كتب رياض الفرطوسي

قبل النوم، حين يتسلل الأرق ويمتد الليل ثقيلاً، نرتكب الجريمة الرقمية المعتادة: نفتح الهاتف لنلقي بأنفسنا في النهر الجاري لمنصات التواصل الاجتماعي. نمارس “السباحة الحرة” بلا قارب نجاة بين غابات (X)، دهاليز فيسبوك، وسواحل يوتيوب. لكن السباحة في عالم التعليقات ليست مجرد تسلية عابرة، بل هي نزولٌ لعمق باطن مشوه؛ مواجهة مباشرة مع تجليات نفسية وسياسية واجتماعية وتاريخية مرعبة، تعكس عمق التردي التربوي والأخلاقي الذي وصلنا إليه، وتكشف بوضوح عن عجزنا كشعوب عن دفن معارك عمرها قرون.

كمراقب، لا تهمني المعايير السطحية لعامة القراء، ولا حتى تحليلات النقاد المحترفين. في فضاء النقد الجمالي للنصوص والظواهر، ثمة مقاييس خاصة يفتقدها القارئ غير المتخصص. لا يعنيني المدح غير الواعي الذي يأتي كمجرد تصفيق، ولا القدح التبسيطي الذي ينطلق من تصفية حسابات ضيقة. وقبل أن أتعاطى مع أي نص أو ظاهرة، أخضعها لمعايير جمالية لغوية صارمة تصقلها الخبرة؛ فالقارئ المسيّس والمؤدلج، ببساطة، تقع معاييره بالكامل خارج حدود الجمال والأدب. غالبية العابرين في الفضاء الرقمي ينشغلون بالمضمون السطحي ويتجاهلون اللغة التي كُتب بها، في حين يمكنني شخصياً أن أقرأ نصاً كاملاً أو كتاباً كاملاً شغفاً بجماليات لغته وإيقاعها، بالرغم من خلافي الجذري مع مضامينه الفكرية.

هذه النظرة الجمالية البنيوية تفكك السيرك الرقمي وتكشف حقيقة مذهلة: إن المنصة الرقمية نفسها (فيسبوك، إكس، يوتيوب) تؤثر في هندسة الشتيمة وسلوك المعلق بقدر ما تؤثر خلفيته الثقافية، إن لم يكن أكثر. فالتعليق في “فيسبوك” يختلف في بنيته عن “يوتيوب”، تماماً كما يختلف “إكس” عنهما.

فيسبوك: تحول إلى مسرح للصراع الأيديولوجي والهوياتي الواضح. إنه ساحة تتشكل فيها الجماعات الطائفية والسياسية بملامحها الكاملة وتتصادم بعنف.

يوتيوب: ساحة “الحروب الصغيرة” المباشرة. تعليقاته، وبسبب طول المواد المرئية، تكون أكثر حدة، تفصيلاً، وغضباً.

إكس (تويتر سابقاً): منصة الاستفزاز الموجز والخبر العاجل، حيث الشتيمة مركزة ومكثفة ومقذوفة بسرعة رصاصة في 280 حرفاً.

عند تشريح هذا المشهد نفسياً واجتماعياً، يتضح أن التعليق في فضائنا العربي والعراقي لا يعبر عن رأي شخصي، بل هو آلية دفاع غريزية تحركها عقلية “نحن” ضد “هم” (In-group bias). المنشور قد يكون تافهاً أو علمياً محايداً، لكنه يتحول بلمحة بصر إلى خندق طائفي أو سياسي، حيث تُختزل السياسة في الدين والأخلاق، وتُستحضر المعارك التاريخية التي جرت قبل 1400 عام وكأنها حدثت بالأمس. والويل لمن يحاول التهدئة، إذ يُجرّد فوراً من أهليته الأخلاقية. حتى تلك السخرية التي نراها، ليست سوى “فكاهة سوداء” تُستخدم كاستراتيجية نفسية لتمرير الشتائم والطعن في الأعراض، والنسب، والدين، بهدف ممارسة سلطة وهمية تعوض كبتاً واقعياً.

حين تقارن هذا التردي بما تتابعه في المنصات الغربية والأجنبية، تصاب بصدمة حضارية. التعليقات هناك، ورغم وجود خطاب كراهية منظم وممنهج أحياناً، تمتاز بالعموم بالمرونة، والموضوعية، والوداعة والوضوح. النقاش الغربي مفرغ من شحنات الطائفية الغيبية؛ فالسياسي يُناقش سياسياً بأسلوب علماني مجرد، والشتيمة هناك قد لا تتعدى وصف الخصم بـ “الفاشي” أو “الاشتراكي” عبر استخدام استعارات وميمات بصرية، بينما يظل الحوار حول تفاصيل الحياة اليومية يسير بوجاهة وأدب. نعم، لديهم خطاب كراهية ومشاعر غضب ضد المهاجرين أو الأقليات، لكنه خطاب مؤسساتي يعتمد على الخوف السياسي، وليس انفجاراً تربوياً وأخلاقياً يطال شرف الأمهات والزوجات عند الخلاف على كوب قهوة أو هاتف ذكي.

في الفضاء الغربي، ينام الناس بعد نقاشات حول جودة الحياة ومستقبل التكنولوجيا. أما في فضائنا الرقمي، نغلق هواتفنا قبل النوم وقد خضنا من خلال التعليقات ثلاث معارك طائفية، وحربين قوميتين، ووابلاً من الشتائم البيولوجية العنيفة. لقد تحولت وسائل التواصل لدينا من أدوات اتصال إلى مرايا عاكسة لعقل باطن مأزوم ومحتقن، عقل يهرب من استحقاقات الحاضر وجماليات اللغة والفكر، ليغرق في وحل التشويه المنظم لكل ما هو جميل.

شارك