من المارونية السياسية إلى الجبهة اللبنانية… حين تحوّل الخوف على لبنان إلى صراع على هويته

 

 

بقلم: أمين السكافي.

 

لم تولد المارونية السياسية مع الحرب الأهلية اللبنانية، ولم تكن الجبهة اللبنانية حادثاً عابراً في تاريخ الوطن. فبين إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول عام 1920، واندلاع الحرب الأهلية عام 1975، امتد مسار طويل من الصراع على هوية لبنان ونظامه السياسي وموقعه من محيطه العربي. وفي قلب هذا المسار، برزت المارونية السياسية بوصفها منظومة نفوذ، ثم ظهرت الجبهة اللبنانية، التي جمعت قوى مسيحية يمينية رأت في التغيير السياسي وصعود الحركة الوطنية الفلسطينية تهديداً لموقعها التاريخي.

 

من لبنان الكبير إلى المارونية السياسية

 

أُعلن قيام دولة لبنان الكبير في عهد الانتداب الفرنسي، بضمّ بيروت وطرابلس وصيدا وصور والبقاع والشمال إلى جبل لبنان. وقد أيّد زعماء مارونيون بارزون، وفي مقدمتهم البطريرك إلياس الحويك، قيام هذا الكيان بحدوده الموسّعة، الذي وفّر للمسيحيين، ولا سيما الموارنة، موقعاً سياسياً متقدماً. لكن المسلمين، الذين رأى قسم منهم في لبنان جزءاً من المجال السوري والعربي، لم يتعاملوا جميعاً مع المشروع بالطريقة نفسها.

 

ومع الاستقلال عام 1943، كرّس الميثاق الوطني صيغة تقاسم السلطة، فذهب منصب رئاسة الجمهورية إلى المارونية، ورئاسة الحكومة إلى السُّنية، ورئاسة مجلس النواب إلى الشيعية. غير أن هذا التوازن بقي محكوماً بأعراف طائفية وتفاوت في النفوذ، لا بمواطنة متساوية مكتملة الأركان.

 

هنا تبلورت المارونية السياسية: أي استخدام الوزن الديمغرافي والمؤسساتي والعلاقات الخارجية والامتيازات الدستورية لتثبيت دور سياسي ماروني متقدم. ولم يكن جميع الموارنة جزءاً من هذا التوجه، كما لم يكن المسلمون كتلة سياسية واحدة؛ لكن أزمة النظام ظهرت كلما اصطدمت مطالب الإصلاح والتغيير بالخوف من خسارة الامتيازات.

 

من الكتائب إلى الجبهة اللبنانية

 

تأسس حزب الكتائب اللبنانية عام 1936 بقيادة بيار الجميل، متأثراً بنماذج تنظيمية أوروبية، ورفع شعارات السيادة والاستقلال. ومع مرور الزمن، أصبح أحد أبرز ممثلي اليمين المسيحي المنظم، إلى جانب حزب الوطنيين الأحرار بقيادة كميل شمعون وقوى وشخصيات مسيحية محافظة أخرى.

 

ومع صعود التيار القومي العربي، وتصاعد المطالبة بإصلاح النظام، ثم تحوّل الوجود الفلسطيني المسلح بعد عام 1967 إلى قضية أمنية وسياسية كبرى، ازدادت مخاوف هذه القوى من اختلال ميزان السلطة. وقد عارضت منظمة التحرير الفلسطينية، ورفضت تنامي نفوذها العسكري، كما وقفت في مواجهة الحركة الوطنية اللبنانية التي ضمت أحزاباً يسارية وقومية وإسلامية وشخصيات من طوائف مختلفة.

 

في هذا السياق، تشكّلت الجبهة اللبنانية عام 1976، وضمت شخصيات بارزة، بينها بيار الجميل وكميل شمعون وسليمان فرنجية، إلى جانب شخصيات سياسية وفكرية مسيحية. ولم تكن الجبهة تنظيماً متجانساً تماماً؛ فقد جمعتها معارضة النفوذ الفلسطيني المسلح والإصلاحات التي طالبت بها الحركة الوطنية، بينما اختلفت مكوناتها بشأن إدارة الحرب والعلاقات الخارجية ومستقبل النظام اللبناني.

 

الأفكار والقادة والتحالفات

 

تمحورت أفكار الجبهة حول استقلال لبنان، ورفض إخضاعه للمشروع القومي العربي، والتمسك بهوية لبنانية ذات خصوصية، والدفاع عن الدور السياسي المسيحي. لكن لدى تيارات متشددة داخل هذا المعسكر، تحوّل الدفاع عن الخصوصية إلى نزعة إقصائية، اعتبرت أن بقاء لبنان يتطلب استمرار تفوق سياسي مسيحي، ونظرت إلى شرائح من المسلمين والفلسطينيين باعتبارها تهديداً للكيان، بدلاً من التعامل مع مطالبها بوصفها جزءاً من أزمة وطنية تستوجب الحل.

 

ومن أبرز منظّري هذا الاتجاه شارل مالك، الذي ارتبط اسمه بالدفاع عن لبنان ذي الهوية الخاصة وبالتحالف مع القوى الغربية، وإن كانت مواقفه الفكرية لا تختزل جميعها في خطاب الميليشيات. أما عسكرياً، فبرز بشير الجميل، الذي صعد داخل الكتائب وقاد مشروع توحيد الميليشيات المسيحية ضمن القوات اللبنانية. وتداخلت في مسيرته حسابات الداخل مع الدعم الإسرائيلي، في علاقة أثارت جدلاً تاريخياً واسعاً حول استقلال القرار اللبناني وحدود الاستعانة بقوة خارجية.

 

وتطورت الاتصالات بين قوى مسيحية مسلحة وإسرائيل إلى تعاون عسكري واستخباراتي، خصوصاً خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. كما سعت هذه القوى إلى علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، بينما بقيت فرنسا حاضرة في المعادلة اللبنانية بحكم تاريخ الانتداب وعلاقاتها السياسية والثقافية. ولم تكن واشنطن وباريس متطابقتين في سياساتهما، كما أن العلاقة بإسرائيل لم تكن موقفاً موحداً لدى كل المسيحيين اللبنانيين.

 

الفلسطينيون والحرب والمجازر

 

شكّل الوجود الفلسطيني المسلح أحد أبرز أسباب التصعيد، لكنه لم يكن السبب الوحيد للحرب الأهلية؛ إذ تضافرت أزمة النظام الطائفي، والتفاوت الاجتماعي، والتدخلات الإقليمية، وضعف الدولة، وصراع القوى اللبنانية على السلطة.

 

ومن أكثر صفحات الحرب دموية مجزرتا الكرنتينا والدامور عام 1976، اللتان ارتُكبتا في سياق الثأر الطائفي والعنف المتبادل: فقد قتلت ميليشيات مسيحية مسلحين ومدنيين، بينهم فلسطينيون ومسلمون، في الكرنتينا ومخيم تل الزعتر ؛ ثم ارتكبت قوات فلسطينية وحليفة لها مجزرة في الدامور بحق مدنيين مسيحيين. ولا يبرر توثيق الجريمتين إحداهما بالأخرى، فاستهداف المدنيين جريمة مهما كانت هوية مرتكبيها أو ضحاياها.

 

وفي أيلول 1982، ارتُكبت مجزرة صبرا وشاتيلا بحق لاجئين فلسطينيين ولبنانيين، على أيدي مسلحين من القوات اللبنانية وحلفائهم، في ظل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت وتحت سيطرة الجيش الإسرائيلي على محيط المخيمين. وكانت المجزرة واحدة من أبشع الجرائم التي كشفت الوجه الدموي للحرب، وأثارت إدانة واسعة في العالم.

 

ولم تقتصر المأساة على المسلمين والفلسطينيين؛ فقد شهد المعسكر المسيحي نفسه صراعات دامية. وفي عام 1978، أدت مجزرة إهدن، التي استهدفت طوني فرنجية وعائلته ومرافقيه، إلى تعميق الانقسام بين القوى المسيحية. ثم اندلعت مواجهات داخلية بين القوات اللبنانية والجيش اللبناني بقيادة ميشال عون عام 1990، لتؤكد أن خطاب حماية المسيحيين لم يمنع الاقتتال بينهم.

 

النزوح السوري والطائف: نهاية مرحلة لا نهاية الأزمة

 

أما النزوح السوري، الذي بدأ على نطاق واسع بعد عام 2011، فهو مرحلة لاحقة للجبهة اللبنانية وللحرب الأهلية. وقد أعادت أزمته إلى الواجهة مخاوف تتصل بالديمغرافيا والهوية والسيادة، واستُخدمت هذه المخاوف في سجالات سياسية، لكن لا يجوز تاريخياً دمج ملف النزوح السوري في أسباب تأسيس الجبهة أو أهدافها الأصلية.

 

وجاء اتفاق الطائف عام 1989 ليضع إطاراً لإنهاء الحرب وإعادة بناء المؤسسات، فقلّص صلاحيات رئيس الجمهورية، وعزّز صلاحيات مجلس الوزراء مجتمعاً، وأعاد توزيع التوازنات داخل النظام، مع الإبقاء على المحاصصة الطائفية مرحلياً والتعهد بإلغائها تدريجياً. ودخل لبنان بعده مرحلة جديدة، انتهت فيها الحرب الأهلية بصيغتها الكبرى، من دون أن تختفي الطائفية السياسية أو التدخلات الخارجية أو أزمات السيادة.

 

إن قراءة هذه المرحلة لا تعني تحميل طائفة كاملة مسؤولية جرائم ارتكبتها أحزاب وميليشيات، ولا إنكار مخاوف المسيحيين أو الأخطار التي واجهها المدنيون من مختلف الطوائف. لكنها تقتضي قول الحقيقة كاملة: حين يتحول الخوف على جماعة إلى مشروع للهيمنة، وحين تصبح التحالفات الخارجية بديلاً عن التوافق الوطني، يدفع اللبنانيون جميعاً الثمن.

 

لقد وُلد لبنان الكبير من تسوية دولية وتفاهمات محلية ناقصة، ثم ورث نظاماً جعل الطائفة بوابة السلطة والمواطنة. وبين المارونية السياسية والجبهة اللبنانية والحرب واتفاق الطائف، بقي السؤال الذي لم يُحسم: هل يكون لبنان وطناً متساوياً لجميع أبنائه، أم يبقى ساحة تتصارع فيها الطوائف على الدولة بدلاً من أن تتشارك في بنائها؟

شارك