
تقدير موقف: عن تصريحات جوناثان بولارد .. وإمكان نشاط جبهات جديدة بعد خبو الراهنة
أدلى جوناثان بولارد قبل أيام بسلسلة من التصريحات لصحيفة” اسرائيل ناشيونال نيوز” كانت إشكالية في العديد منها ، فهو وإن كان قد أقر بتبعية اسرائيل المطلقة للولايات المتحدة ، وفقدانها للسيادة الوطنية أمام الإدارة الأميركية قائلا ” نحن لسنا دولة مستقلة كما يروج قادتنا ، بل نحن مجرد قوة مساعدة تابعة للولايات المتحدة ، وتتحرك في فلكها ” ، لكنه قال أن ” اسرائيل ستضطر لخوض حرب مع تركيا ومصر ، بعد الإنتهاء من إيران وغزة ولبنان” ، وأضاف أن ” العاصفة قادمة بطريقة لم يشهدها العالم من قبل”‘ .
بولارد ليس رجلا عاديا ، بل وليس رجل استخبارات عادي على الرغم من أنه كان قد حمل صفة ” المحلل” في الإستخبارات الأميركية قبيل أن تقوم الأخيرة بإلقاء القبض عليه العام 1985 بتهمة التجسس لصالح اسرائيل ، وهي التهمة التي قضى على خلفيتها نحو ثلاثين عاما في السجون الأميركية ، قبيل أن يفرج عنه ويقرر الإنتقال إلى اسرائيل ، وقد أظهرت التحقيقات أن المنصب الذي شغله في مركز ” الإنذار لمكافحة الإرهاب” التابع للبحرية الأميركية ، كان قد ساعده في الحصول على الكثير من المعلومات التي أضحت بمتناول تل أبيب عبر بولارد ، ومن أبرزها تلك الصور الفضائية لتونس التي ساعدت سلاح الجو الإسرائيلي في تنفيذ عملية” الساق الخشبية” لضرب مقرات ” منظمة التحرير الفلسطينية ” بتونس العام 1986 ، وعلى الرغم من رمي اسرائيل بثقلها وراء قضية اعتقال بولارد إلا أن الأضرار الني ألحقها بالأمن القومي الأميركي كانت كبيرة لدرجة اضطر معها كاسبار واينبرغر ، وزير الدفاع الأميركي آنذاك ، إلى توجيه رسالة للقاضي الذي حكم بولارد ، وجاء فيها أن الأخير ” قد أضر بشكل خطير بالأمن القومي الأميركي ” .
تشي الوقائع والمعطيات بأن الحرب الإفتراضية ، تلك التي أشار إليها جوناثان بولارد ، ما بين اسرائيل من جهة ، وبين كل من تركيا ومصر من جهة أخرى ، إنما تنبع ، أو هي تندرج ، في سياق التهديدات الجيوسياسية التي تمثلها تينك الدولتين بالنسبة للكيان الإسرائيلي ، وعليه فإن عوامل عدة تدعو إلى ترجيح سيناريو ” الحرب الباردة” على سيناريو الإنتقال إلى مرحلة الصدام العسكري ، أو المواجهة المباشرة ، ففي الحالة التركية يشكل غياب التماس الجغرافي بين البلدين عائقا لا يمكن تجاهله ، ثم إن وجود تركيا الفاعل داخل حلف” شمال الأطلسي – الناتو” يمثل هو الآخر قيودا من النوع الكابح لذلك الإنتقال ، ولطالما كان من المؤكد أن تكون لأي صدام تركي – اسرائيلي تداعيات أثقل من أن يحتملها الحلف المثقل أصلا بتوجهات ترامب الساعية إلى تهميش دوره ، وعليه فإن الصراع من المرجح له أن يظل داخل أطر محددة ، كأن يتركز على التنافس القائم بين البلدين في شرق المتوسظ والقرن الإفريقي ، حيث لا يخفى تضارب المصالح القائم ما بين أنقرة وتل أبيب في ملفات من نوع قبرص واليونان ، اللتان تستخدمهما تل أبيب ك” سوار” يحيط بالتمدد التركي ، وكذا التضارب في الملفين السوري والفلسطيني ، وفي غزة على وجه التحديد ، حيث تستثمر أنقرة ما يجري في هذا الأخير لإضعاف الدور الإقليمي الإسرائيلي مع التركيز على ابراز الصورة الهمجية لتل أبيب في تعاطيها مع ملف القطاع .
وفيما يخص مصر ، أو الحرب ضدها ، تسود سيناريوهات في العديد من الأوساط السياسية الإسرائيلية ، من النوع الذي يؤيد فرضية بولارد آنفة الذكر ، إلا أن التصورات التي تطرحها تلك السيناريوهات تظل ضمن إطار ” الحرب الباردة” ، ومن الواضح هنا أن ثمة محاولات لليمين الإسرائيلي تهدف للإستثمار فيها ، والدفع بها لمغادرة حالة البرودة آنفة الذكر ، وفي التقييم تبدو هناك نقاط خلافية عدة يمكن لها أن تساعد هؤلاء في مسعاهم ، من نوع ” محور فلادلفيا” و ” معبر رفح” اللذين تصر تل أبيب من خلالهما على الإحتفاظ بسيطرتها على الحدود مع مصر ، الأمر الذي ترفضه القاهرة ، وتعتبره خرقا لاتفاقيتي ” كامب دفيد” 1978 و 1979 ، إضافة للتعزيزات العسكرية التي تحشد لها مصر في سيناء لتأمين الحدود ومكافحة التهريب ، لكن الفعل من شأنه أن يثير هواجس الأمن الإسرائيلية التي يبدو أن لا سقوف لها ، كما إن عملية “طوفان الأقصى ” التي أطلقتها ” حركة حماس” فجر السابع من تشرين أول 2023 كانت قد استولدت توترا ديبلوماسيا بين الطرفين لدرجة وصول الخطاب السياسي المستخدم من قبلهما إلى حد وصف الطرف الآخر بالعدو ، لكن كل ذلك لا يشكل مدعاة كبرى لتحول الصراع إلى صدام مباشر حيث تظل معاهدة ” كامب ديفيد” حجر الأساس التي يتبناها كلا الطرفين لتأطير علاقاته العسكرية والسياسية مع الآخر ، الراجح هنا هو أن نمط” الحرب الباردة” المعتمد منذ نحو نصف قرن بين الطرفين لن يغادر إلى ” السخونة” ، وفي الغضون تقوم الإستراتيجية الإسرائيلية في هذا السياق على استعراض القوة سبيلا لعدم استخدامها ، بينما تصر مصر على الإلتزام بالضوابط القائمة لكن مع توجيه رسائل ميدانية ذات طابع تحذيري ضد أي اختراق محدود لتلك الضوابط .
كنتيجة : من الصعب ، وفق المعطيات الراهنة ، تصور سيناريو صدام عسكري مباشر ما بين اسرائيل من جهة ، وبين كل من مصر وتركيا على انفراد ، أو مجتمعتين ، من جهة أخرى ، لكن هذا لا يعني أن ذلك قاعدة لا شواذ لها ، فالمتغيرات اليوم باتت متسارعة بدرجة يصبح معها ما كان صحيحا الآن قد لا يكون صحيحا يوم غد ، ثم لا يمكن تجاهل أن الوعي الجمعي الذي يغوص في الذات الإسرائيلية يقوم على أن بلدان الجوار لا تملك تجاهها سوى ” نية الإبادة” ، وما يمنعها( أي ما يمنع تلك البلدان) من أن تنحو بنفسها في ذاك الإتجاه هو ميزان القوى القائم ، وعدم توافر القدرات لتبني هكذا استراتيجية تبدو الدلائل عليها وافرة بدرجة تقطع الشك باليقين .

عبد المنعم علي عيسى
عبد المنعم علي عيسى مواليد اللاذقية ١٩٦٤ . احمل اجازة في الهندسة الزراعية من جامعة اللاذقية . كاتب بالعديد من الصحف والمواقع مثل جريدتي الاخبار والديار اللبنانيتين ومركز البيان للدراسات العراقي وموقع برافدا.



