فجأة استفاقت الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، ودول المنطقة، على أهمية موقع وموقف سورية، وكيف تعمل على إعادة ادماجها في الدورة الاقتصادية العالمية، بعد أكثر من ستة عقود من النهج الاشتراكي، وأكثر من عقدين من العقوبات، وأربعة عشر عاماً من الصراع الشرس فيها وعليها.
صحيح أن البداية كانت مع التغيير الدراماتيكي الذي حدث فيها قبل عام ونصف، ونقل تموضعها الجيوسياسي من ضفة إلى ضفة، وكانت الخطوة الأولى، قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تخفيف العقوبات المفروضة عليها، بموجب قانون قيصر، ثم تبعه الاتحاد الأوروبي بإجراءات مماثلة، لكن هذا التوجه، أخذ تسارعاً كبيرا وملحوظاً في الفترة الأخيرة، واتخذ خطوات عديدة:
** دعوة الرئيس أحمد الشرع، إلى قمة الاتحاد الأوروبي، التي عقدت في العاصمة القرصية نيقوسيا، ودعي إليها قادة دول شرق المتوسط ومصر، (ماعدا تركيا)، وهناك ألقى الشرع كلمة أكد فيها، أن أمن أوروبا واستقرار الشرق الأوسط “لا يقبلان التجزئة”، وأن الطرفين بحاجة إلى شراكة استراتيجية مشتركة، لمواجهة أزمات الطاقة والأمن والتجارة، وأعاد طرح مبادرة “البحار الأربعة والممرات التسعة” وقدم سوريا باعتبارها ممراً آمناً، يربط آسيا الوسطى والخليج بأوروبا، وأن سوريا تريد التحول من “ساحة صراعات” إلى “جسر للأمان” وشريك استراتيجي لأوروبا والمنطقة.
** دعوة سورية لحضور فعاليات مؤتمر بروكسل العاشر، في الحادي عشر من شهر إيار الجاري، بحضور دولي واسع، بوفد ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني، ومن هناك تم الإعلان، عن إنهاء تعليق تحاد الأوروبي “اتفاقية التعاون” التجارية والاقتصادية مع سوريا، ورفع كافة العقوبات الاقتصادية عن قطاعات النفط والغاز والكهرباء، وتم إقرار حزمة مساعدات مالية بقيمة 620 مليون يورو، لدعم البنية التحتية، والخدمات الأساسية، وبدء تسيير الرحلات التجارية والتبادل التجاري، مع دول الاتحاد الأوروبي.
** دعوة سورية لأول مرة، للمشاركة في الاجتماع المغلق، الذي عُقد في العاصمة الفرنسية باريس، لوزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية، لمجموعة الدول الصناعية السبع (G7) بحضور رئيس البنك الدولي، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي، ومثل سورية في الاجتماع وزير المالية محمد يسر برنية، الذي أكد حرص سوريا، على تعزيز اندماجها في النظامين الاقتصادي والمالي العالميين، مع الإشارة إلى أن مشاركة سورية في الاجتماع، تأتي في إطار التحضيرات لقمة قادة مجموعة السبع، المقررة في حزيران/يونيو المقبل، ومن المتوقع أن تركز المناقشات، على التعافي المستدام لسوريا، وإعادة دمجها في النظام المالي العالمي.
** زيارات للرئيس الشرع، إلى الإمارات والسعودية.
** المبعوث الأمريكي إلى دمشق، توماس باراك، وسع حركته المتعلقة بسورية وزار السعودية، والتقى وزير خارجيتها فيصل بن فرحان، ومن هناك أطلق عبارة لافتة، قال فيها “إن سوريا قد تصبح مختبرًا لتحالف إقليمي جديد، قائم على الدبلوماسية والتكامل والأمل”.
كما ترافقت هذه اللقاءات، مع حركة سياسية ودبلوماسية واقتصادية نشطة، من وإلى دمشق، ومنها بشكل خاص زيارة وفد إماراتي كبير، برئاسة المستثمر محمد العبار الذي أعلن عن استثمارات ضخمة منها بسبعة مليارات في الساحل، وتوقيع عقد مع شركة شيفرون الأمريكية للتنقيب والاستثمار في قطاع النفط والغاز في سورية.
وسط هذه الحركة النشطة جداً، من الطبيعي التساؤل عن أسباب ومبررات هذا التأكيد على أهمية دور وموقع وموقف دمشق، مع التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم، والانتقال الجاري على البارد والساخن، من مرحلة القطب الأمريكي الواحد، إلى العالم المتعدد الأقطاب.
للوصول إلى إجابة على هذه التساؤلات، يبرز عاملان أساسيان:
الأول: ثابت، وهو الموقع الجيوسياسي الفريد لسورية، في سواحل شرق المتوسط، وقلب بلاد الشام، وبوابة منطقة غرب آسيا، التي تعتبر على مدى التاريخ، المؤشر على صعود وهبوط الامبراطوريات والدول العظمى، والمنطقة المفتوحة على أوروبا وشمال أفريقيا، وهذا يعيد تأكيد وثبات هذه القواعد، في رسم خريطة توازنات القوى والقوة الإقليمية والدولية في العالم الجديد، التي يتم تظهيرها وتحديد معالمها.
الثاني: متحول، وهو الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والفشل في تحقيق النتائج التي حددتها واشنطن وتل أبيب للحرب، وما أفرزته هذه التداعيات، من ظهور أزمة مضيق هرمز، وأزمة الطاقة، وسلاسل التوريد العالمية، ويعزز ذلك ما تظهره الخرائط الجيولوجية، من غنى شواطئ شرق المتوسط، وخاصة السورية منها، بالنفط والغاز.
مع هذين العاملين، تتوضح معالم الإجابة على التساؤل، حول سر الانكباب الأمريكي والأوروبي والإقليمي على سورية، لأنها ليست مجرد بلد محدود بجغرافيته، وإنما هي حاجة لكل الدول والقوى المؤثرة إقليميا ودولياً، فهي هدف أمريكي لابد منه، لضمان الهيمنة على السياسات والاقتصاديات العالمية، وهي المحطة الأخيرة لمشروع الحزام والطريق الصيني، وبدونها لا وجود للمشروع، وهي حلم المياه الدافئة لموسكو، وهي المنقذ لأوروبا، من أزمة مضيق هرمز، وتوريدات النفط والغاز، وهي منطقة العبور البديل لمضيق هرمز، لخطوط نقل النفط والغاز الخليجي إلى الأسواق الأوروبية، وهي المرجحة لكفة الدول التي لها مشاريع لتسيد المنطقة، وهي السعودية وتركيا والكيان الإسرائيلي، بالإضافة إلى الإمارات صاحبة المشروع الإبراهيمي، وهي البوصلة لإمكانية استعادة مصر لدورها، ومن يضمن دمشق إلى جانبه، يضمن نجاح مشروعه وطموحاته، وبالإضافة إلى كل ذلك، هي اليوم أهم مشروع استثماري وتنموي، لكل الدول والشركات والمؤسسات الساعية إلى أسواق جديدة، للعمل والاستثمار فيها.
هذه الأهمية الجيوسياسية الفريدة لسورية، توضح أسباب ومبررات هذا الانكباب الإقليمي والدولي عليها، وما قيل من مواقف ومشاريع وطموحات، في نيقوسيا وبروكسل وباريس وجدة وأبو ظبي، وغيرها من عواصم المنطقة والعالم، والتي لخصها قول المبعوث الأمريكي إلى دمشق، توماس باراك “إن سوريا قد تصبح مختبرًا لتحالف إقليمي جديد قائم على الدبلوماسية والتكامل والأمل”.
أحمد رفعت يوسف


















Discussion about this post