ماذا يبقى من الإنسان حين يرحل الإنسان؟

 

بقلم : أمين السكافي

ليس أصعب ما في الموت أن يرحل الإنسان، بل أن يواصل العالم سيره بعده كأن شيئاً لم يحدث.

 

تُغلق نافذة، يُطوى ثوب، يُعاد ترتيب غرفة، تُرفع صورة عن طاولة، ثم تأتي الأيام ببرودها المعتاد. تشرق الشمس في موعدها، تمتلئ الطرقات بالناس، تُفتح المتاجر، تُقرع الأبواب، وتستمر الحياة في أداء طقوسها القديمة. وحده الذين أحبوا الراحل يعرفون أن شيئاً في العالم قد انكسر، وإن بدا كل شيء في مكانه.

 

فماذا يبقى من الإنسان حين يرحل الإنسان؟

 

يبقى أولاً ذلك الفراغ الذي لا يشبه أي فراغ. فالكرسي الذي كان يجلس عليه لا يصبح فارغاً تماماً؛ يظل يحمل شيئاً من حضوره. وصوته لا يختفي دفعة واحدة، بل يظل معلقاً في الذاكرة، يظهر أحياناً في لحظة لا نتوقعها: في كلمة يقولها شخص آخر، في رائحة مكان، في أغنية، أو حتى في فنجان قهوة كان يحبه.

 

الغريب أن الإنسان بعد رحيله لا يعود موجوداً في المكان، لكنه يبدأ في الوجود داخلنا بطريقة أخرى.

 

نحن لا نحمل موتانا في المقابر فقط؛ نحملهم في عاداتنا الصغيرة، في بعض الكلمات التي أخذناها منهم، في طريقة نظرنا إلى الأشياء، وربما في أخلاق لم نكن نعرف أنها وصلت إلينا منهم إلا بعد غيابهم.

 

قد يموت الأب، لكن طريقته في الإمساك بيد ابنه لا تموت.

 

وقد ترحل الأم، لكن شيئاً من دعائها يبقى في قلب أبنائها، حتى أولئك الذين كبروا وابتعدوا وأصبحوا يظنون أنهم لم يعودوا بحاجة إلى أحد.

 

وقد يغيب صديق، فنبقى سنوات نلتفت إلى الهاتف حين يحدث شيء كنا نعتاد أن نخبره به.

 

هنا نفهم أن الإنسان لا يعيش عمره وحده.

 

إنه يعيش أيضاً في أعمار الآخرين.

 

كل كلمة طيبة قالها، وكل يد مدّها، وكل قلب واساه، وكل لحظة أمان منحها لإنسان خائف، قد تتحول بعد رحيله إلى جزء من حياة شخص آخر. ولذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي: كم سنة عاش الإنسان؟ بل: كم حياة لمس وهو حي؟

 

هناك أناس عاشوا طويلاً ولم يتركوا وراءهم إلا تاريخاً على ورقة.

 

وهناك من عاشوا قليلاً، لكن غيابهم صار أثقل من حضور كثيرين.

 

ليست المسألة في طول العمر، بل في كثافة الحضور.

 

فالإنسان قد يكون موجوداً في غرفة ولا يكون حاضراً في حياة أحد، وقد يغادر الدنيا فيصبح حاضراً في ذاكرة عشرات القلوب.

 

وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الوجود قسوة وجمالاً: نحن لا نعرف أحياناً قيمة الإنسان إلا بعد أن يصبح من المستحيل أن نقول له ذلك.

 

نؤجل الاعتذار.

 

نؤجل كلمة الحب.

 

نؤجل زيارة من نحب.

 

نقول: غداً.

 

وكأن الغد ملك أيدينا.

 

ثم يأتي يوم نكتشف فيه أن بعض الكلمات لها موعد أخير، وأن بعض الأبواب حين تُغلق لا تُفتح مرة ثانية، وأن الإنسان الذي كنا نظن أن وجوده مضمون لم يكن مضموناً إلا في وهمنا.

 

كم شخصاً نحب، ولا يعرف أنه محبوب؟

 

كم أباً رحل وفي قلبه كلمة كان ينتظر سماعها؟

 

كم أماً نامت وهي تخفي حزناً لأنها لم ترد أن تثقل على أبنائها؟

 

كم صديقاً ابتعد لأننا ظننا أن الصداقة القوية لا تحتاج إلى سؤال؟

 

نحن لا نخسر الناس يوم يموتون فقط؛ أحياناً نخسرهم وهم أحياء، حين نبخل عليهم بما يحتاجه القلب أكثر من أي شيء آخر: الاهتمام.

 

ولعل الموت لا يأتي دائماً ليأخذ الإنسان منا؛ أحياناً يأتي ليكشف لنا قيمة ما كان بين أيدينا.

 

لهذا فإن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان ليس أن يبني لنفسه تمثالاً من الحجر، ولا أن يترك اسمه مكتوباً على أبواب المؤسسات، بل أن يترك في قلب إنسان آخر شيئاً لا يستطيع الزمن هدمه.

 

أن يتذكره أحد فيقول: كان هنا شخص جعلني أشعر أنني لست وحدي.

 

هذه ربما تكون واحدة من أجمل صور الخلود.

 

فالخلود ليس بالضرورة أن يبقى اسمك في الكتب، فقد تنسى الكتب أسماء كثيرة. وليس أن تبقى صورتك معلقة على جدار، فالجدران تتغير. وليس أن يبقى بيتك قائماً، فالبيوت أيضاً تشيخ.

 

الخلود الحقيقي أن يستمر شيء منك في إنسان آخر.

 

أن يكون في الدنيا شخص أكثر رحمة لأنك عاملته برحمة.

 

وشخص أكثر شجاعة لأنك وقفت إلى جانبه في خوفه.

 

وشخص أكثر إنسانية لأنك لم تهنه حين كان ضعيفاً.

 

وشخص ما زال يؤمن بالوفاء لأنك كنت وفياً له حين لم يكن لديك ما تكسبه منه.

 

عندها فقط يصبح الرحيل انتقالاً لا انقطاعاً.

 

ولعل أجمل ما في الإنسان أنه يستطيع أن يترك أثراً لا يعرف أنه تركه.

 

ربما كلمة قلتها منذ عشرين عاماً أنقذت شخصاً من اليأس، وأنت لا تعلم.

 

ربما ابتسامة منحتها لغريب في يوم عابر جعلته يشعر أن الدنيا لم تكن كلها قاسية.

 

ربما موقف صغير ظننته عادياً ظل في ذاكرة إنسان آخر طوال عمره.

 

وهذا يعني أننا لا نملك أن نعرف حجم الأثر الذي نتركه.

 

نحن نمشي في حياة الآخرين بأقدامنا، ولا نرى آثار خطواتنا إلا بعد أن نغادر.

 

وحين نرحل، لا يأخذ الموت كل شيء.

 

يأخذ الجسد، والصوت، واليد، والمواعيد، وتفاصيل كثيرة كانت تجعل الإنسان قريباً منا. لكنه يعجز عن أخذ المعنى الذي صنعه ذلك الإنسان فينا.

 

لهذا، حين يموت من نحب، لا ينبغي أن نسأل فقط: لماذا ذهب؟

 

ربما ينبغي أن نسأل سؤالاً أكثر وجعاً وأعمق معنى:

 

ماذا فعل وجوده بنا؟

 

فإن كان قد جعلنا أرحم، وأصدق، وأوفى، وأقل قسوة على الآخرين، فهو لم يرحل تماماً.

 

لقد ترك جزءاً منه فينا.

 

وربما هذا هو سر الإنسان كله:

 

أننا نأتي إلى الدنيا بلا شيء تقريباً، ثم نقضي أعمارنا نجمع الأشياء، ونظن أن قيمتنا فيما نملك، قبل أن نكتشف في اللحظة الأخيرة أن أغلى ما نتركه ليس ما امتلكناه، بل ما جعلناه يشعر به الآخرون حين كنا بينهم.

 

وفي النهاية، لن يتذكر الناس كم كان لدينا، ولا كم انتصرنا في خصوماتنا، ولا كم مرة أثبتنا أننا على حق.

 

سيتذكرون كيف جعلناهم يشعرون.

 

وهناك، في تلك المسافة الخفية بين قلب وقلب، يكون الإنسان قد ترك قبره الحقيقي.

 

فالموت يغلق الباب خلفنا، نعم.

 

لكنه لا يستطيع أن يغلق الأبواب التي فتحناها في أرواح الآخرين.

 

وإذا بقي بعد رحيلنا قلب واحد يقول: «كان وجوده جميلاً في حياتي»، فربما يكون ذلك كافياً كي لا يكون العمر قد مرّ عبثاً.

شارك