أحدثت الحرب الأاميركية_الإسرائيلية مع إيران، إضطراباً في أسواق النفط عالمياً، وكشفت الوهم الذي قامت عليه الإستراتيجيات الخليجيّة لسنوات مضت، وما كانت تقوم به قنواتها الدبلوماسية، وظهر بأنَّ الإزدهار الإقتصادي والتنويع والإنفتاح على العالم، يمكن أن تتقدّم على حساب بناء منظومة أمنيّة صلبة ومتكاملة، لذلك العالم اليوم ومنطقة الخليج ومجلس التعاون، مطالبون برسم وإعادة ترتيب سياق ودور إقليمي جديد، يختلف كلياً عمَّا كان سابقاً، لناحية المظلة الأمنية وقوة الإقتصاد الإستثماري والمالي، ومتانة الدور الطاقوي النفطي والغازي، في ضرورة إيجاد بديل لإعادة إنتاج علاقات إقتصادية دولية، قامت واشنطن بالعَبَث فيها، بشنِّ الحرب بسوء تقدير على إيران، وبعثرت النفوذ عبر التراكم الكمِّي في الإفراط بتوسُّع الحرب وبكلفة عالية، والبدء ببناء تحوُّلات يبدو أنها تصبُّ بغير صالح الويلات المتحدة الأميركية على المدى البعيد، ومعها إسرائيل بطبيعة الحال.
خسائر إقتصادية بالجملة
فمنذ إندلاع الحرب، طالت نيراها دول الخليج عبر التهديدات والضربات المباشرة لعمقها الحيوي، من مضيق هرمز إلى منشآت الطاقة والبنى التحتيَّة، وصولاً إلى محطّات تحلية المياه، رغم أنَّ العواصم الخليجيّة، كانت قد حذّرت واشنطن من أنّ أيّ تصعيد إضافي، قد يفتح الباب أمام إستهداف مباشر لمصادر الحياة نفسها في المنطقة، ورغم حجم القوة العسكرية الهائلة المستخدَمة بين الطرفين، والذي يصبُّ في مصلحة واشنطن وإسرائيل أكثر، وتسبَّب بدمار كبير في إيران، وخسائر بشرية وحيوية، لكنه أظهر عدة مؤشرات للبدء بتحول جوهي وعميق، يتعلق ربما بما ستفقده واشنطن من قدرتها الأحادية على المسرح الدولي، في فرض شروطها المزاجية للتحكُّم بمفاصل العالم، ومنها: أنَّ الهدف الأساسي الذي شُنَّت الحرب الأميركية من أجله هو إسقاط النظام الإيراني بإغتيال المرشد، ولم ينجح، ومضيق هرمز الذي تفتَّحت عليه الأعيُن من جديد، كان المرور النفطي والتجاري فيه سلسٌ لكلِّ العالم، بينما اليوم صار مقيَّداً بإحكام اليد الإيرانية عليه، وأسعار النفط التي قفزت فوق 111 دولار للبرميل الواحد، بدأ يصنع تحوُّلاً بالرأي العام الأميركي رافضاً لهذه الحرب العشوائية، بعد تجاوز قيمة الغالون ال 5 دولارات، في المقابل، إستفادت روسيا من أسعار النفط الجديدة بسعر أعلى، ومن فكِّ العقوبات عنها، وبيع النفط والغاز بأريحية، ناهيك عن التحرُّك الصيني الإقتصادي والتجاري بحرِّية أوسع، في مجال تجارتها الدولية كمنفذٍ وملاذٍ أخير. كلُّ هذه التحوُّلات التي حصلا خلال شهر واحد باتت تنذر بأن العالم صار في سياق آخر من التحوُّلات التي بعْثرت فيه أمريكا كل أوراقها وخسرتها بكلفة وسرعة عالية، ليتم بناء نظام عالمي، بعيداً عن هيمنتها الأحادية وفرض شروطها التعجيزية أحياناً كثيرة، وبناء نظام إقليمي يقوم على أعمدة أربع دول، تجتمع اليوم في إسلام آباد، وهي باكستان وتركيا ومصر، والمملكة العربية السعودية.
إطلاق التفاوض وتعزيز النفوذ
الإتصالات التي تقودها كلّ من باكستان ومصر وتركيا، بمشاركة المملكة المملكة السعوديّة، والبدء بمحاولة التأسيس لفتح ثغرة في جدار الحرب المغلق بين الإيرانيّين والأميركيّين، لإنزال الطرفين عن سقوفهما العالية التي رفعوا شروطهم إليها، هو ما يعكس جدية البحث عن نافذة أمل، يمكنها أن توقف الحرب وتُعيد المتقاتلين إلى طاولة الحوار، كذلك يمنح تعدّد الوسطاء الأطراف المتنازعة جملة من المزايا، أبرزها تقليل مخاطر الفشل عبر توزيع قنوات الإتّصال، إتاحة إختبار المقترحات عبر أكثر من وسيط، وتفادي الإحراج السياسي في حال التراجع عن مواقف متشدّدة، إضافة إلى خلق توازن نفسيّ يمنع شعور أيّ طرف بالعزلة، مع الحفاظ على مسافة سياسيّة تقلّل كلفة الانخراط المباشر، ويعكس أيضاً توجّهاً نحو إدارة الصراع لا حسمه سريعاً، عبر شبكة وسطاء تتكامل أدوارهم، بحيث يصبح تعدّد القنوات جزءاً من آليّة خفض التوتّر، فلا تزال الأزمة، مع كل خطورتها، قابلة للإحتواء، مقارنة بكلفة الإنفجار الشامل، والتي ستكون حتماً أعلى بكثير من كلفة التسويات المرحليّة.
فقد يمنح نجاح هذه الوساطة الدول الأربع نفوذاً إقليميّاً أوسع، وحضوراً دوليّاً وازناً، عبر إعادة تموضع القوى الإقليميّة، كفاعل رئيسي في إدارة الأزمات الكبرى، وفي حرب بهذا الحجم والتعقيد، لم يعد كافياً أن يؤدّي الوسيط دور ناقل الرسائل، بل بات المطلوب المساهمة في صياغة إطار سياسيّ يتيح خفض التصعيد وتوفير ضمانات متبادلة، كما تحتاج الولايات المتّحدة إلى وسطاء يتمتّعون بوزن سياسيّ، يسمح لهم بممارسة قدر من الضغط على طهران، فيما تبحث إيران عن طرف قادر على توفير ضمانات لوقف النار، ومنع الالتفاف على أيّ مسار تفاوضيّ، ومنح أيّ تفاهم محتمل غطاءً إقليميّاً أوسع وأقدر، من هنا، يتجاوز دور الوسطاء ليبدو دوراً أكثر تأثيراً في صياغة توازن جديد بين المصالح والمخاطر.
بناء إستراتيجية الحرب الشاملة
لم يكن الخليج منذ بدء هذه الحرب في موقع ضعيف، فهو أكثر تماسكاً إقتصاديّاً، مع نموّ في القطاعات غير النفطيّة، ومشاريع تكامل إقتصادية، ومسارات إصلاح كانت تمضي قدماً، فدول الخليج ليست هشّة، لكنّها إكتشفت مجدّداً أنّ الثروة ليست إستراتيجية دائمة، وأنّ التنويع الإقتصاديّ لا يُلغي حقائق الجغرافيا، ليصار البناء والتفكير بإستراتيجية جديدة، تقوم على كيفية إنتهاء الحرب وليس البحث موعد إنهائها، فمستقبل مجلس التعاون لم يعدْ مرتبطاً فقط بمسار المعارك، بل بطبيعة النظام الإيرانيّ بعد توقّفها، وهنا، لم تضرب هذه الحرب الشعور بفقدان الأمن فقط، بل طاولت صلب النموذج الخليجيّ نفسه، مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره خُمس إمدادات الطاقة العالميّة، وهو لم يعُدْ ممرّاً تجاريّاً وحسب، بل نقطة إختناق إستراتيجيّة، وأيّ إضطراب طويل الأمد فيه، لا يهدّد فقط العائدات، بل يضرب فكرة الإستقرار التي قامت عليها جاذبيّة الخليج للإستثمار في العالم.
إنَّ دول مجلس التعاون الخليجي، الذي باتت إقتصاداته أكثر تنوّعاً، وقطاعاته غير النفطيّة أكثر حضوراً، ومشاريعه التكامليّة، من الربط التجاريّ إلى النقل والخدمات، أصبحت أكثر تقدّماً، تعتبر مسألة الحسم العسكريّ، ليست هي التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة، بل مستقبل النظام الإيرانيّ نفسه، في البقاء أو في إعادة التموضع، أو الخروج ربّما أكثر ميلاً إلى خفض التصعيد دون التخلِّي عن ثوابته، وبالنسبة لدول الخليج، هذا هو السيناريو الأكثر قابليّة، بمعنى، قد يكون إستقراراً مضبوطاً، وهنا تدخل المنطقة مرحلة من المواجهة، عبر ضغوط بحريّة، هجمات سيبرانيّة، عمليّات غير مباشرة، وإستهداف للبنى التحتيّة، وفي هذا يصبح الخليج أكثر تحصيناً، إنفاق دفاعيّ أعلى، تنويع في مسارات التصدير، وتركيز أكبر على حماية الداخل، ولذلك كان الهدف من توسيع مجال الخسائر والضحايا في دول الخليج، للضغط على أميركا من أجل وقف الحرب، ومن ثم وضع العالم في أزمة طاقة كبيرة، ليس فقط بإغلاق مضيق هرمز والتهديد بإغلاق باب المندب، بل أيضاً بتعطيل الإنتاج الخليجي عبر قصف المنشآت النفطية والغازية وسواها.
الى الآن، لا تُبدي إيران أيّ إستعداد للإستسلام، بل تراهن على الصمود وإطالة أمد الحرب ورفْع كلفتها، في حين أنَّ الولايات المتّحدة وإسرائيل غير مستعدّتين لإنهائها، من دون نتيجة واضحة يمكن تسويقها، إمّا التفكيك الفعلي لقدرات إيران، أو تغيّر جوهريّ في سلوك النظام، أو في الحدّ الأقصى إنهياره، وهذا يعني بيئة غير مستقرّة يصعُب التنبّؤ بها، لكن السيناريو الأخطر، هو تفكّك النظام الإيراني أو إنهياره الجزئيّ، وهو ما قد يفتح الباب أمام تهديدات أكثر تعقيداً، فإيران المتفكّكة تتحوّل إلى ساحة مفتوحة، تتعدَّد فيها مراكز القوّة، وتضعف السيطرة على السلاح، وتعمُّ الفوضى في القرار، عندها، يصبح مضيق هرمز مساحة إضطراب دائم، لا ورقة ضغط بيد أية دولة، من هنا، يتّضح أنّ مستقبل الخليج، لا يتحدّد بما إذا كانت إيران قويّة أو ضعيفة، بل بما إذا كانت متماسكة أو مفكّكة، ولذلك لا تراقب عواصمها مسار الحرب فقط، بل تتابع بدقّة ما يجري داخل إيران، من تماسك للقيادة، وتوازن المؤسّسات، وطبيعة الخطاب بين الإيديولوجية والبراغماتيّة، فإيران قويّة ومتماسكة يُمكن ردعها هذا شيء، وإيران ضعيفة لكن متماسكة ،يمكن إحتواؤها شيء آخر، أمّا إيران المفكّكة فهي التحدّي الأكبر، ولهذا بدأت الحرب تُعيد تشكيل أولويّات مجلس التعاون الخليجي نفسه، بحيث صار مفهوم الأمن يشمل إضافة الى عسكرته، الماء والغذاء والطاقة والبنية الرقميّة، ولم يعُدْ التنويع الإقتصادي خياراً تنموياً، بل ضرورة إستراتيجيّة، وصار التكامل الدفاعي مطلباً ملحّاً، أمّا لناحية السياسة الخارجيّة فباتت أكثر توازناً تجمع بين الشراكة مع واشنطن، والرغبة في تنويع العلاقات.
في الوقت نفسه، تبدو المملكة السعوديّة كقائدة للتحوّل العربي، من أكثر الدول إدراكاً لكلفة الحرب الشاملة، نظراً لتعرّضها المباشر لمخاطر التهديدات الإيرانيّة، وما قد يترتّب على أيّ مواجهة واسعة، من تداعيات على إستقرار الخليج ومشاريعه الإقتصاديّة الكبرى، لذلك تميل نحو مقاربة تقوم على إحتواء إيران لا إسقاطها، وتقليص التوتّر بدلاً من تفجير مواجهة مفتوحة، وإدارة التنافس ضمن قواعد إشتباك منعدمة المخاطر، فهذه المقاربة تجعل موقفها مقبول نسبياً، فيما تملك نفوذاً سياسيّاً وأمنيّاً داخل بنية القرار الأميركيّ، وهو ما يمنحها القدرة على الدفع نحو مسارات تفاوضيّة بدلاً من خيارات عسكريّة.
في النهاية لخلاصة المشهد، إنَّ ما حدث حول مضيق هرمز، ما هو إلاَّ شكل من الصدام بين توقّعات مختلفة لسلوك أفرقاء الحرب تحت ضغط نارها، إفترضت فيها واشنطن عقلانيّة إقتصاديّة إيرانيّة تمنع التصعيد الكبير، بينما رأت طهران أنّ توسيع دائرة الكلفة والمعاناة، هو الطريق الوحيد لفرض التوازن، في حين تحاول دول الخليج بين هذين المنطقين، حماية مصالحها دون التحوّل إلى المشاركة في مواجهة مفتوحة، والمرحلة المقبلة ستحدّدها قدرة الأطراف على إيجاد مخرج يسمح بخفض المخاطر، دون إعلان تراجع سياسيّ، ونجاح دول الخليج لن يقاس بمدى مشاركتها في الصراع، بل بقدرتها على إبقاء النفط متدفّقاً والأسواق مستقرّة، مع تجنّب الإنزلاق إلى حرب من الصعب التحكّم بنتائجها، تلك معادلة صعبة، لكنّها أصبحت اليوم جوهر التفكير الإستراتيجيّ في المنطقة، ستنتهي هذه الحرب، وما سيخرج من طهران، هو ما سيحدّد شكل الأمن في الخليج، من خلال مسار إقتصاده، وطبيعة توازناته، فبالنسبة للخليج، ليست نهاية الحرب وقف إطلاق النار، بل شكل الدولة الإيرانيّة التي ستبقى بعدها.
شرعية الخضوع وشرعية الرفض, الكرد كاختبار نهائي لمعنى الدولة في سوريا
المسار التاريخي للديمقراطية القاعدية المباشرة: من الساحة العامة إلى المجالس الشعبية
الإيكولوجيا بين التاريخ البشري والسلطة من البيئة كشعار إلى الإيكولوجيا كمشروع تحرّر
الحلقة (3) انتخابات تحت النار: شرعية تُصنع في زمن الاختلال
العلاقات العربية – الأرمنية التاريخية والسياسية والثقافية والتجارية والاقتصادية والإنسانية منذ 1300 عام حتى اليوم


















Discussion about this post