الأحمق الذي أراد سرقة اليورانيوم

بقلم : أمين السكافي- صيدا -لبنان- هذه المقالة كتبت ٦-٤-٢٠٢٦
في مشهدٍ يكاد لا يُصدق لولا تكراره في سجل السياسات المرتجلة، بدا أن دونالد ترامب قرر أن يختبر حدود الخيال السياسي، لا عبر خطابٍ ناري أو تغريدة مثيرة، بل عبر محاولةٍ أقرب إلى مغامرة ساذجة: سرقة اليورانيوم من إيران. نعم، سرقة… وكأننا أمام فيلمٍ رديء الإخراج، لا أمام دولةٍ عظمى تُفترض فيها حسابات دقيقة ومعايير استراتيجية.
الأحمق الذي أراد سرقة اليورانيوم، لم يدرك أن ما يتعامل معه ليس مخزنًا مهجورًا، بل منظومة سيادية محصّنة، تقف خلفها دولة بحجم إيران، شعبًا وجيشًا وحرسًا ثوريًا وقيادة تنام وهي مفتحة الأعين. وكأن المفاعلات النووية هي أماكن من السهل الوصول إليها، وبأنها بظنه مكشوفة ومعروفة للناس أجمعين، وبأنها دون حراسة تُذكر. هذا التصور بحد ذاته ليس فقط خطأً استخباراتيًا، بل فضيحة عقلية كاملة.
لقد مُنيت القوات الأميركية بالفشل الذريع، فشلٌ لم يقتصر على عدم تحقيق الهدف، بل تعداه إلى سقوط قتلى في صفوفهم، إضافة إلى طائرات محترقة كانت تحاول، بكل غباء الدنيا، تنفيذ هذه المهمة العبثية. وهنا، لا يعود المشهد مجرد إخفاق عسكري، بل يتحول إلى دليلٍ حيّ على أن الغرور حين يقود القرار، تكون النتيجة كارثية.
أيها الأحمق، إن أردت السرقة فابدأ بسرقة الأحذية عن أبواب المساجد، أو بسرقة أغصان الفاكهة المتدلاة خارج البساتين. أما أن تحاول السرقة من دولة كبرى كإيران، فدونك المهالك. فهذه ليست أرضًا مستباحة، ولا ثروة سائبة، بل منظومة معقدة من الردع والحماية، حيث لا يُترك شيء للصدفة، ولا يُسمح ليدٍ عابثة أن تمتد دون أن تُقطع.
لقد اعتادت بلادك، تاريخيًا، على سرقة ثروات البلدان الأخرى، وخاصة الخليجية منها، من نفطٍ وغازٍ ونقود، عبر أدوات الهيمنة والضغط السياسي والاقتصادي. لكن إيران ليست من هذا النوع. إنها دولة بنت معادلتها الخاصة، حيث السيادة ليست شعارًا بل ممارسة، وحيث الموارد ليست عرضة للبيع أو النهب.
والمفارقة الأكثر سخرية أن هذه المحاولة لم تُنفذ في الظلام، بل جاءت أقرب إلى فعلٍ فجّ، جهارًا نهارًا. حتى في السرقة، أنت فاشل. لم تُحسن التخفي، ولم تُتقن التخطيط، ولم تُدرك أن الطرف الآخر لا ينام، بل يراقب، يحلل، ويستعد لكل احتمال.
أما جنودك، فبدل أن يعودوا بخفي حنين، لم يعودوا أصلًا. وهذه ليست مجرد خسارة ميدانية، بل مأساة بشرية تُضاف إلى سجل قراراتٍ متهورة، يدفع ثمنها الجنود قبل غيرهم. وهنا، يتجلى الفارق بين من يقاتل دفاعًا عن أرضه، ومن يُرسل إلى مغامراتٍ لا يفهم حتى أسبابها.
من الجيد أنك توظفت كرئيس في البيت الأبيض، لأن مؤهلاتك، كما يبدو، لا تسمح ولا تؤهلك لأي وظيفة أخرى. فالإدارة ليست استعراضًا، والسياسة ليست مقامرة، والدول لا تُدار بعقلية الصفقات الفاشلة.
في الخلاصة، ما جرى ليس مجرد محاولة فاشلة لسرقة اليورانيوم، بل درسٌ قاسٍ في حدود القوة، وفي أن الاستخفاف بالخصوم قد يكون أسرع طريق إلى السقوط. إنها حكاية الأحمق الذي ظن أن العالم يُدار بخفة اليد، فاكتشف – متأخرًا – أن بعض الأبواب لا تُفتح إلا بمفاتيح من عقلٍ… لا يملكه




