بقلم : أمين السكافي.
لقد قال لي أحدهم فيما مضى مقولة وجدت فيها حكمة عميقة، تقول: “عدوٌّ ذكي خيرٌ من صديقٍ أحمق”. يومها مرّت العبارة ككلمات عابرة، لكنها اليوم تعود لتفرض نفسها كمرآةٍ فاضحةٍ للواقع الذي نعيشه؛ واقعٌ انقلبت فيه الموازين حتى صار العدو أحمق، لا يدرك ما يفعل، ولا يعي إلى أي هاويةٍ يسير.
فكيف بالحال التي نحن فيها الآن، حيث أن العدو أحمق، بل وخريج مدرسة إبستين، يلاحقه الصهاينة بفضائحها كما يُلاحق الظل صاحبه، حتى أوصلوه إلى الصعود إلى الشجرة؟ ذلك المثل الشعبي اللبناني الذي يقول: “من جعل الحمار يصعد الشجرة، فعليه أن يُنزله”، يختصر المشهد كله. لكننا، نحن، لم نصعده الشجرة، ولم نكن سببًا في ارتقائه المضحك المبكي، فلماذا يُراد لنا أن ننشغل بإنزاله؟
بالنسبة لنا، وجود هذا “الحمار” — عفوًا، الرئيس الأحمق — ليس إلا مشهدًا عبثيًا ممتعًا، فصلًا من مسرحية سوداء تتكشّف فصولها أمام أعين العالم. عذاباته، تخبطه، قراراته المرتبكة، كلها تتحول إلى مادة للدهشة والسخرية في آنٍ معًا. وما يتعرض له من جلدٍ وضربٍ وإذلال، سياسيًا ومعنويًا، على يد حرس الثورة المبارك، ليس إلا انعكاسًا لعجزه، ودليلًا على أن القوة الحقيقية لا تُقاس بالصراخ ولا بالاستعراض، بل بالثبات والوعي والإيمان بالقضية.
ومع ذلك، فإن الطريقة الوحيدة لنزوله عن الشجرة ليست بمدّ يد العون له، ولا بمحاولة إنقاذه من ورطته، بل باقتلاع الشجرة نفسها من جذورها، هو ومن يقف خلفه، كي لا يعاود هذا النبت السام التمدد في أرضنا وبحرنا وسمائنا. إنها ليست مسألة فردٍ أحمق، بل منظومة كاملة من الغباء المركّب، تُدار بعقولٍ مأزومة، وتُحرّكها أيدٍ خفية، لكي تبقى المنطقة في دوامةٍ لا تنتهي.
لقد تغابى هذا الأحمق، مدفوعًا من كيانٍ سارقٍ قاتل، فظنّ أن بإمكانه التطاول على الأمة الإيرانية الإسلامية العريقة، وكأنها صفحة بيضاء يمكن العبث بها. لكنه لم يدرك أنه يوقظ أسدًا، وأنه يحرّك تاريخًا حيًّا، لا ذاكرةً خاملة. فكانت النتيجة أن نالوا نصيبهم من غضبة الأسد، ووجدوا أنفسهم فجأة يبحثون عمّن يشفع لهم عند المجتبى، بعدما كانوا يتوهمون أنهم صانعو القرار ومحرّكو العالم.
لقد هيّأ لهم خبثهم أن هذا الشعب العظيم لا يختلف عن بقية شعوب المنطقة والعالم، وأن المسألة لا تحتاج إلا إلى بضعة قذائف، وبعض الشهداء، لتنتهي المعركة وتُطوى الصفحة. يا أيها الأغبياء والحمقى، هذا شعبٌ متجذر في التاريخ، شعبٌ مرّ عليه من أمثالكم ما لا يُحصى، ولم يزده ذلك إلا صلابةً وإصرارًا.
هذا الشعب الذي يرابض في الساحات منذ اليوم الأول للمعركة، لا يعرف لغة الملاجئ والمخابئ، ولا يفهم منطق الاختباء خلف الجدران. إنه شعبٌ صُنعت روحه في ميادين المواجهة، وتكوّن وعيه على مدى ما يقرب من خمسين عامًا، على يد سيدٍ جليلٍ، كاد لولا أمر الله أن يكون الإمام الثالث عشر. لقد أيقظ روح الله في هذه الأمة الفكر الكربلائي، ذلك الفكر الذي لا يرى في الدم خسارة، بل يرى فيه حياةً، ولا في الشهادة نهاية، بل بدايةً لمعنى الوجود.
وهكذا، حين تطرح هذه الأمة عزةً وكرامةً وشهادةً ودماءً حرة، فإنها لا تفعل ذلك بدافع الانفعال، بل بدافع الوعي العميق بأن الكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن التاريخ لا يرحم الضعفاء، بل يخلّد أولئك الذين كتبوه بدمائهم.
في النهاية، يبقى الأحمق أحمق، مهما تزيّن بالمناصب، ومهما حاول أن يرتدي ثوب القوة. لكن الخطر الحقيقي ليس في حماقته وحدها، بل في أولئك الذين يدفعونه، ويظنون أنهم قادرون على التحكم بالنار دون أن تحرقهم. والتاريخ، كما علّمنا، لا يكرر نفسه عبثًا، بل ليمنح فرصةً جديدةً لفهم الدرس… أو لدفع الثمن مرةً أخرى

















Discussion about this post