
وكلاء الذكاء الاصطناعي واختراق النقاش العام: شبكات التأثير الوهمية من البحث الدفاعي إلى الهجوم السيبراني.
أشرف التهامي.
وكلاء الذكاء الاصطناعي واختراق النقاش العام: شبكات التأثير الوهمية من البحث الدفاعي إلى الهجوم السيبراني. 4811
شهدت الساحة الرقمية تحولاً نوعياً جلياً في طبيعة العمليات السيبرانية وحملات التأثير الموجهة، حيث تجاوزت التكنولوجيا مرحلة توليد المحتوى المضلل إلى الأتمتة الكاملة لإدارة الهويات الافتراضية عبر الشبكات الاجتماعية. وفي هذا السياق، كشفت التقارير الاستخباراتية والإعلامية الأخيرة -وعلى رأسها ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز- عن قيام شركات استخبارات سيبرانية مثل شركة IntelEye، التي أسسها خبراء وموظفون سابقون في قطاعات أمنية، بتوظيف “وكلاء الذكاء الاصطناعي” (AI Agents) لتوجيه آلاف الحسابات الوهمية وإغراق النقاش السياسي الإسرائيلي الداخلي بمواقف متضاربة. يسلط هذا التقرير الضوء على أبعاد هذه التطورات، والآليات التقنية المعتمدة على النماذج مفتوحة المصدر، بالإضافة إلى النماذج الإقليمية والدولية المشابهة والتداعيات الخطيرة لهذه التكتيكات على مستقبل الأمن القومي واستقرار العملية الديمقراطية.
فقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن شركة “” IntelEye، التي أسسها موظفون سابقون في مكتب الأمن القومي، استخدمت حسابات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لنشر منشورات مؤيدة ومعارضة لنتنياهو؛ وتقول الشركة إنها كانت تجربة بحثية دفاعية وليست حملة تأثير.
كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن تقرير مفصل عن جيل جديد من عمليات التأثير عبر الإنترنت الآلية إلى حد كبير، حيث قامت شركة مقرها تل أبيب أسسها موظفون سابقون في مجموعة NSO بتشغيل ما يقرب من 1000 حساب مزيف على وسائل التواصل الاجتماعي دخلت في مناقشات سياسية إسرائيلية ونشرت محتوى يدعم ويعارض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وكلاء الذكاء الاصطناعي واختراق النقاش العام: شبكات التأثير الوهمية من البحث الدفاعي إلى الهجوم السيبراني. 4912
ذكرت صحيفة “التايمز” أن شركة “إنتل آي” (IntelEye) كانت واحدة من شركتين إسرائيليتين خاصتين جرى تتبع أنشطتهما في إطار تحقيق أوسع حول حملات تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء وتشغيل شبكات من الحسابات الوهمية؛ وقد تبيّن أن حملات مماثلة مرتبطة بإيران والصين كانت تحظى بدعم حكومي.
وكلاء الذكاء الاصطناعي واختراق النقاش العام: شبكات التأثير الوهمية من البحث الدفاعي إلى الهجوم السيبراني. 5097
الرئيس التنفيذي السابق لشركة NSO، شاليف هوليو.
صرح مسؤول أمني أمريكي -مطلع على أنشطة “إنتل آي” (IntelEye)- لصحيفة “التايمز” بأن العملية لفتت انتباه شركات التواصل الاجتماعي وأجهزة الاستخبارات الأمريكية في وقت سابق من هذا العام؛ إذ ظهرت الحسابات على منصات “فيسبوك” و”إنستغرام” و”تيك توك” و”إكس”، وتفاعلت مع منشورات وتعليقات تتعلق بالانتخابات الوطنية في إسرائيل.
وفقاً للمسؤول، نشرت الحسابات أيضاً مواد تدعم نتنياهو وأخرى تعارضه، مما جعل الشبكة حاضرة في جوانب متعددة من النقاش السياسي الإسرائيلي بدلاً من الاكتفاء بالترويج لموقف سياسي واحد.
ترفض شركة “IntelEye” وصف عملها بأنه “حملة تأثير”، وتؤكد أن نشاطها كان عبارة عن تجربة بحثية دفاعية تهدف إلى كشف نقاط الضعف في أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وصرح ماور سيليك، الشريك المؤسس للشركة، لصحيفة “التايمز” قائلاً:
“لا تدير IntelEye حملات تأثير؛ فقد أُجري عملنا مع نموذج DeepSeek لأغراض البحث والاختبار الدفاعي، وذلك لفهم كيفية إساءة استخدام النماذج التي تفتقر إلى تدابير حماية كافية، ولتحسين القدرة على رصد مثل هذه الأنشطة”.
شراء 10 آلاف حساب، منها نحو 1000 حساب نشط.
وأوضح سيليك أن الشركة اشترت 10 آلاف حساب على منصات التواصل الاجتماعي لتتولى وكلاء الذكاء الاصطناعي إدارتها، إلا أن نحو ألف حساب فقط منها دخلت حيز التشغيل الفعلي.
نشرت تلك الحسابات تعليقات أسفل المنشورات ومقاطع الفيديو وحاولت إشراك مستخدمين آخرين في محادثات، رغم أن “سيليك” أشار إلى أنها لم تحقق سوى نجاح محدود ، كما ذكر أن نظام الذكاء الاصطناعي نفسه هو من اختار المحفزات والمواضيع التي نشرت الحسابات محتوىً حولها.
واستخدمت “إنتل آي” (IntelEye) نموذج “ديب سيك” (DeepSeek) -وهو نموذج ذكاء اصطناعي صيني مفتوح المصدر- للتحكم في تلك الحسابات، وذلك وفقاً لما ذكره “سيليك”.
وعلى عكس الحسابات الآلية التقليدية التي تتبع نصوصاً برمجية محددة مسبقاً، أتاحت التقنية التي وصفتها صحيفة “التايمز” لـ “وكلاء” الذكاء الاصطناعي تنفيذ خطوات متعددة بشكل مستقل؛ إذ يمكن لهؤلاء الوكلاء تشغيل البرمجيات، وإنشاء الحسابات، وتحديد ما سيتم نشره، والتفاعل مع مستخدمين آخرين بحد أدنى من التدخل البشري.
وأقر “سيليك” بأنه كان ينبغي على “إنتل آي” -عند النظر إلى الأمر بأثر رجعي- إبلاغ شركات التواصل الاجتماعي بأنها تجري هذه الاختبارات.
أما شركة “ميتا” (Meta) -الشركة الأم لفيسبوك وإنستغرام- فقد قدمت تقييماً أكثر حدة لهذا النشاط.
وصرح متحدث باسم “ميتا” لصحيفة “التايمز” قائلاً:
“يبدو أن هذه كانت محاولة منسقة لإنشاء حسابات غير حقيقية عبر منصات متعددة”.
وذكرت الشركة أن نسبة ضئيلة فقط من تلك الحسابات كانت موجودة على منصات “ميتا”، وأن الغالبية العظمى منها قد أُزيلت بالفعل بواسطة أنظمة الكشف الآلي التابعة لها.
كما رصدت “ميتا” حملة منفصلة تُعزى إلى “عملية تجارية مقرها إسرائيل”، وذلك وفقاً لتقرير أصدرته الشركة الشهر الماضي ، هذا ولم تفصح الشركة عن اسم الجهة القائمة على العملية أو تقدم مزيداً من المعلومات التعريفية، لكنها أشارت إلى أن الحملة استخدمت الذكاء الاصطناعي في “إعداد متطور إلى حد ما”.
إيران والصين استخدمتا أساليب مماثلة.
كان النشاط الإسرائيلي جزءاً من نمط أوسع رصده مسؤولون أمريكيون وباحثون أمنيون؛ حيث أفادوا لصحيفة “التايمز” بأن إيران والصين ومجموعات في إسرائيل بدأت مؤخراً في الجمع بين نماذج ذكاء اصطناعي قوية مفتوحة المصدر وبين وكلاء ذاتيي التشغيل (autonomous agents) لتنفيذ حملات تأثير بسرعة ونطاق أوسع.
ووفقاً للتقرير، استُخدم المئات من وكلاء الذكاء الاصطناعي لإنشاء حسابات وهمية على منصات إنستغرام وفيسبوك و”إكس” (X) وتيك توك، ثم تزويدها بمحتوى يتعلق بالسياسة والشؤون الراهنة، بهدف توجيه الآراء أو تأجيج النزاعات القائمة.
ووصفت صحيفة “التايمز” هذا التطور بأنه أحد أوائل الحالات المعروفة التي استُخدم فيها وكلاء ذكاء اصطناعي مدعومون بنماذج صينية في مراحل العملية بأكملها تقريباً، بدءاً من إنشاء هويات وهمية ووصولاً إلى تنسيق المحتوى المنشور.
صرح مسؤولون أمريكيون للصحيفة بأن القائمين على تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي قاموا، في حالات عديدة، بتعطيل تدابير الحماية المصممة لمنع هذه الأنظمة من إنشاء حسابات مضللة أو التلاعب بالمناقشات عبر الإنترنت.
وكلاء الذكاء الاصطناعي واختراق النقاش العام: شبكات التأثير الوهمية من البحث الدفاعي إلى الهجوم السيبراني. 5165على الرغم من وصف تلك الحملات بأنها بدائية، إلا أن مستوى الأتمتة فيها لفت انتباه وكالات الاستخبارات الأمريكية وشركات التكنولوجيا وباحثي الأمن السيبراني.
وقد أثارت العملية الإيرانية قلقاً خاصاً لأنها استهدفت جمهوراً داخل الولايات المتحدة ، ووفقاً لصحيفة “التايمز”، انتحلت حسابات أُنشئت بواسطة الذكاء الاصطناعي شخصيات أمريكيين عاديين يقيمون في مدن كبرى، حيث قامت بالإشارة (tagging) إلى سياسيين وصحفيين، ونشرت صوراً ساخرة (ميمز) ومحتوى مناهضاً للحزب الجمهوري.
وقد تابع ما يقرب من 80 ألف مستخدم حسابات مرتبطة بالشبكة الإيرانية التي كانت نشطة خلال النصف الأول من العام.
وفي المقابل، قدم المسؤولون تفاصيل أقل حول العملية الصينية، مكتفين بالقول إنها جربت التكتيكات ذاتها القائمة على الذكاء الاصطناعي.
من المنشورات المزيفة إلى المستخدمين الوهميين.
يُستخدم الذكاء الاصطناعي منذ سنوات لإنشاء صور ومقاطع فيديو ونصوص مضللة.
أما التحول الكبير الذي أشار إليه تقرير “التايمز” فيتمثل في القدرة المتزايدة للذكاء الاصطناعي على إدارة العملية برمتها بنفسه.
فبدلاً من الاكتفاء بإنشاء منشور سياسي ليقوم مشغّل بشري بنشره، أصبحت وكلاء الذكاء الاصطناعي قادرة بشكل متزايد على إنشاء الحساب، وبناء شخصية افتراضية، واختيار الموضوع، ونشر المحتوى، والتفاعل مع المستخدمين الآخرين.
صرحت شركة “ميتا” مؤخراً بأن الذكاء الاصطناعي أصبح “مدمجاً في أنظمة آلية قادرة على إنتاج المحتوى وتكييفه وتوزيعه بأقل قدر من التدخل البشري”.
وأوضح باحثون في مجال الأمن لصحيفة “التايمز” أن نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر تكتسب أهمية خاصة؛ نظراً لإمكانية تنزيلها وتعديلها وتشغيلها بشكل خاص ومستقل.
وعلى عكس النماذج المغلقة التي تديرها شركات التكنولوجيا، قد لا توجد شركة خارجية قادرة على التدخل وإيقاف نظام يُدار بشكل خاص بمجرد إزالة تدابير الحماية منه.
وقال كايل كريشتون، الباحث في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورجتاون، إن المخاطر تتجاوز مجرد العدد الهائل للحسابات التي يمكن إنشاؤها.
وصرح للصحيفة قائلاً: “يمكن أن تكون هذه الوكلاء [الأنظمة الآلية] متطورة للغاية؛ لذا فبالإضافة إلى عامل النطاق الواسع، فهي تمتلك القدرة على الاندماج والظهور بمظهر المستخدم البشري الحقيقي”.
وذكر مسؤولون أمريكيون أن هذه القدرات الناشئة قد فاقمت المخاوف من احتمال استخدام عمليات مماثلة ضد الناخبين قبيل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في نوفمبر.
وكانت كل من روسيا وإيران والصين قد استخدمت سابقاً حملات تأثير عبر الإنترنت استهدفت الجمهور الأمريكي، بمستويات متفاوتة من توظيف الذكاء الاصطناعي.
وفي إسرائيل، تقدم قضية “إنتل آي” (IntelEye) مثالاً ملموساً للغاية على كيفية تغلغل هذه التكنولوجيا في النقاشات السياسية المحلية؛ إذ شملت العملية نحو 1000 هوية اصطناعية قامت بالتعليق والرد ونشر رسائل تدعم أطرافاً متنافسة في جدل سياسي محتدم، في حين تؤكد الشركة القائمة على هذه العملية أن الهدف منها كان إثبات مدى سهولة إساءة استخدام مثل هذه الأنظمة.
في ختام هذا التقرير، يتجلى أن استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلين يُشكل قطيعة جبلية مع أساليب التضليل التقليدية؛ إذ ألغى الحاجة للتدخل البشري المباشر وفرّض تحديات غير مسبوقة على خوارزميات الرصد والحياد الرقمي. وسواء سُوقت هذه الأنشطة كـ “تجربة بحثية دفاعية” كما تدعي الشركة، أو جرى استغلالها كحملات تأثير موجهة كما تؤكد شركات التكنولوجيا مثل “ميتا”، فإن النتيجة الواحدة هي هشاشة الفضاء الرقمي أمام التلاعب الممنهج. إن تضافر النماذج الذكية مفتوحة المصدر مع الثغرات التنظيمية يجعل من ضبط هذه الحسابات الوهمية مسألة أمن قومي عابرة للحدود، مما يتطلب إستراتيجيات ردع استخباراتية وتنظيمية جديدة تقي المجتمعات خطر التزييف الممنهج للإرادة العامة.


