إفلاس «البلطجة الإستراتيجية» للكيان الإسرائيلي : كيف حوّل نتنياهو إسرائيل إلى عبءٍ إقليمي ودولي؟

 

أشرف التهامي.

إفلاس «البلطجة الإستراتيجية» للكيان الإسرائيلي : كيف حوّل نتنياهو إسرائيل إلى عبءٍ إقليمي ودولي؟ 5048

 

لم تعد السياسة الإسرائيلية مجرد إخفاق استراتيجي يمكن ترميمه بالصفقات التكتيكية، بل أضحت صلفاً عسكرياً متغطرساً يعيش على وهم “الردع المطلق” في منطقة تتغير قواعد اللعبة فيها بسرعة.

عقودٌ من النهج النتنياني القائم على عقيدة “إدارة الصراع” و”القوة العارية” انتهت بوضع إسرائيل في عزلة جيو-سياسية غير مسبوقة؛ حيث تحول الشعار البراق المتمثل في “تفوق إسرائيل الإقليمي” إلى حالة استنزاف دائم وتآكل في المظلة الأمنية والغربية.

لقد ثبت بالدليل القاطع أن سياسة “رخصة القتل” واختزال الأمن في الضغط على الزناد لم تنجح إلا في تجريف أفق الاستقرار، وتحويل المؤسسة السياسية في تل أبيب إلى أسيرة لأوهام أيديولوجية وائتلافات يمين يائسة تُقدّم صراخ “إسبرطة الحديثة” على حساب قراءة الواقع.

ففي مقال رأي تحليلي حادّ نُشر عبر صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية بموقعها الرسمي تحت عنوان: «لقد زالت «رخصة القتل» التي كان يتمتع بها نتنياهو، لكن الضرر لا يزال قائماً» للمحلليْن السياسيين الإسرائيليين عاموس جيلاد (Amos Gilad) وشمعون شيفر (Shimon Shiffer)؛ يتجلى تشخيصٌ دقيق لما آلت إليه السياسة الإسرائيلية تجاه الشرق الأوسط والمنطقة برمّتها.

و في هذا السطور التالية نقدم لكم تحليلاً عميقاً و تشريحياً لما جاء على الموقع الرسمي للصحيفة العبرية .

1-تفكيك الأوهام الاستراتيجية: عبثية القرار وغياب “الغاية السياسية” .

يستحضر المقال الحكمة العسكرية الشهيرة للمنظر البروسي كارل فون كلاوزفيتس ليضع يده على أصل الخلل في الفكر السياسي والعسكري لنتنياهو؛ فالرجل أدار حروباً جبهوية واسعة ودخل في صراعات مفتوحة دون تحديد “حالة نهاية” (End State) واضحة:

· الفشل في ملف إيران: أظهر المقال كيف أن القوة المفرطة والوعود البراقة بتغيير النظام الإيراني بمساعدة أطراف إقليمية لم تكن سوى سيناريوهات عبثية؛ إذ خرجت إيران بمرور الوقت أكثر اقتراباً من العتبة النووية وأكثر صلابة إقليمية مما كانت عليه قبل اندلاع المواجهات.

· عقدة غزة والشرق الأوسط: استمرار حضور حركة حماس في غزة، بالتوازي مع استنزاف الجيش الإسرائيلي على جبهات متعددة، أثبت أن تدمير المكونات العسكرية لخصوم إسرائيل دون تقديم رؤية سياسية بديلة هو مجرد دوران في حلقة مفرغة من العنف المستدام.

2-أفول «رخصة القتل» وتآكل المظلة الأمريكية.

تجلّت محورية المقال في عبارة “سحب ترامب لرخصة القتل”؛ وهي قراءة دقيقة لتغير دراماتيكي في سلوك حليف إسرائيل التاريخي:

· نهاية الشيك على بياض: أدركت الإدارة الأمريكية أن اندفاعات نتنياهو العسكرية لم تعد تخدم المصالح الأمريكية الكبرى في الشرق الأوسط، بل تهدد بجر واشنطن إلى حروب إقليمية غير محسوبة.

· تصدع التوافق الحزبي: تزايد الانتقادات الموجهة لإسرائيل داخل أروقة الحزبين الديمقراطي والجمهوري على حد سواء يؤشر على أن “العلاقة الخاصة” التي طالما منحت إسرائيل امتياز التزود الآلي بالسلاح والمظلة الدبلوماسية بدأت تنكشف وتخضع لمراجعات جادة.

· زيف “إسبرطة الحديثة”: يفضح المقال خطاب الاعتماد على الذات وتصنيع المقاتلات (مثل ال إف-16) داخلياً؛ فاقتطاع الميزانيات الحكومية لشراء مروحيات الأباتشي كشف العجز والاقتطاع الاقتصادي، مؤكداً عمق التبعية البنيوية للعتاد الأمريكي.

3-الضفة الغربية والإنذار الأوروبي: ضرب العصب الاقتصادي.

يبرز المقال كيف انعكست السياسات اليمينية المتطرفة بقيادة نتنياهو وحلفائه (أمثال بن غفير وسموتريتش) على الجبهة الداخلية والضفة الغربية:

· مخاطر العقوبات الأوروبية: التحذيرات القادمة من العواصم الأوروبية لم تعد مجرد بيانات إدانة كلامية، بل تتجه نحو استهداف المؤسسات المالية الإسرائيلية الناشطة في الضفة الغربية.

· اختلاق الذرائع مع السلطة الفلسطينية: تصريحات نتنياهو والوزراء الإسرائيليين حول “توجيه أسلحة السلطة” نحو إسرائيل ليست إلا محاولة لاختلاق أزمات أمنية عشية الانتخابات لطمأنة قواعده اليمينية، في حين ترفض السلطة منحه تلك الذريعة متطلعة لتغيير حكومي يفتح أفقاً سياسياً بدلاً من الخيار العسكري الصفري.

4-خسارة الجائزة الكبرى: انهيار مسار التطبيع مع السعودية.

تُعتبر هذه النقطة المفاصل الأبرز في التقييم الاستراتيجي لإخفاقات نتنياهو الإقليمية:

· تفضيل الأيدولوجيا على السلام الإقليمي: اختار نتنياهو البقاء في أحضان أقصى اليمين الإسرائيلي لتأمين بقائه السياسي، مقدماً رضا بن غفير وسموتريتش على فتح بوابة التاريخ مع السعودية والعالم الإسلامي.

· استحالة القفز فوق القضية الفلسطينية: يؤكد الرأي العبري أن أوهام نتنياهو بالقفز فوق القضية الفلسطينية للوصول إلى الرياض قد تحطمت؛ إذ أوضحت المملكة والمجتمع الدولي أنه لا تطبيع مجاني ولا اندماج إقليمياً لإسرائيل دون خطوات ملموسة وواضحة نحو تسوية عادلة ومستدامة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

الخلاصة والتطلع الانتخابي.

يُقدم هذا الرأي المنشور في صحيفة إسرائيلية مركزية شهادة إفلاس مرحلة كاملة من إدارة الصراع؛ فهو يدعو الناخب الإسرائيلي إلى التخلي عن العواطف ورغبات الانتقام الممتدة، ومواجهة الحقيقة المرة:

“لقد أنتجت سياسات نتنياهو إسرائيلَ أكثر عزلة، وأقل أمناً، ومجردة من خياراتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط” .

إن الانتخابات القادمة في الكيان الإسرائيلي لم تعد مجرد منافسة على مقعد رئيس الوزراء، بل هي استفتاء حاسم على قدرة إسرائيل على التراجع عن الهاوية واستعادة حد أدنى من العقلانية الإستراتيجية قبل فوات الأوان.

 

شارك