخكم، ولكن اعرفوا أيضاً تاريخ الآخرين.
تمسكوا بهويتكم، ولكن لا تجعلوا الهوية سبباً لكراهية إنسان آخر.
طالبوا بحقوقكم، ولكن لا تنسوا واجباتكم.
وانتقدوا الخطأ، ولكن لا تحوّلوا النقد إلى كراهية.
وأهم من ذلك كله: لا تسمحوا للمتطرفين بأن يختصروا أوطانكم في طائفة أو مذهب أو حزب أو جماعة.
سؤال: بعد كل هذه التجارب، ماذا تعني لك كلمة «السلام»؟
الإجابة:
السلام بالنسبة لي ليس مجرد توقف إطلاق النار.
السلام هو أن ينام الإنسان آمناً، وأن يذهب ابنه إلى المدرسة آمناً، وأن يعمل ويختلف مع غيره في الرأي من دون أن يخاف، وأن يعرف أن القانون سيحميه.
السلام هو أن يشعر الإنسان أن وطنه لا يطلب منه أن يتخلى عن هويته حتى يكون مواطناً.
السلام هو العدالة، والكرامة، والمساواة، واحترام الإنسان.
سؤال: إذا طلبنا منك اختصار فلسفتك الفكرية في كلمات قليلة، ماذا تقول؟
الإجابة:
أقول:
الإنسان أولاً، والدولة للجميع، والحقوق متساوية، والعدالة بلا انتقام، والسلام هو المستقبل.
وأضيف دائماً:
لا يمكن أن نبني شرقاً جديداً بعقلية الماضي، ولا يمكن أن نصنع السلام بالكراهية.
سؤال أخير: ماذا تريد أن يبقى من تجربتك بعد سنوات؟
الإجابة:
لا أريد أن يبقى اسمي بقدر ما أريد أن تبقى الفكرة.
أن يعرف الناس أن الإنسان يستطيع أن يكون مستقلاً من دون أن يكون عدواً لأحد.
وأن يستطيع الكاتب أن ينتقد من دون أن يكره، وأن يدافع عن وطنه من دون أن يلغي الآخرين، وأن يحب تراثه من دون أن يحتقر تراث الآخرين.
إذا بقيت هذه الفكرة، فأعتقد أن الكتابة تكون قد أدت رسالتها.
وأنا ما زلت أؤمن بأن الشرق قادر على النهوض من جديد، إذا انتصر فيه الإنسان على التعصب، وانتصر القانون على الفوضى، وانتصر السلام على الحرب.



