زلازل الجيوسياسة: كيف فرضت إيران منطقها على الكبار.. ولماذا تترنح العواصم الأوروبية تحت وطأة الغضب؟

 

بقلم: [المستشار الإعلامي محمد خطيب ]

في الوقت الذي تشهد فيه الخارطة الدولية إعادة تشكيل لموازين القوى، تنكشف هشاشة المعادلة الجيوسياسية التقليدية التي طالما هيمنت عليها العواصم الغربية؛ إذ تحول الشرق الأوسط والعواصم الأوروبية إلى ساحتين متوازيتين تبينان مدى التحول العميق في صناعة القرار الدولي.

أولاً: المعادلة الإيرانية.. الصمود الميداني وإخضاع الحسابات الكبرى

لم تكن صياغة إيران لنفوذها الإقليمي والدولي وليدة الصدفة، بل جاءت حصيلة استراتيجية تراكمية نفذتها طهران على مدى عقود عبر ما يُعرف بـ “الردع المركّب”. رغم سياسات التضييق الاقتصادي الحاد والعقوبات الدولية المشددة، تمكنت طهران من فرض شروطها على الطاولة الدولية، ليس بالاستناد إلى التفوق الاقتصادي، بل عبر التفوق في إدارة الأزمات والتحكم بأوراق الضغط الحيوية.

إن استطاعة طهران إرغام القوى الكبرى على التكيف مع متطلباتها -بدءاً من إدارة ملف التخصيب النووي وصولاً إلى ترسيخ معادلات ردع متقدمة في الممرات المائية الحيوية- تستند إلى ثلاثة مرتكزات صحفية وتحليلية رئيسية:

صناعة أدوات الردع غير المباشر: امتلاك أوراق ضغط ممتدة عبر شبكة تحالفات إقليمية تحولت إلى خط دفاع واستراتيجية هجوم مرنة قادرة على تهديد المصالح الكبرى دون الدخول في مواجهة مباشرة شاملة.

استغلال الفراغات والتوازنات الدولية: نجاح طهران في نسج شراكات استراتيجية ومتوازنة مع قوى شرقية كبرى كشركاء تجاريين وسياسيين (مثل الصين وروسيا)، ما وفر لها رئة اقتصادية وسياسية للمناورة ومنع العزل الكامل.

دبلوماسية حافة الهاوية: القدرة العالية على إدارة المخاطر وتوظيف الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمضيق هرمز كأداة ضغط تؤثر مباشرة في أمن الطاقة العالمي وأسعار النفط.

ثانياً: أوروبا من الداخل.. عندما يتداعى العقد الاجتماعي

وعلى الضفة الأخرى من القارة العجوز، تشهد العواصم الأوروبية مشهداً مختلفاً كلياً ولكنه مكمل للوحة التحولات؛ حيث لم تعد الضغوط محصورة في أروقة الدبلوماسية، بل تحولت إلى غليان شعبي يعصف بالداخل الأوربي.

في فرنسا وبلجيكا، وامتداداً إلى عدد من العواصم المجاورة، أخذت موجات الاحتجاجات أبعاداً تجاوزت المطالب التقليدية. إن التظاهرات الحاشدة التي يقودها الطلاب والعمال ضد غلاء المعيشة، وتراجع الخدمات الأساسية، وسياسات التقشف الاقتصادية تسلط الضوء على تآكل مفهوم “دولة الرفاه” الذي ظل لعقود ركيزة الاستقرار في الغرب.

ويرى مراقبون أن المشهد الاحتجاجي في باريس بروكسل لا ينفصل عن المتغيرات الدولية:

تراجع القدرة الشرائية وأزمة أولوية الإنفاق: تصاعد السخط الشعبي نتيجة تدفق الأزمات الاقتصادية وتأثير أزمات الطاقة والغلاء على الميزانيات الأسرية.

اتساع الغضب الاجتماعي: امتداد شرارة الاحتجاجات من قطاعات التعليم والشباب إلى القطاعات العمالية، مما كشف عن أزمة ثقة عميقة بين الشارع والمؤسسات الحاكمة.

الانكفاء الداخلي: يضع هذا الضغط الداخلي الحكومات الأوروبية في موقف صعب، حيث تصبح قدرتها على لعب أدوار خارجية حاسمة مكبلة بأزمات شرعيتها واستقرارها الاجتماعي في الداخل.

خلاصة المشهد: إلى أين نتجه؟

إن الربط بين الصمود الهجومي لطهران في الإقليم والتداعي الهيكلي لبعض الدول الأوروبية يوضح أن العصر الحالي يفرض قواعد لعبة جديدة. القوى الكبرى لم تعد قادرة على فرض إرادتها بمجرد التصريحات أو التلويح بالعقوبات، بينما تبدو مجتمعاتها الداخلية غير مستعدة لتحمل تكلفة الصراعات الخارجية على حساب مستوى معيشيتها وأمنها الاجتماعي.

بين نفوذ يصاغ بالإرادة والردع في الشرق، وغضب شعبي يزلزل العواصم في الغرب، تتشكل ملامح نظام دولي جديد لا مكان فيه للسياسات التقليدية.

شارك