الاستفادة الاستراتيجية وإعادة التموضع الإقليمي إيران وإسرائيل وتوازن القوى الجديد في الشرق الأوسط.

ashraf.eltouhamy
أشرف التهامي.

يتناول هذا التقرير المنشور على الموقع الرسمي للمعهد الدولي لمكافحة الإرهاب (ICT) في السابع و العشرين من يوليو 2026، التحديات الأمنية المتطورة التي تواجهها إسرائيل في ظل الأوضاع المتقلبة في الشرق الأوسط ،  ويحلل المعهد فيه التبعات الاستراتيجية للحرب مع إيران، والترتيبات الدبلوماسية التي تلت إعادة فتح مضيق هرمز، والمعضلة العالقة في لبنان.
ويجادل التحليل بأن النفوذ البحري الإيراني، والقدرات غير المتكافئة (اللامتماثلة)، والدور القيادي الصاعد لإيران، قد أعادت تشكيل معادلات الردع والاستقرار الإقليمي، في حين تفرض التكاليف المادية والاقتصادية للحروب الحديثة قيوداً متزايدة على عملية صنع القرار الاستراتيجي.
مقدمة.
منذ تأسيسها، عملت إسرائيل في بيئة إقليمية متقلبة في الشرق الأوسط، تتسم بحالة دائمة من “الفوضى الدولية” (بمعنى غياب سلطة مركزية عليا) وما يترتب على ذلك من تداعيات عميقة الأثر على الأمن القومي الإسرائيلي.
ففي حقل العلاقات الدولية، تشير “الفوضى” (Anarchy) إلى غياب سلطة مركزية قادرة على فرض القواعد أو ضمان أمن الدول، ولا تعني بالضرورة انعدام النظام أو شيوع الفوضى بمعناها العامي.
ونتيجة لذلك، يتعين على الدول تحمل المسؤولية الأساسية عن بقائها، معتمدة في حماية مصالحها على الردع، والشراكات الاستراتيجية، والقدرات العسكرية، والإدارة الحكيمة للقوة.
وقد تطورت العقيدة الأمنية والاستراتيجية الإقليمية لإسرائيل في ظل هذا الواقع الهيكلي، متكيفةً مع موازين القوى المتغيرة، والتهديدات الناشئة، وأنماط التحالفات الإقليمية المتطورة.
وتتمثل المسألة الجوهرية التي تثيرها هذه الحرب في السؤال التالي:
ما هي التبعات الاستراتيجية التي خلفتها عملية “الغضب العارم” (Epic Fury) على إسرائيل وعلى المشهد الجيوسياسي المتطور في الشرق الأوسط؟ وبنفس القدر من الأهمية، كيف ساهمت الترتيبات الدبلوماسية التي أُبرمت في أعقاب الحرب في تشكيل النظام الإقليمي الناشئ؟
يشير التاريخ إلى أن النجاح في ساحة المعركة لا يترجم بالضرورة إلى نتائج استراتيجية وسياسية مواتية؛ إذ غالباً ما توجد فجوة مستمرة تفصل بين الإنجازات التكتيكية والعملياتية وبين التسويات التي يتم التفاوض عليها بمجرد أن تصمت المدافع.
علاوة على ذلك، قد تختلف التبعات طويلة الأمد للحرب اختلافاً جذرياً عن نتائجها العسكرية المباشرة، حيث غالباً ما تمارس الدبلوماسية التي تلي الحرب تأثيراً على ميزان القوى الإقليمي يفوق تأثير الصراع ذاته.
وفي الواقع، فإن الحروب التي تُخاض دون استراتيجية متماسكة —تحدد بوضوح الأهداف السياسية وشروط إنهاء الأعمال العدائية— تنطوي على مخاطر بأن تعيد العملية الدبلوماسية اللاحقة صياغة الأجندة ذاتها التي أدت إلى اندلاع الصراع في المقام الأول.
قضية هرمز وآلية التفاوض الثورية.
يُسهم وقف إطلاق النار الذي أعلنته إدارة ترامب وإعادة فتح مضيق هرمز ” وقت نشر التحليل في نهاية شهر يوليو” في تعزيز أولويات أمريكية راسخة، تتمثل في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وضمان تدفقات الطاقة العالمية، وتجنب حرب أوسع نطاقاً في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، فمن المرجح أن تكون ملامح التسوية الدبلوماسية الناشئة دون مستوى توقعات إسرائيل؛ إذ ترى تل أبيب أن الاتفاق ينطوي على مخاطرة تحويل مكاسب عسكرية كبيرة إلى عوائد استراتيجية محدودة فحسب.
ورغم أشهر من المواجهة، ظلت الركائز الأساسية للقوة الإيرانية – المتمثلة في بنيتها التحتية النووية، وقدراتها الصاروخية الباليستية، وشبكة وكلائها الإقليميين – سليمة إلى حد كبير.
ونتيجة لذلك، يبدو أن التسوية الناشئة تميل إلى تجميد الصراع بدلاً من حله؛ فهي تتعامل مع أعراض عدم الاستقرار الإقليمي بينما تترك مسبباته الجذرية دون معالجة تذكر.
لطالما أكد المسؤولون الأمريكيون أن العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران كانت مكلفة وغيرت حساباتها الاستراتيجية، مما ساهم في قرار طهران بالعودة إلى طاولة المفاوضات.
غير أن إيران – من الناحية العملية – قامت بإغلاق مضيق هرمز وطورت شبكة متطورة من الآليات للالتفاف على العقوبات، معتمدةً على شركات واجهة، وشركات وسيطة، وأسطول من ناقلات النفط “الشبحية” للحفاظ على حركة التجارة وتأمين تدفقات الإيرادات الحيوية.
ووفقاً لمسؤولين في وزارة الخزانة الأمريكية، مكنت هذه الشبكات طهران من تخفيف وطأة الضغوط الاقتصادية والحفاظ على وصولها إلى الأسواق العالمية رغم القيود المالية الواسعة.
وفي الوقت الراهن، أعادت الجمهورية الإسلامية تشكيل المشهد الاستراتيجي لصالحها؛ فبدلاً من أن تخرج من المواجهة ضعيفة، يبدو أن طهران قد اكتسبت قدرة ردع جديدة من خلال جعل مضيق هرمز ركيزة أساسية في استراتيجيتها القائمة على الإكراه.
وبذلك، عززت قدرتها على ردع الخصوم، والتأثير في الديناميكيات الإقليمية، ورفع التكاليف الاقتصادية والجيوسياسية لأي مواجهة مستقبلية.
لقد سلطت الحرب الضوء على اعتماد الجمهورية الإسلامية المستمر على مضيق هرمز باعتباره أصلها الاستراتيجي الأهم ، ورغم أن طهران لم تنجح في صد خصم يتفوق عليها عسكرياً أو حماية قيادتها وأراضيها من الهجوم، إلا أنها أثبتت قدرتها على رفع التكاليف الاقتصادية والجيوسياسية على دول المنطقة والأسواق العالمية على حد سواء.
ومن ثم، يظل المضيق أداة الردع القصوى لدى إيران؛ فهو وسيلة لتحويل الميزة الجغرافية إلى ورقة ضغط استراتيجية وتعويض أوجه القصور في القدرات العسكرية التقليدية، حتى في الحالات التي تعجز فيها دفاعاتها عن الصمود.
يتساءل عدد متزايد من المراقبين عن سبب عدم أخذ المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز في الحسبان بشكل كافٍ عند التخطيط للعمليات العسكرية.
فعلى مدى عقود، شدد الاستراتيجيون العسكريون الإيرانيون على أهمية الحرب البحرية كركيزة أساسية لعقيدة الردع في البلاد، مستندين غالباً إلى دروس مستفادة من الحرب الإيرانية العراقية ومسلطين الضوء على قدرة إيران على تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز خلال فترات الأزمات. ومع ذلك، يبدو أن صناع القرار الغربيين قد تجاهلوا هذه التحذيرات إلى حد كبير، معتبرين إياها مجرد رسائل خطابية بدلاً من التعامل معها كعنصر ذي مصداقية في استراتيجية إيران القائمة على الإكراه.
منذ ثمانينيات القرن الماضي، طورت إيران عقيدة دفاعية خاصة بالمضيق ترتكز على قدرات غير متكافئة لمواجهة خصوم يتفوقون عليها تقليدياً، وذلك من خلال استغلال نقاط ضعفهم.
وبدلاً من محاولة مجاراة خصومها سفينةً بسفينة، كوّنت طهران ترسانة من أدوات الضغط والإكراه – تشمل الطائرات المسيرة، والزوارق الهجومية السريعة، وأنظمة مضادة للسفن، والتهديد باستخدام الألغام البحرية – التي يمكن أن تؤدي إلى إغلاق حركة الملاحة عبر المضيق أو تعطيلها بشكل حاد. ومن خلال ذلك، امتلكت إيران القدرة على رفع التكاليف الاقتصادية والجيوسياسية التي يتكبدها خصومها دون تجاوز العتبة المؤدية إلى حرب تقليدية شاملة.
وعلى عكس العديد من صناع القرار في واشنطن، الذين غالباً ما ينظرون إلى المفاوضات باعتبارها آلية لتسوية النزاعات، تميل النخبة الثورية في إيران إلى اعتبارها أداة من أدوات الحرب.
وتتيح هذه الرؤية المضي قدماً في تحقيق الأهداف الاستراتيجية، واستغلال نقاط الضعف الملحوظة لدى الخصم، وضمان مكاسب قد يصعب تحقيقها بالوسائل العسكرية وحدها.
لقد أدرك النظام الثوري الإيراني نقاط الضعف الناجمة عن حساسية إدارة واشنطن تجاه التبعات الجيوسياسية الأوسع للحرب الاقتصادية، وعن الدعم المحدود الذي كانت تتلقاه من الحلفاء الأوروبيين الرئيسيين.
وفي ظل هذه المعطيات، اتجهت طهران نحو مضيق هرمز باعتباره مصدر قوتها الاستراتيجية الأهم ، كما لاحظ القادة الإيرانيون تصميم الرئيس ترامب على إنهاء الصراع بأي ثمن تقريباً، وفي الوقت نفسه، أدركوا التناقض بين خطابه التصادمي ومساعيه المستمرة للتوصل إلى توافق عبر التفاوض.
ونتيجة لذلك، أدى الضغط المستمر على دول الخليج العربية – عبر إجراءات عسكرية مدروسة – إلى إبراز مدى تعرض المنطقة لخطر الاضطرابات، مما أثار قلقاً متزايداً لدى الشركاء الأمريكيين.
وقد وصلت هذه الرسائل إلى واشنطن، حيث حالت الاعتبارات السياسية الداخلية والمخاوف بشأن تكاليف مواجهة إقليمية أوسع نطاقاً دون إقدام بعض صناع القرار، في البداية، على تعزيز الانخراط الأمريكي في المنطقة.
وبقدر مماثل من الأهمية، أنشأت إيران في مايو 2026 “هيئة مضيق الخليج الفارسي” (PGSA)، وهي آلية مؤسسية جديدة تهدف إلى إضفاء طابع رسمي على دورها في الإشراف على حركة العبور عبر مضيق هرمز.
وفي إطار هذه المبادرة، بسطت طهران سيطرتها على منطقة بحرية موسعة بشكل كبير، متمسكةً بمطالبات تمتد إلى مياه كانت تُعد تقليدياً خاضعة للولاية القضائية العمانية والإماراتية.
وتندرج هذه الخطوة ضمن استراتيجية إيرانية أوسع نطاقاً ترمي إلى فرض أمر واقع على الأرض – أو في البحر، في هذه الحالة – لتعزيز موقفها التفاوضي، والتصدي للمطالبات البحرية المنافسة، والمساهمة في إعادة تشكيل الإطار القانوني والاستراتيجي الذي يحكم واحداً من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية (نقاط الاختناق البحرية) في العالم.
إذا ما فرضت إيران رسوم عبور في مضيق هرمز، فإن التداعيات ستتجاوز بكثير مجرد عرقلة حركة التجارة العالمية ، وتزداد هذه المعضلة تعقيداً في ظل تقارير تشير إلى وجود روابط وثيقة بين “هيئة أمن الخليج الفارسي” (PGSA) والحرس الثوري الإسلامي الإيراني، الذي لا يزال خاضعاً لعقوبات تفرضها واشنطن والاتحاد الأوروبي والعديد من الاقتصادات الكبرى الأخرى.
ونتيجة لذلك، قد تجد شركات الشحن التجاري وشركات التأمين والمؤسسات المالية نفسها عالقة في بيئة عقوبات تزداد تعقيداً، مما يرفع من مستوى المخاطر القانونية والمالية المرتبطة بعبور أحد أكثر الممرات المائية أهمية من الناحية الاستراتيجية في العالم.
**معضلة لبنان: مفترق طرق للأمن القومي الإسرائيلي**
يسلط النزاع بشأن لبنان الضوء على التباين الأوسع في الأولويات بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل ، فقد سعت طهران لاستغلال المفاوضات لضمان انسحاب إسرائيلي، مع تقييد حرية العمليات العسكرية الإسرائيلية في الرد على هجمات حزب الله المتكررة.
أما بالنسبة لإسرائيل، فإن نتيجة كهذه ستمثل تحولاً جذرياً في الهيكلية الإقليمية والجيوسياسية؛ إذ من غير المرجح أن تقبل تل أبيب بترتيبات تحد من قدرة الجيش الإسرائيلي على الرد على الهجمات التي تستهدف المدنيين في الشمال، بينما تترك الهجمات العسكرية لحزب الله دون معالجة.
وفي الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية، فإن أي إطار عمل يضعف الردع دون معالجة التهديد الكامن لن يُنظر إليه باعتباره تسوية تعزز الاستقرار، بل كدعوة لمواجهة مستقبلية.
ومن منظور إسرائيلي، ينبغي تحديد مستقبل لبنان من خلال تواصل مباشر بين تل أبيب وبيروت، ودون تدخل أطراف خارجية لفرض شروط أي تسوية. وتشترك الدولتان في مصلحة مشتركة تتمثل في تعزيز السيادة اللبنانية، وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، والعمل نحو تحقيق الهدف طويل الأمد المتمثل في استعادة الدولة اللبنانية لاحتكارها الاستخدام المشروع للقوة.
سيتمثل أحد الاختبارات الكبرى الأولى لاستراتيجية إسرائيل لمرحلة ما بعد الحرب في الساحة اللبنانية، حيث يتقدم مساران دبلوماسيان بالتوازي، وإن لم يكن بالضرورة نحو الغاية الاستراتيجية ذاتها.
·         المسار الأول.
يتمثل المسار الأول في التفاهم الأمريكي-الإيراني الذي تم التوصل إليه خلال مفاوضات “بورغنستوك” (سويسرا)، بقيادة نائب الرئيس جي دي فانس وبتيسير من باكستان وقطر.
·         المسار الثاني.
أما المسار الثاني فهو الاتفاق الإطاري الذي رعته الولايات المتحدة بين إسرائيل ولبنان، والذي أُبرم في واشنطن تحت قيادة وزير الخارجية ماركو روبيو.
ورغم أن كلتا المبادرتين تهدفان إلى تخفيف التوترات الإقليمية، إلا أنهما تستندان إلى افتراضات استراتيجية مختلفة، وقد تؤديان في نهاية المطاف إلى توجيه السياسات نحو مسارات متناقضة.
إن كيفية تطور هذه المسارات الدبلوماسية المتوازية – وما إذا كانت ستثبت أنها متكاملة أم متناقضة – لن تشكّل مستقبل لبنان فحسب، بل ستؤثر أيضاً على حرية حركة إسرائيل وتوازن القوى الإقليمي الأوسع.
اقتصاديات الحرب الحديثة.
كما سلطت الحرب الضوء على الكيفية التي أصبحت بها الخيارات الاستراتيجية تتشكل – وتُقيَّد – بشكل متزايد بفعل الحقائق الاقتصادية ، وفوق كل شيء، كشفت الحرب عن المتطلبات المادية الهائلة للحروب الحديثة وعن حدود قدرة الولايات المتحدة على مواصلة صراع طويل الأمد.
لقد حشدت واشنطن قوة هائلة ضد إيران خلال عملية “الغضب الملحمي” (Epic Fury)، ولكن ذلك تم فقط من خلال استنزاف مخزونات حيوية وتحويل الموارد بعيداً عن أولويات استراتيجية أخرى.
وفي خضم ذلك، أكد الصراع أن التفوق العسكري لا يعتمد في نهاية المطاف على البراعة العملياتية فحسب، بل أيضاً على القدرة الصناعية، وسلاسل التوريد المرنة، والبنية التحتية اللوجستية التي تدعم القوة العسكرية بمرور الوقت.
وتشير دانا سترول إلى أن واشنطن استهلكت كميات هائلة وغير مسبوقة من الذخائر خلال حملتها ضد أهداف داخل إيران ، واستناداً إلى المحللة الدفاعية ماكنزي إيجلن – التي لاحظت أن القوات الأمريكية أطلقت أكثر من 1000 صاروخ “توماهوك” (Tomahawk) موجه في غضون أسابيع قليلة فقط، وهو ما يفوق بكثير معدل الإنتاج السنوي الذي يتراوح بين 90 و100 صاروخ – تلفت سترول الانتباه إلى أن متطلبات الدفاع الصاروخي كانت مكثفة بالقدر نفسه؛ فوفقاً لبيانات “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية”، استخدمت الولايات المتحدة – في الفترة ما بين 28 فبراير و8 أبريل فقط – ما لا يقل عن 190 صاروخاً اعتراضياً من طراز “ثاد” (THAAD) و1060 صاروخاً اعتراضياً من طراز “باتريوت” (Patriot) للتصدي للهجمات الصاروخية الإيرانية.
من منظور واشنطن، كانت الاعتبارات الاقتصادية محورية في الحسابات الاستراتيجية للإدارة ، وقد أدت عوامل مجتمعة -تمثلت في التكاليف المتزايدة لصراع ممتد، والضغوط المتنامية على المخزونات العسكرية الأمريكية، ونقاط الضعف الاقتصادية الأوسع نطاقاً- إلى ترجيح كفة خيار التهدئة السريعة. وعملياً، عنى ذلك الرضوخ لعدة مطالب إيرانية، مما أثار مخاوف في تل أبيب من أن المصالح الأمنية لإسرائيل يجري التضحية بها مقابل إصرار واشنطن على منع تفاقم الصراع واحتواء تكاليفه الاقتصادية والاستراتيجية.
وقد وصف ستيفن إم. والت -أحد أبرز منظري المدرسة الواقعية الجديدة- السياسة الخارجية التي انتهجتها إدارة ترامب بأنها سياسة “قوة مهيمنة مفترسة” (predatory hegemon)  .
ويؤكد والت أن إدارة ترامب أعادت صياغة دور الولايات المتحدة لتصبح قوة مهيمنة مفترسة؛ أي قوة عظمى تستغل مكانتها المتميزة لانتزاع تنازلات وإذعان ومكاسب مادية من الحلفاء والخصوم على حد سواء، بدلاً من بناء شراكات مستدامة أو العمل من خلال المؤسسات.
ويصور والت السياسة الخارجية لواشنطن على أنها تتعامل بشكل متزايد مع السياسة الدولية باعتبارها صراعاً صفرياً (مباراة رابح-خاسر) يجب أن تنتهي فيه كل مفاوضات لصالح أمريكا.
ومن وجهة نظر والت، لا يعكس هذا النهج استجابة متماسكة للنظام متعدد الأقطاب الناشئ، ولا يمثل استراتيجية كبرى مستدامة؛ ففي ظل هذه الاستراتيجية، لا تكمن قيمة الاتفاق في الاستقرار أو المكاسب المتبادلة التي يحققها، بل في المزايا غير المتكافئة التي يمنحها للقوة المهيمنة.
ووفقاً لتحليل والت، يتم التخلي بسهولة عن الاتفاقيات القائمة بمجرد توقفها عن توفير مزايا غير متكافئة، بينما يُتوقع من الحلفاء والخصوم على حد سواء تقديم تنازلات تفوق ما يحصلون عليه من مكاسب.
وتستند هذه السياسة إلى منطق قائم بطبيعته على مبدأ “المقايضة” : (transactional) إذ يُنظر إلى كل علاقة ثنائية باعتبارها فرصة لتعزيز أوراق الضغط وانتزاع المزيد من التنازلات، بغض النظر عن التكاليف التي قد تلحق بالثقة الاستراتيجية، أو المصداقية المؤسسية، أو النفوذ طويل الأمد.
وسواء كان وصف والت يعكس بدقة المسار الحالي للسياسة الخارجية الأمريكية أم لا، يتعين على إسرائيل أن تظل مستعدة لمجموعة من السيناريوهات المحتملة في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، ينبغي عليها التمسك الراسخ بمصالحها الوطنية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على المرونة الوطنية التي تشكل ركيزة لأمنها ومكانتها الاستراتيجية على المدى الطويل.
انتقال القيادة في مرحلة ما بعد الثورة.
قد تمهد الحرب أيضاً الطريق لانتقال السلطة بين الأجيال داخل الجمهورية الإسلامية؛ فكما أشارت سوزان مالوني، تطورت القيادة الإيرانية في مرحلة ما بعد الثورة عبر ثلاثة أجيال متميزة.
لقد سرّع الصراع من صعود جيل جديد من القادة الذين لا تتشكل رؤيتهم السياسية بناءً على التجربة الثورية بقدر ما تتشكل بفعل الضرورة الملحة لقيادة النظام وسط بيئة إقليمية تزداد اضطراباً.
ولا يتمثل هدفهم في إلغاء الجمهورية الإسلامية، بل في تعزيز دعائمها وتكييفها مع الحقائق الاستراتيجية الجديدة، تمهيداً لما يمكن وصفه بـ “الجمهورية الإسلامية الثالثة”؛ وهي جمهورية تستند إلى شرعيتها الثورية مع التكيف في الوقت ذاته مع المتطلبات الاستراتيجية لشرق أوسط يشهد تغيرات متسارعة.
لقد نشأت الجمهورية الإسلامية الأولى، في عهد آية الله روح الله الخميني، من رحم تجربة ثورية هدفت إلى إرساء مؤسسات الحكم الديني وتصدير أيديولوجيتها.
وفي عهد علي خامنئي، قامت الجمهورية الثانية بالبناء على تلك الأسس من خلال تعزيز سلطة المرشد الأعلى وتوسيع نطاق الأجهزة الأمنية، التي تُعد الركيزة الأساسية للنظام.
كما ساهمت مرحلة إعادة الإعمار التي تلت الحرب الإيرانية العراقية في تسريع صعود “الحرس الثوري الإسلامي”، مما أدى إلى توسيع نفوذه ليشمل المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية.
وأشار مالوني إلى أن النظام الإيراني، من خلال تمهيد الطريق لصعود مجتبى خامنئي، يبدو وكأنه يضع الأسس لما قد يكون مرحلة ثالثة من عمر الجمهورية الإسلامية؛ وهي مرحلة تتركز فيها السلطة السياسية بشكل متزايد في أيدي الحرس الثوري والمؤسسة الأمنية الأوسع.
وفي ظل هذا الترتيب، لن تكتفي الأجهزة الأمنية بدعم النظام من الخلف فحسب، بل ستصبح -بشكل متزايد- الحكم الرئيسي في عملية صنع القرار، حيث ستتولى تشكيل السياسة الداخلية، وتوجيه السياسة الاقتصادية، والإشراف على الإدارة الاجتماعية، ودفع عجلة السياسة الخارجية للبلاد.
ومن شأن ذلك أن يزيد من ترسيخ الطابع العسكري للدولة الإيرانية.
كما أشار كل من نرجس باجوغلي وولي نصر، فإن التوقعات بأن تؤدي الضربات العسكرية واسعة النطاق والدمار الاقتصادي إلى انهيار الجمهورية الإسلامية قد ثبت خطؤها؛ إذ خرجت إيران من الصراع محتفظةً بقدراتها العسكرية الجوهرية، وبقاعدة صناعية تعمل إلى حد كبير، وبنظام سياسي متماسك. وإذا كان للحرب أثر تحويلي، فلم يكن يتمثل في تغيير النظام، بل في تطوره.
ووفقاً لتحليلهما، فقد سرّع الصراع من صعود جيل جديد من القادة -معظمهم من الحرس الثوري الإسلامي- الذين باتت خبراتهم التكنوقراطية ورؤيتهم القومية وتوجهاتهم الأمنية تشكّل بشكل متزايد مسار الدولة الإيرانية.
وعلى النقيض من القيادة الثورية، تولي هذه المجموعة الصاعدة أهمية أكبر لفن الحكم البراغماتي، والمنافسة الاستراتيجية، والتعامل مع بيئة إقليمية تتسم بتزايد التنافس والصراع.
وبدلاً من الركون إلى العقيدة الثورية، يميل قادة هذا الجيل إلى البناء على المؤسسات القائمة، والتكيف مع الحقائق الجيوسياسية المتغيرة، والمضي قدماً في تبني رؤية للحكم ترتكز بشكل أكبر على الاعتبارات الأمنية.
ملاحظات ختامية.
تواجه إسرائيل بيئة أمنية إقليمية تتحدد ملامحها ليس بالأزمات العارضة، بل بتحول مستمر في موازين القوى.
لقد أدى نجاح طهران في تحويل مضيق هرمز إلى مصدر للنفوذ الاستراتيجي -ومأسسة هذا النفوذ من خلال “هيئة مضيق الخليج الفارسي”- إلى توسيع أدوات الردع لديها وتعزيز قدرتها على تشكيل الديناميكيات الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، تواصل مرونة شبكة الشركاء والوكلاء التابعين لإيران تحدي الافتراضات التي تقوم عليها العقيدة الأمنية الإسرائيلية، مما يؤكد الحاجة إلى استراتيجية تدمج بين القوة العسكرية والانخراط الدبلوماسي وأدوات الدولة الاقتصادية.
وتسلط معضلة لبنان الضوء أيضاً على المخاطر الكامنة في الترتيبات الدبلوماسية التي لا تعالج الأسباب الجذرية للصراع ولا توفر آليات موثوقة لفرض التنفيذ.
ويعكس تحول إسرائيل من ضبط النفس الاستراتيجي إلى فرض التنفيذ الاستباقي إدراكاً متزايداً بأن الأمن المستدام لا يعتمد على الردع فحسب، بل أيضاً على القدرة المستمرة على الحفاظ عليه.
كما تؤكد الحقائق الاقتصادية للحرب الحديثة -بما في ذلك الضغوط على القدرات الصناعية الدفاعية الأمريكية والطابع القائم على “المقايضة والمصالح” الذي تتسم به السياسة الخارجية الأمريكية بشكل متزايد- على ضرورة الحفاظ على المرونة الوطنية والاستقلالية الاستراتيجية لإسرائيل.
وفي الوقت ذاته، يشير صعود جيل جديد من القادة الإيرانيين إلى جمهورية إسلامية تحركها الاعتبارات الأمنية بشكل أكبر، ومن المرجح أن تخوض المنافسة عبر الجمع بين القوة العسكرية، والدبلوماسية القسرية، والتكيف المؤسسي.
ستتطلب مواجهة هذا التحدي من إسرائيل تعزيز قدراتها العسكرية والمدنية، مدعومةً بمرونة دبلوماسية، وصمود اقتصادي، وشراكات إقليمية مستدامة، وذلك لحماية مصالحها والمساهمة في تشكيل نظام إقليمي أكثر استقراراً.

قراءتي كمحلل سياسي للتحليل بأيديلوجية واقعية بعيداً عن أيديلوجية المعهد المعد للتحليل .
تعقيب وتحليل سياسي: قراءة واقعية في توازنات الإقليم.
بقلم :أشرف التهامي .

خريطة توازنات القوى ومضيق هرمز.

بعيداً عن التحيز للكيان من خلال ما نشره ” المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب (ICT)” أرى أن منطقة الشرق الأوسط تشهد تحولاً هيكلياً في موازين القوى، فرضته معطيات ساحات المواجهة الأخيرة والترتيبات الدبلوماسية التي تلتها.
وكما يُثبت التاريخ السياسي باستمرار، فإن النجاح العسكري والتكتيكي في ميدان المعركة لا يترجم بالضرورة إلى مكاسب استراتيجية سياسية مستدامة؛ إذ كثيراً ما تُعيد الدبلوماسية صياغة النتائج بعيداً عن أزيز الرصاص.
تتجلى هذه الحقيقة في عدة محاور أساسية تُشكل معالم النظام الإقليمي الناشئ:
1-      مضيق هرمز ومأسسة “الردع غير المتماثل
رغم التضرر الذي لحق ببعض المفاصل، أثبتت طهران قدرتها على تحويل ميزتها الجغرافية والنفوذ البحري إلى أداة ردع استراتيجية قصوى. ومن خلال استغلال الأدوات غير المتماثلة — كالزوارق السريعة، الطائرات المسيرة، والألغام — فرضت إيران أمراً واقعاً بحرياً، توّجته بتأسيس “هيئة مضيق الخليج الفارسي” (PGSA).
أدى هذا التحول المؤسسي إلى رفع التكلفة الاقتصادية والجيوسياسية لحركة الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية، ليصبح المضيق ورقة ضغط قسرية تُستغل على طاولة التفاوض كإحدى أدوات إدارة الصراع.
2-      اقتصاديات الحرب الحديثة والحدود الأمريكية.
كشفت المواجهات الأخيرة عن الحدود الحقيقية للترسانات الدفاعية وسلاسل التوريد الصناعية ، فإن الاستهلاك المكثف وغير المسبوق للذخائر المتطورة والصواريخ الاعتراضية (مثل توماهوك، باتريوت، وثاد) خلال أسابيع معدودة أظهر الفجوة بين معدلات الاستهلاك الميداني والسعة الإنتاجية السنوية.
في هذا السياق، تتجه السياسة الخارجية الأمريكية نحو نمط المقايضة والنفعية المباشرة (Transactional)؛ حيث تتقدم أولويات السيطرة على التكاليف الاقتصادية وتجنب الصراعات المفتوحة على حساب الالتزامات طويلة الأمد، مما يدفع دول المنطقة نحو تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية وذكائها الذاتي في إدارة أمنها القومي.
3-      الجمهورية الإسلامية الثالثة”: صعود البراغماتية الأمنية.
على عكس الرهانات التي افترضت أن الضغوط العسكرية والاقتصادية ستؤدي إلى انهيار النظام الداخلي في إيران، أظهرت التجربة تطوراً في هيكلية الحكم ومؤسساته.
حيث تتجه إيران نحو مرحلة جديدة يتصدر فيها جيل تكنوقراطي وأمني — يتقدمه نفوذ متزايد للمؤسسة الأمنية والحرس الثوري — حيث تُدار الدولة بمنطق المنافسة الجيوسياسية وبراغماتية إدارة الحكم، بدلاً من الاقتصار على الخطاب الثوري التقليدي.
الخلاصة:
إن إعادة التموضع الإقليمي الراهنة تؤكد أن الاستقرار المستدام لن يتحقق عبر التهدئة المؤقتة أو صفقات إدارة الأعراض، بل يتطلب استراتيجيات شاملة تدمج بين الجاهزية العسكرية، المرونة الدبلوماسية، والتكيف مع الحقائق الاقتصادية الجديدة لشرق أوسط يعيد تشكيل توازناته بنفسه.

·         المصدر / https://ict.org.il/strategic-leverage-and-regional-realignment-iran-israel-and-the-new-balance-of-power-in-the-middle-east/

شارك