كتب / سعيد فارس السعيد
يقف لبنان اليوم أمام مرحلةٍ شديدة التعقيد، تتداخل فيها التحولات الإقليمية مع الأزمات الداخلية بصورةٍ غير مسبوقة، في وقتٍ تبدو فيه المنطقة كلّها وكأنها تدخل مرحلة إعادة صياغة للتوازنات والتحالفات ومسارات النفوذ.
وفي قلب هذا المشهد، تتزايد حالة القلق داخل مختلف البيئات اللبنانية، لا سيما مع استمرار الضبابية المحيطة بمستقبل الصراعات الإقليمية، واحتمالات التوصل إلى تفاهماتٍ دولية قد تنعكس مباشرة على الواقع اللبناني سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
هذا القلق ليس حكرًا على بيئةٍ دون أخرى، بل أصبح شعورًا عامًا يعبّر عن خوف اللبنانيين جميعًا من أن يتحوّل وطنهم مرةً جديدة إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات، أو إلى ضحيةٍ لتسوياتٍ لا تراعي هشاشته الداخلية وتعقيداته الوطنية.
ومن هنا، فإنّ الحديث عن “الخطوط الحمراء” أو عن حماية عناصر القوة الوطنية، رغم أهميته، لم يعد كافيًا وحده لمواجهة المرحلة المقبلة.
فالبلاد لا تحتاج فقط إلى خطاب الرفض، بل إلى مشروع مبادرة وطنية متكاملة، تنتقل بلبنان من موقع انتظار المتغيّرات إلى موقع المشاركة في صناعة مستقبله.
إنّ أخطر ما يواجهه لبنان اليوم ليس فقط التهديدات الخارجية، والاعتداءات الإسرائيلية اليومية المستمرة ..
بل استمرار غياب الرؤية الوطنية الجامعة، وتآكل الثقة بين المواطن والدولة، وبين المكوّنات اللبنانية نفسها، في ظل الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي الذي أصاب بنية الدولة وأضعف قدرتها على حماية الناس واحتضانهم.
ولهذا، فإنّ أي دعوةٍ للحوار الوطني يجب ألّا تبقى محصورة بالإطار السياسي التقليدي أو بالنخب المتصارعة، بل ينبغي أن تتحوّل إلى مساحةٍ وطنية أوسع، تشارك فيها القوى الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والشبابية، من أجل إنتاج تصوّرٍ جديد للدولة، يقوم على الشراكة الحقيقية، والعدالة، وحماية التنوّع، وتعزيز مفهوم المواطنة.
كما أنّ الحاجة أصبحت أكثر إلحاحًا لعقد قمّة روحية وطنية تجمع المرجعيات الدينية اللبنانية كافة، لأنّ حماية السلم الأهلي لا تتحقق بالأمن وحده، بل بإعادة ترميم الثقة الأخلاقية والإنسانية بين اللبنانيين، وإحياء ثقافة اللقاء بدل الانقسام والتحريض.
غير أنّ نجاح أي مبادرة مستقبلية يبقى مرتبطًا بشرطٍ أساسي:
وهو الانتقال من الخطابات العامة إلى خطواتٍ عملية واضحة، تشمل إصلاح مؤسسات الدولة، وتعزيز استقلال القضاء، ومحاربة الفساد، وبناء اقتصادٍ يحفظ كرامة الناس، بدل إبقائهم أسرى الخوف والحاجة والارتهان السياسي.
إنّ لبنان، بكل تنوّعه وحساسيته، لا يستطيع أن يعيش بمنطق الغلبة، ولا بمنطق العزل أو الإلغاء، بل يحتاج إلى عقدٍ وطني جديد، يُعيد تعريف الشراكة على أساس حماية الجميع لا انتصار أحد على أحد.
ففي زمن التحوّلات الكبرى، قد لا يكون أخطر ما تواجهه الأوطان هو العواصف الخارجية، بل عجزها عن بناء رؤيتها الداخلية المشتركة.
ولهذا، فإنّ حماية لبنان لا تبدأ فقط برسم خطوطٍ حمراء، بل بفتح الطرق الخضراء نحو دولةٍ عادلة، آمنة، وقادرة على احتضان جميع أبنائها.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني
التوقيع:
“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”
















Discussion about this post