
خصوصية أمراض القلب لدى المرأة في ضوء المستجدات العلمية لعام 2026
(الجزء الاوّل)
بقلم د. طلال حمود
مُقدّمة
تُعدّ أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الأول للوفاة لدى النساء عالمياً، رغم استمرار وجود فجوات في الوعي بعوامل الخطورة الخاصة بهن، وفي التشخيص المبكر لبعض الأمراض القلبية التي قد تختلف آلياتها ومظاهرها السريرية عن تلك المسجلة لدى الرجال.
وتأتي هذه المقالة بمناسبة حضوري “المؤتمر العشرين لأيام بوردو للتصوير الصوتي القلبي” (20èmes Journées Écho Bordeaux 2026)، الذي عُقد في مدينة بوردو الفرنسية بين 21 و23 أكتوبر/تشرين الأول 2026. وقد أتاحت هذه المناسبة العلمية فرصة للتأكيد على أهمية تطوير تشخيص أمراض القلب لدى المرأة، مع مراعاة الاختلافات البيولوجية والهرمونية والسريرية بين الجنسين.
إن فهم صحة قلب المرأة لا يقتصر على عوامل الخطورة التقليدية، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكّري وارتفاع الشحوم والتدخين، بل يشمل أيضاً التاريخ التناسلي، ومضاعفات الحمل، ومتلازمة المبيض متعدد الكيسات، والتغيّرات المُصاحبة للانتقال إلى سن اليأس وما بعده. فقد تبدأ بعض عوامل الخطورة في سنوات الشباب، بينما لا تظهر مضاعفاتها إلا بعد عقود.
وتؤكد التوجهات العلمية الحديثة ضرورة اعتماد وقاية مُستمرّة عبر مراحل الحياة، إلى جانب تحسين تشخيص أمراض قد لا تكشفها الفحوص التقليدية دائماً، مثل مرض الأوعية التاجية الدقيقة والتشنّج التاجي والتسلخ التلقائي للشريان التاجي.
أولاً: عوامل الخطورة القلبية الوعائية الخاصة بالمرأة
1. العوامل التقليدية والتغيّرات الهرمونية
تشمل عوامل الخطورة الأساسية ارتفاع ضغط الدم، والسكري، وارتفاع الكوليسترول الضارّ، والتدخين، والسُمنة، وقلّة النشاط البدني، والنظام الغذائي غير الصحّي واضطرابات النوم. ويكتسب ضبطها أهمية خاصة لدى المرأة، إذ يرتبط السكري بزيادة خطر أمراض الشرايين التاجية للقلب والسكتة الدماغية وقصور القلب، فيما قد يؤدي ارتفاع الضغط غير المُكتشف إلى أذيّة القلب والأوعية والكليتين على مدى سنوات.
كما قد تسهم الدهون الحشوية (الدهون المخفيّة في البطن والتي تُحيط الكبد، البنكرياس والأمعاء)، حتى في غياب السمنة الشديدة بحسب مؤشر كتلة الجسم، في مقاومة الإنسولين واضطراب الشحوم وارتفاع الضغط. لذلك ينبغي البدء بتقييم هذه العوامل في سنّ مُبكرة، وعدم تأجيل الوقاية إلى ما بعد انقطاع الطمث.
وتؤثّر التقلّبات الطبيعية في الإستروجين والبروجستيرون خلال الدورة الشهرية في بعض الوظائف الوعائية والفيزيولوجية، لكنها لا تعني أن مرحلة معينة من الدورة تشكل، بحدّ ذاتها، فترة مؤكّدة لارتفاع خطر الاحتشاء القلبي أو السكتة الدماغية لدى عموم النساء. كما لا تستدعي التقلّبات الهرمونية الطبيعية فحوصاً قلبية إضافية ما لم توجد أعراض أو عوامل خطورة أخرى.
وتستوجب غزارة الطمث المُزمنة الانتباه لاحتمال فقر الدم الناجم عن نقص الحديد، الذي قد يُسبّب التعب والخفقان وضيق النفس عند الجهد. كذلك ينبغي تقييم اضطرابات الدورة المُرتبطة بمشكلات الغدة الدرقية أو المبيض، ومراجعة الأعراض الجديدة أو الشديدة دون نسبتها تلقائياً إلى الهرمونات أو القلق.
أما الإستروجين، فعلى الرغم من تأثيراته في الأوعية الدموية والتمثيل الغذائي، فإنه لا يوفّر حماية مُطلقة من أمراض القلب. فقد تتعرّض المرأة الشابة للاحتشاء القلبي نتيجة اضطرابات التخثّر أو التشنّج التاجي أو التسلّخ التلقائي للشريان التاجي، حتى في غياب عوامل الخطورة التقليدية الواضحة.
2. موانع الحمل الهرمونية ومُتلازمة المبيض متعدّد الكيسات
تختلف وسائل منع الحمل في تأثيراتها الوعائية. فالمستحضرات المركّبة المحتوية على الإستروجين والبروجستين قد تزيد خطر الخثار الوريدي، وقد ترتبط بمخاطر شريانية لدى فئات معيّنة، خصوصاً عند وجود التدخين أو ارتفاع ضغط الدم أو الشقيقة المصحوبة بأورة (migraine with aura) أو سوابق الخثار واضطرابات التخثّر.
ولا ينطبق ذلك على جميع الوسائل الهرمونية بالدرجة نفسها؛ فالوسائل المحتوية على البروجستين وحده واللولب الهرموني واللولب النحاسي تختلف في خصائصها وموانع استعمالها. لذا ينبغي اختيار الوسيلة بالتعاون مع الطبيب وفق التاريخ الطبي والعمر وعوامل الخطورة والرغبة الإنجابية، دون إيقافها أو تبديلها عشوائياً.
وتُعد مُتلازمة المبيض متعدًد الكيسات اضطراباً هرمونياً واستقلابياً قد يترافق مع مقاومة الإنسولين، وزيادة احتمال السكري من النوع الثاني، واضطراب الشحوم وارتفاع الضغط الشرياني. ومع أن قوة الأدلّة المُتعلّقة بزيادة الأحداث القلبية المُستقلّة عن العوامل المُصاحبة لا تزال متفاوتة، فإن الحالة تستدعي الاهتمام بالصحة الاستقلابية.
ويشمل التقييم قياس ضغط الدم، وفحص السّكّر بحسب الحالة، وتقييم الشحوم، وتشجيع النشاط البدني والتغذية المتوازنة، ومعالجة الوزن الزائد إن وجد. كما أن ظهور مظهر متعدد الكيسات في التصوير وحده لا يكفي لتشخيص المتلازمة، التي تتطلب تقييماً سريرياً وهرمونياً مناسباً واستبعاد الأسباب الأخرى.
وقد يرتبط الانتباذ البطاني الرحمي ( Endometriosis) ببعض المؤشّرات القلبية الوعائية في الدراسات الرصدية، لكن العلاقة ليست محسومة بالكامل. أما الأورام الليفية الرحمية، فتبرز أهمّيتها القلبية خصوصاً عندما تسبب نزفاً غزيراً وفقر دم. وفي جميع هذه الحالات، ينبغي ألا يحلّ التاريخ النسائي محلّ التقييم الطبي المُتكامل.
3. الحمل ومضاعفاته: مؤشرات للخطر المستقبلي
يمثّل الحمل اختباراً فيزيولوجياً مهماً للقلب والأوعية الدموية، وقد يكشف استعداداً سابقاً لبعض الاضطرابات أو يؤدي إلى مضاعفات ترتبط بارتفاع الخطر القلبي الوعائي لاحقاً.
وتشمل أهم هذه المضاعفات:
* مقدمات الارتعاج( Preeclampsia) وارتفاع ضغط الدم الحملي (gestational hypertension): يرتبطان بزيادة احتمال ارتفاع الضغط المُزمن وأمراض القلب والسكتة الدماغية مستقبلاً.
* السكري الحملي: يشير إلى زيادة احتمال الإصابة بالسكري من النوع الثاني، ويستدعي متابعة السكر والوزن والنشاط البدني.
* الولادة المُبكرة وبعض مُضاعفات المشيمة: قد تمثّل مؤشّرات إضافية إلى الخطر القلبي الوعائي اللاحق، خصوصاً عند اجتماع عوامل أخرى.
* اعتلال عضلة القلب المحيط بالولادة (Peripartum cardiomyopathy): وهي حالة نادرة لكنها خطيرة، قد تظهر في أواخر الحمل أو الأشهر التالية للولادة وتُسبّب قصور القلب.
ولا تعني هذه المضاعفات أن الإصابة القلبية حتمية، لكنها توفّر فرصة مُهمّة للوقاية المُبكرة. لذلك ينبغي توثيقها في الملفّ الطبّي الدائم، ووضع خُطة مُتابعة للضغط والسُكّر والشحوم والوزن بحسب مستوى الخطورة.
ويستدعي ضيق النفس المتزايد بعد الولادة، أو صعوبة التنفس عند الاستلقاء، أو التورّم الواضح المصحوب بأعراض مقلقة، تقييماً طبياً عاجلاً لاحتمال وجود قصور في القلب.
4. الانتقال إلى سن اليأس وما بعده
يُمثّل الانتقال إلى سن اليأس مرحلة مُهمّة لإعادة تقييم صحة القلب. فقد تترافق التقلّبات الهرمونية مع ارتفاع الكوليسترول الضارّ، وتغيّر توزيع الدهون نحو البطن، وزيادة مقاومة الإنسولين لدى بعض النساء، إضافة إلى اضطرابات النوم وتراجع النشاط البدني.
وقد أشارت دراسة سكانية أميركية نُشرت عام 2026، وفق ما ورد في المادة الأصلية، إلى انخفاض مؤشّرات صحة القلب لدى النساء في مرحلة ما حول انقطاع الطمث مقارنة بذوات الدورة المُنتظمة. وتدعم هذه النتيجة أهمية استغلال هذه المرحلة لمراجعة عوامل الخطورة، دون اعتبار انقطاع الطمث سبباً وحيداً للمرض.
كما يستدعي انقطاع الطمث قبل سن الأربعين تقييماً طبياً مُناسباً، إذ قد يرتبط قصور المبيض المُبكر بزيادة الخطر القلبي الوعائي في مراحل لاحقة.
وتشمل المتابعة قياس الضغط، ومراجعة الوزن ومحيط الخصر، وتقييم السُكّر والشحوم بحسب العمر والمخاطر، والاهتمام بالنوم والنشاط البدني والتدخين والتاريخ العائلي.
أما العلاج الهرموني لانقطاع الطمث، فقد يكون مناسباً لبعض النساء لتخفيف الأعراض بعد تقييم فردي للمنافع والمخاطر، لكنه لا يُوصى به بهدف الوقاية من أمراض القلب. وتتباين مخاطره بحسب العمر، والمُدّة منذ انقطاع الطمث، وطريق إعطاء الهرمون، والجرعة، ونوع المُستحضر والتاريخ الطبي.
ثانياً: أمراض قلبية تستحق اهتماماً خاصاً لدى المرأة
1. مرض الأوعية التاجية الدقيقة
قد تعاني المرأة أعراض نقص تروية القلب رغم عدم وجود تضيّق شديد في الشرايين التاجية الكبيرة. وقد تكون المُشكلة في الأوعية الدقيقة التي تغذي عضلة القلب أو في قدرتها على التوسّع بصورة طبيعية.
وتشمل الأعراض ألم الصدر أو الضغط فيه، وضيق النفس عند الجهد، والتعب غير المُتناسب مع النشاط. وقد لا تكون الفحوص التقليدية حاسمة، ما يستدعي استكمال التقييم بحسب الأعراض ودرجة الاشتباه.
2. التشنّج التاجي
ينتج التشنج التاجي عن انقباض عابر في أحد الشرايين التاجية، يؤدّي إلى انخفاض تدفّق الدم إلى عضلة القلب. وقد تحدث النوبات أثناء الراحة أو الليل، فيما قد لا يظهر التضيّق عند إجراء التصوير خارج النوبة. ويعتمد العلاج على تحديد الآلية المرضية، وقد يشمل حاصرات قنوات الكالسيوم أو أدوية أخرى بحسب الحالة.
3. التسلّخ التلقائي للشريان التاجي
يحدث التسلّخ التلقائي للشريان التاجي (Spontaneous Coronary Artery Dissection) نتيجة انفصال أو تمزّق في طبقات جدار الشريان، بما قد يُعيق تدفّق الدم. وهو سبب مهم للمتلازمات التاجية الحادّة لدى النساء، وقد يُصيب نساء أصغر سنّاً من العمر المُعتاد لمرض التصلّب العصيدي للشرايين التاجية للقلب.
وقد يرتبط بالحمل أو الفترة التالية للولادة أو بعض اضطرابات الأوعية الدموية، لكنه قد يحدث أيضاً دون سبب واضح. ويتطلّب تشخيصاً وتدبيراً مُتخصّصين، لأن أسلوب علاجه قد يختلف عن علاج الاحتشاء القلبي الناتج عن انسداد تصلّبي تقليدي.
وتؤكّد هذه الحالات أن غياب الانسداد الواضح في الشرايين الكبيرة لا ينفي وجود مرض قلبي مهمّ، وأن استمرار الأعراض يستدعي تقييماً مُناسباً حتى عندما تكون بعض الفحوص الأولية غير حاسمة.
في الجزء الثاني من هذا الملف نتكلّم عن التوصيات الًعملية للوقاية من أمراض القلب لدى المرأة وعن أبرز التوجهات والتحدّيات العلمية حول هذا الموضوع الهامّ في عام 2026.
د طلال حمود
اختصاصي امراض القلب والشرايين، عمليات القسطرة وتوسيع الشرايين،
امراض القلب عند الرياضيين وعند المُصابين بمرض السُكّري
خرّيج جامعات فرنسا وكندا.



