
خدعة ‘الفيتو’ الأمريكي: هل مسرحية التهدئة بين ترامب ونتنياهو مجرد ستار دخاني لمباغتة إيران بفجر كابوس نووي؟
أشرف التهامي.
في عقيدة الخداع الاستراتيجي، لا توجد تسريبات مجانية من واشنطن، ولا توجد “خلافات علنية” تُنشر في صحف الغرب دون غاية استخباراتية! حين تروج الإعلام الدولي لفكرة أن ترامب “عرقل” هجوماً كاسحاً أعده نتنياهو على إيران قبيل انتخابات التجديد النصفي، فإن العقلاء يسألون فوراً:
هل نحن أمام حرص أمريكي حقيقي على التهدئة، أم أننا نشهد أكبر عملية “تنويم تكتيكي” وستاراً دخانياً لكتم أنفاس أجهزة الرصد الإيرانية وتحديد ساعة الصفر الخاطفة؟
إن الاستعراض الدبلوماسي، وقوائم الأهداف المحدثة التي سلمتها إسرائيل لـ “بيت هيغسيث”، وزيارة الأخير السريعة إلى تل أبيب، تؤكد أن الطبخة أُعدّت على نار هادئة، وأن ما جرى في 10 أكتوبر ليس إلغاءً للضربة، بل إعادة تموضع وإدارة للوقت، لربط فتيل الانفجار بصناديق الاقتراع الإسرائيلية والأمريكية على حد سواء!
أعدّ الجيش الإسرائيلي خطة لحملة قصف تستمر عدة أيام، تستهدف المنشآت النووية الإيرانية ومحطات توليد الطاقة وأهدافاً تابعة للنظام الإيراني، إلا أن ترامب عارض استئناف الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة؛ ومع ذلك، يظل احتمال شن ضربات جديدة وارداً في الوقت الذي تقترب فيه إسرائيل من إجراء انتخاباتها الخاصة.
ذكرت صحيفة “فاينانشال تايمز” يوم الأربعاء، نقلاً عن ثلاثة أشخاص مطلعين على الخطط، أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان يعتزم شن هجوم عسكري جديد واسع النطاق ضد إيران في وقت سابق من هذا الشهر، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عرقل العملية؛ خشية أن يؤدي ذلك إلى تجدد الحرب قبيل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في الثالث من نوفمبر.
وفقاً لصحيفة “فاينانشال تايمز”، أصدر نتنياهو تعليماته للجيش الإسرائيلي بالتحضير لحملة قصف تستمر لعدة أيام خلال عطلة نهاية الأسبوع الموافق 10 أكتوبر، تستهدف المنشآت النووية الإيرانية، ومحطات الطاقة، وغيرها من البنى التحتية المدنية، بالإضافة إلى مواقع مرتبطة بالنظام الإيراني .
وكان من المفترض أن تفوق هذه الحملة المخطط لها في حدتها الحملة العسكرية المشتركة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير/شباط.
أُلغيت العملية في نهاية المطاف بسبب معارضة ترامب، على الرغم من أن كلا ترامب و نتنياهو واصلا التهديد بشن عمل عسكري جديد ضد طهران. وذكر مصدر مطلع على المناقشات لصحيفة “فاينانشال تايمز” أن تنفيذ جولة أخرى من الضربات في الأسابيع المقبلة يظل احتمالاً وارداً، وقد تشارك فيه كل من إسرائيل والولايات المتحدة.
قال ذلك الشخص: “إما التوصل إلى اتفاق أو شن هجوم”، مشيراً إلى أن واشنطن تأمل في إجبار إيران على إبرام اتفاق يتناول برنامجها النووي والسيطرة على مضيق هرمز، وهو الممر المائي الاستراتيجي الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم.
ذكر التقرير أن مسؤولين إسرائيليين قدموا لنظرائهم الأمريكيين قائمة محدثة بأهداف إيرانية، استناداً إلى معلومات استخباراتية جُمعت حديثاً ، وتتضمن القائمة، وفقاً للتقارير، مواقع تابعة للبنية التحتية المدنية لم تكن ضمن الأهداف التي تعرضت للهجوم خلال الحملة السابقة.
وأفاد مسؤول إسرائيلي -نقلت عنه الصحيفة- بأن وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، زار إسرائيل يوم الاثنين لإجراء محادثات مع نتنياهو ومسؤولين كبار آخرين. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان من المتوقع أن تشارك واشنطن بشكل مباشر في العملية التي كان مخططاً لها في الأصل في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول.
وأشار شخص آخر مطلع على الأمر إلى أن الاستعدادات العسكرية الإسرائيلية ربما كانت تهدف أيضاً إلى زيادة الضغط على طهران خلال المفاوضات، مؤكداً أن القرار النهائي بشأن تجدد الأعمال العدائية يقع على عاتق ترامب.
وصرحت نائبة المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، لصحيفة “فاينانشال تايمز” بأن إيران تمر بوضع اقتصادي وعسكري سيئ للغاية، وأن الجهود الأمريكية الرامية إلى فرض حصار على الموانئ الإيرانية، مع تسهيل صادرات النفط الخليجية، تؤتي ثمارها ،كما استبعدت بشكل قاطع شن ضربات أمريكية قبل انتخابات التجديد النصفي.
تأتي هذه المعلومات وسط حالة تأهب عسكري مشددة في إسرائيل قبيل الانتخابات البرلمانية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول ، وقد أمر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الفريق إيال زامير، القوات بالبقاء في قواعدها بدءًا من يوم الخميس، مع تعليق الإجازات حتى يوم الانتخابات لضمان سير عملية التصويت بأمان.
في غضون ذلك، أعلن ترامب دعمه لترشيح نتنياهو لإعادة انتخابه، وكثّف تحذيراته لطهران ، فقد ألمح يوم الأحد إلى أن واشنطن قد تُضطر لمواجهة إيران دون دعم إسرائيلي في حال خسارة نتنياهو، مهددًا في الوقت نفسه باتخاذ مزيد من الإجراءات العسكرية ما لم تُغيّر إيران مسارها.
وفي مقطع فيديو نُشر يوم الاثنين من قاعدة جوية إسرائيلية، قال نتنياهو لترامب إن لديهما مهامًا لم تُنجز بعد ، وردّ ترامب بالإشادة برئيس الوزراء الإسرائيلي، معربًا عن ثقته في شراكتهما.
ووفقًا لصحيفة فايننشال تايمز، يخشى مسؤولون أمنيون إسرائيليون حاليون وسابقون من أن حربًا جديدة تُشنّ قبل الانتخابات بفترة وجيزة قد تُقوّض العملية الديمقراطية.
وحتى في حال خسارة نتنياهو، فإنه قد يبقى رئيسًا للوزراء في تصريف الأعمال لأسابيع ريثما تستمر مفاوضات تشكيل الائتلاف، محتفظًا بالسلطة القانونية لإصدار أوامر بالعمل العسكري.
لم يستجب مكتب نتنياهو لطلبات صحيفة «فاينانشال تايمز» للتعليق، في حين رفض الجيش الإسرائيلي الإدلاء بأي تعليق.
الخاتمة.
إن التمعن الحصيف في تناقضات الرواية الأمريكية-الإسرائيلية يكشف للمراقبين والمتابعين أن التسريبات الأخيرة حول “المنع الأمريكي” ليست سوى الفصل الأول من مسرحية استخباراتية خطيرة.
فالحديث عن إلغاء الهجوم بحجة الانتخابات يُخفي تحته رغبة جامحة في مباغتة طهران بضربة تُصمم خارج القواعد التقليدية، وتجبر الشرق الأوسط على السير في المجهول.
ولكن، أياً كانت طبيعة هذا الخداع التكتيكي -سواء كان ابتزازاً لانتزاع تنازلات نفطية ونووية في مضيق هرمز، أو تحضيراً فعلياً لجولة تدمير واسعة- فإن الواقع الميداني أثبت أن حسابات السرايا والقصور في واشنطن وتل أبيب دائماً ما تصطدم بالواقع الصلب.
إن القيادة الإيرانية ومحور المقاومة لا يقرؤون العالم من مقالات “فاينانشال تايمز”، بل من حركة الطائرات والرادارات؛ وأي محاولة للمباغتة تحسباً لربح انتخابي رخيص قد تتحول إلى صاعق يُفجر المنطقة برمتها، ليجد نتنياهو وترامب أنفسهما في قلب الكابوس الذي ظنا أنهما يكتبان سيناريوه بنفسيهما!



