… بوصلة المواقف …
لم تعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تُقرأ بوصفها مجرد مواقف سياسية عابرة، بل باتت تعكس حالة من الارتباك والهستيريا السياسية التي تتصاعد كلما تعقدت الملفات الإقليمية والدولية أمام واشنطن. فالرجل الذي اعتاد لغة التهديد والاستعراض، أصبح أكثر انفعالًا وأقل قدرة على إخفاء حجم الأزمة التي يعيشها الخطاب الأمريكي في المنطقة، خصوصًا بعد التحولات الكبرى التي فرضتها إيران في معادلات القوة والممرات البحرية والطاقة.
التهديد بقصف سلطنة عمان لم يكن زلة لسان، ولا مجرد رسالة عسكرية عابرة، بل كشف عن عمق المأزق الأمريكي في ملف مضيق هرمز. فعندما تصل واشنطن إلى مرحلة التلويح باستهداف دولة طالما عُرفت بدورها الهادئ والمتوازن، فهذا يعني أن شيئًا كبيرًا يجري خلف أبواب المفاوضات، وأن الولايات المتحدة بدأت تشعر بأن زمام المبادرة يفلت من يدها.
إيران، التي تدرك الأهمية الاستراتيجية للمضيق، لم تتعامل مع الملف بمنطق عسكري صرف، بل سعت إلى خلق معادلة سياسية وإدارية جديدة تقوم على إشراك سلطنة عمان في إدارة هذا الممر الحساس، بما يمنح المنطقة نوعًا من التوازن ويقلل من فرص الهيمنة الأمريكية المطلقة عليه. لكن التهديدات الأمريكية الأخيرة كشفت أن هذا الطرح الإيراني بدأ يحقق نتائج فعلية، وأن واشنطن تخشى تحوله إلى واقع سياسي دائم.
المفارقة أن أي انسحاب عماني محتمل من هذا الدور، تحت ضغط التهديدات أو التصعيد، لن يؤدي إلى إضعاف إيران كما تتصور الإدارة الأمريكية، بل سيمنح طهران فرصة أكبر للتفرد بهذا الملف الحيوي. وهنا تتجلى الأزمة الحقيقية في التفكير الأمريكي؛ إذ تتحول أدوات الضغط إلى وسائل تمنح الخصم نفوذًا إضافيًا بدل أن تنتزع منه أوراق القوة.
لغة التهديد التي يستخدمها ترامب تعكس أيضًا شعورًا متزايدًا بالعجز عن فرض الإملاءات القديمة. فالشرق الأوسط لم يعد كما كان قبل عقدين، والقوى الإقليمية باتت تمتلك قدرة أعلى على المناورة وبناء التحالفات وإدارة الأزمات بعيدًا عن الإرادة الأمريكية المباشرة. لذلك تبدو تصريحات ترامب أقرب إلى ردود فعل غاضبة لرجل يرى النفوذ الأمريكي يتراجع، ويخشى أن يتحول هذا التراجع إلى حقيقة سياسية لا يمكن إنكارها.
إن الهستيريا التي تظهر في خطابات ترامب ليست دليل قوة، بل مؤشر أزمة. فالقوة الواثقة لا تحتاج إلى الصراخ الدائم، ولا إلى التهديد العشوائي للدول، بل تفرض حضورها بهدوء وثبات. أما حين يصبح الخطاب مليئًا بالتوتر والانفعال والوعيد، فذلك يعني أن صاحب الخطاب يشعر بأن خصومه يحققون تقدمًا حقيقيًا على الأرض وفي السياسة.
ما يجري اليوم يؤكد أن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل معركة إرادات وصبر وإدارة نفوذ. وفي هذه المعركة، يبدو أن الولايات المتحدة تعاني من أزمة خطاب وأزمة أدوات، بينما تحاول إيران استثمار التحولات الدولية والإقليمية لصالح مشروعها الاستراتيجي. ومن هنا يمكن فهم غضب ترامب وتصاعد تهديداته، بوصفهما انعكاسًا لشعور أمريكي بالهزيمة السياسية قبل أي شيء آخر.
بقلم جليل هاشم البكاء


















Discussion about this post