هل كرة القدم أفيون الشعوب.؟

 

 

كتب رياض الفرطوسي

 

مع انطلاق صافرة المونديال الثالث والعشرين على أراضي أمريكا الشمالية، لا نتابع مجرد حدث رياضي يجمع ثلاث دول، بل نشهد تجسيداً حياً لأضخم “منظومة ناعمة” صُنعت في التاريخ الحديث. إن هذا الشغف الكوني الذي يحبس أنفاس نصف كوكب الأرض ليس مجرد “تسلية” أو ملاحقة عبثية لقطعة من الجلد بين أقدام اثنين وعشرين لاعباً، كما تبدو في عيون غير المهتمين الذين يرونها سريالية تفتقر للمنطق؛ بل هي في عمقها هندسة استراتيجية معقدة، تُدار بعقلية الشركات العابرة للقارات، وتُمثّل مرآة صارخة لكيفية إدارة الصراعات والبناء الحضاري في عالمنا المعاصر.

 

كرة القدم اليوم هي الجغرافيا السياسية والاقتصاد والاجتماع في قالب تسعين دقيقة. المستطيل الأخضر ليس ملعباً، بل هو فضاء استراتيجي يُحاكي إدارة المؤسسات والدول؛ فالمدير الفني الذي يختار تشكيله، ويقيس المساحات, ويتوقع مسارات الخصم، لا يطبق تكتيكاً رياضياً فحسب، بل يمارس “إدارة الأزمات” في أوقات مرنة، ويقود عملية “تحول رقمي وبشري” لحظي لمواجهة المتغيرات. هناك من يؤمن بالفلسفة البراغماتية الصارمة (الفوز بأي ثمن) التي تُعلي من شأن النتيجة على حساب الجمالية، وهناك من يتبنى الفلسفة الهجومية الشاملة التي ترتكز على الابتكار والمخاطرة؛ وهذه الفلسفات ليست سوى انعكاس لمدارس الإدارة الكبرى في العالم، بين المركزية الصارمة والمرونة اللامركزية.

 

هنا يكمن الدرس الحقيقي للأمم التي تتطلع لمواكبة ركب الحضارة والمستقبل: إن كرة القدم تُعلمنا كيف تُبنى الاستراتيجيات وكيف تُدار الموارد البشرية تحت الضغط الشديد. الفارق بين الدول التي تصنع المجد الكروي وتلك التي تقف في طوابير المتفرجين، هو الفارق نفسه بين الدول التي تملك “رؤية مستقبلية” وتلك التي تعيش على الارتجال وردود الأفعال. النجاح على هذا العشب لا يأتي بالصدفة، بل هو نتاج منظومة حوكمة دقيقة، واكتشاف مبكر للمواهب، واستثمار طويل الأجل في البنية التحتية، وقدرة فائقة على مرونة التكتيك أثناء المعركة.

 

إن هذه الساحرة المستديرة لم تعد مجرد لعبة؛ إنها النموذج المصغر لكيفية صياغة القوة، وبناء الهويات، وقياس كفاءة الدول في التنظيم والإنتاج والمنافسة الشرسة. وإذا كانت الأمم تريد فعلاً حجز مقعد لها في قطار المستقبل، فعليها أن تتوقف عن رؤية كرة القدم كأداة ترفيه، وتبدأ في قراءتها ككتاب مفتوح في علم الاستراتيجيا وبناء النهضات.

شارك