من مكة إلى باب المندب… المنطقة تقترب من لحظة الانفجار

 

الصين تضغط على ايران …و ايد عربية تلعب ضد السعودية

 

#عدنان_الروسان

 

السؤال لم يعد: هل ستندلع الحرب بل: هل يستطيع أحد إيقافها قبل أن تتسع دائرتها؟

 

يحتدم الجدل من جديد حول محاولة استهداف مكة المكرمة من جانب الحوثيين. السعودية تقول إنها اعترضت مسيّرة حوثية جنوب مكة، بينما ينفي الحوثيون استهداف المدينة المقدسة.وبعيداً عن الجدل حول الهدف النهائي للمسيّرة، فإن المؤكد أن الحادثة تفتح الباب أمام أسئلة أكبر بكثير من مسألة الاستهداف نفسها: إلى أين تتجه الحرب في اليمن؟ وهل تتجه المنطقة إلى مواجهة جديدة بين السعودية والحوثيين، أم أن هناك من يعمل على احتواء التصعيد؟

الأخطر في المشهد، في رأيي، ليس المسيّرة التي تم اعتراضها، وإنما التقدم الحوثي في غرب اليمن وتعاظم قدرتهم على تهديد البحر الأحمر وباب المندب.

كان متوقعاً أن يؤدي الضغط العسكري الذي مارسته القوات اليمنية وحلفاؤها إلى إضعاف الحوثيين ودفعهم إلى التراجع، لكن التطورات الأخيرة جاءت في الاتجاه المعاكس، مع توسع سيطرتهم على مناطق ساحلية ومواقع ذات أهمية استراتيجية.

وهنا تجد السعودية نفسها أمام معادلة صعبة: إذا تركت هذا التوسع من دون رد، فقد يتغير ميزان القوى على حدودها الجنوبية وفي البحر الأحمر، وإذا عادت إلى حرب واسعة في اليمن، فقد تجد نفسها أمام حرب طويلة يصعب حسمها.

 

ومن هنا تتدافع الأسئلة أمام صانع القرار السعودي:

ما دور إيران في التصعيد الحوثي؟

وهل تستطيع طهران فعلاً ضبط الحوثيين؟

وهل هناك أطراف إقليمية تدفع باتجاه مواجهة سعودية-حوثية جديدة؟

وما الذي يمكن أن يقدمه حلف مكة بين السعودية وتركيا وباكستان إذا تعرضت المملكة لهجمات متكررة؟

وأين تقف الولايات المتحدة في كل ذلك؟

 

حلف مكة مهم، لكن من الضروري عدم المبالغة في تفسيره. فوجود اتفاق دفاعي لا يعني تلقائياً دخول تركيا أو باكستان في حرب داخل اليمن. قد يبدأ الأمر بالتعاون الاستخباري والدفاع الجوي وحماية المنشآت والدعم اللوجستي، ولا يصل بالضرورة إلى إرسال قوات للقتال.

وفي المقابل، يبدو أن الصين تحاول لعب دور مختلف. فقد نقلت تقارير أن بكين طلبت من إيران استخدام نفوذها لدى الحوثيين لمنع مزيد من التصعيد في اليمن والبحر الأحمر.

وهذا منطقي من الناحية الصينية؛ فبكين تريد الحفاظ على علاقاتها مع إيران ودول الخليج في آن واحد، لكنها تريد أيضاً حماية التجارة والطاقة والملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. لذلك تستطيع الصين أن تكون قريبة من إيران، وفي الوقت نفسه تضغط عليها عندما تتعارض تصرفات حلفائها مع مصالحها الاستراتيجية.

أما القول إن الحوثيين مجرد أداة إيرانية تتحرك بأوامر مباشرة من طهران، فهو تبسيط للمشهد. إيران تملك نفوذاً كبيراً عليهم وتقدم لهم دعماً عسكرياً وسياسياً، لكن الحوثيين أصبحوا قوة لها حساباتها ومصالحها الخاصة، ولذلك فإن قدرة طهران على التأثير فيهم لا تعني بالضرورة قدرتها على إيقافهم متى شاءت.

والولايات المتحدة بدورها تقدم مشهداً محيراً للسعودية؛ فهي من جهة تؤكد حماية حلفائها ومصالحها في المنطقة، ومن جهة أخرى تبقي قنوات الاتصال مفتوحة مع الحوثيين. وهذا يطرح سؤالاً عن مدى استعداد واشنطن لدعم الرياض إذا تحولت الهجمات إلى تهديد مستمر للأراضي والمنشآت السعودية.

لكن الخطر الأكبر قد يكون في البحر الأحمر نفسه.

فالسيطرة الكاملة على باب المندب ليست ضرورية حتى يصبح ورقة ضغط. مجرد القدرة على تهديد السفن يمكن أن ترفع تكاليف التأمين والنقل، وتؤثر في التجارة والطاقة، وتجعل اليمن جزءاً من أزمة دولية تتجاوز حدوده.

 

أما السؤال الذي يشغل الجميع: هل نحن أمام حرب إقليمية شاملة؟

لا أعتقد أن أحداً يستطيع الجزم بذلك الآن.

هناك عوامل تدفع نحو التصعيد: التقدم الحوثي، الهجمات على السعودية، الدور الإيراني، اضطراب الملاحة، والحديث عن تفعيل حلف مكة.

لكن هناك أيضاً عوامل تدفع نحو الاحتواء: المصالح الصينية، والمصالح الخليجية، وحسابات تركيا وباكستان، ورغبة الولايات المتحدة في تجنب الانجرار إلى حرب جديدة.

 

ولهذا قد يكون السيناريو الأقرب في المرحلة المقبلة ليس حرباً شاملة ولا سلاماً نهائياً، وإنما جولات متكررة من التصعيد والتهدئة والتفاوض.

المشكلة أن هذا النوع من الأزمات قد يستمر سنوات، كما حدث في صراعات إقليمية أخرى، من دون أن ينجح أي طرف في تحقيق نصر حاسم.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط:هل حاول الحوثيون استهداف مكة؟

 

بل هل يستطيع النظام الإقليمي احتواء التصعيد، ومنع اليمن وباب المندب من التحول إلى جبهة دائمة في الصراع بين إيران ودول الخليج؟

إذا نجحت الضغوط والوساطات في ضبط التصعيد، فقد تعود الأطراف إلى التفاوض.

أما إذا استمر التوسع الحوثي، وتصاعدت الهجمات على السعودية والملاحة، فقد تدخل المنطقة مرحلة جديدة يصعب فيها الفصل بين الحرب اليمنية والصراع الإيراني-الخليجي وأمن البحر الأحمر.

المنطقة على حافة مرحلة شديدة الحساسية، لكن بين الوقوف على حافة الحرب والسقوط فيها مسافة لا تزال مفتوحة على أكثر من احتمال.

شارك