
المقاومة وحق السؤال: متى يتحول الدفاع عن الأرض إلى ورقة تفاوض؟ – 2
ليس من السهل في لبنان أن يُطرح سؤال المقاومة بهدوء. فالكلمة نفسها محمّلة بتاريخ طويل من الاحتلال، الاجتياحات، المجازر، القرى المدمرة، الأسرى، الجنوب، الحدود، الذاكرة، والكرامة. لذلك لا يجوز أن يبدأ النقاش من إنكار حق شعب في مقاومة الاحتلال، ولا من السخرية من خوف الناس أو من آلامهم أو من حاجتهم إلى حماية أرضهم. فالمقاومة، في أصلها، ليست تهمة. إنها حق حين تكون في مواجهة احتلال وعدوان. وهي جزء من تاريخ الشعوب التي لم تجد أمامها دولة قادرة أو قانونًا دوليًا فاعلًا أو عدالة رادعة.
لكن الاعتراف بهذا الحق لا يعني إلغاء السؤال. بل ربما العكس هو الصحيح: لأن المقاومة حق خطير وجليل، ولأنها تتصل بحياة الناس وموتهم وبيوتهم ومستقبل أولادهم، يجب أن تكون قابلة للمساءلة الوطنية. فالحق الذي لا يُسأل عن هدفه وكلفته وحدوده ومن يقرره قد يتحول، بمرور الوقت، من وسيلة لحماية المجتمع إلى سلطة فوق المجتمع. ومن أداة دفاع عن الأرض إلى ورقة في تفاوض لا يملكه أصحاب الأرض.
هنا تقع المسألة اللبنانية اليوم. فلبنان لا يعيش نقاشًا نظريًا حول المقاومة في الكتب، بل يعيش سؤالًا يوميًا تحت النار: من يقرر فتح الجبهة؟ من يقرر وقفها؟ من يحدد سقف التصعيد؟ من يحسب كلفة النزوح والدمار؟ من يعوض الناس؟ من يفاوض باسمهم؟ ومن يقبض الثمن السياسي إذا تحولت الجبهة إلى جزء من مساومة إقليمية أوسع؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من حق مقاومة الاحتلال. لكنها ترفض أن يتحول هذا الحق إلى صك مفتوح يسمح بتعليق الدولة، ومصادرة القرار، وتحويل المجتمع إلى احتياطي دائم للحرب. فالاحتلال الإسرائيلي عدوان قائم ومستمر، ولا يجوز تبرئته أو تلطيف صورته. لكن وجود العدوان لا يلغي ضرورة سؤال الداخل اللبناني عن الطريقة التي تُدار بها مواجهته. فبين الاستسلام للاحتلال، وبين حرب مفتوحة لا يقررها اللبنانيون، توجد مساحة وطنية واسعة يجب الدفاع عنها.
المشكلة أن هذه المساحة تكاد تختنق في لبنان بين خطابين متقابلين. خطاب يعتبر أي سؤال حول المقاومة خيانة أو خدمة للعدو. وخطاب آخر يريد أن يلغي تاريخ العدوان الإسرائيلي وأن يتعامل مع المقاومة كأنها وُلدت من فراغ أو من رغبة ذاتية في السلاح . كلا الخطابين قاصر . الأول يلغي المجتمع باسم المقاومة. والثاني يلغي الاحتلال باسم الدولة. أما الموقف الوطني الصعب فهو أن نقول الأمرين معًا: نعم، مقاومة الاحتلال حق. ونعم، لا يحق لأي قوة أن تحتكر قرار الحرب والسلم خارج الدولة والمجتمع.
هذا التمييز هو جوهر النقاش . فالحق في المقاومة شيء، ووظيفة الجبهة شيء آخر. حين تكون المقاومة دفاعًا مباشرًا عن أرض محتلة أو صدًا لعدوان أو حماية للناس، تكون جزءًا من معنى التحرر الوطني . أما حين تتحول الجبهة إلى ورقة ضمن تفاوض أميركي ـ إيراني حول هرمز والعقوبات واليورانيوم والنفوذ الإقليمي ، يصبح من حق اللبنانيين أن يسألوا : هل نحن أمام مقاومة وطنية تخدم لبنان ، أم أمام كلفة لبنانية صافية لتحسين شروط طرف إقليمي؟
ولا يغيّر من جدية السؤال أن هذا الطرف الإقليمي يرفع شعار مواجهة الهيمنة الأميركية أو إسرائيل. فالشعارات الكبرى لا تكفي وحدها لتحديد المصلحة الوطنية . قد تكون إيران في مواجهة حقيقية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد تكون واقعة تحت ضغط وحصار وتهديد ، لكن ذلك لا يمنحها حق تحويل لبنان إلى خط دفاع متقدم عن شروطها التفاوضية ، فمن حق إيران أن تدافع عن مصالحها كما تراها ، لكن ليس من حق أي دولة، صديقة كانت أم حليفة أم داعمة ، أن تجعل شعبًا آخر يدفع من أرضه وبيوته واقتصاده ثمن معادلات لا يقررها.
في لحظة التفاوض الأميركي ـ الإيراني، يصبح السؤال اللبناني أكثر إلحاحًا ، فإذا كان التفاوض يدور حول وقف نار مؤقت، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، والبرنامج النووي، والعقوبات، والأموال المجمدة، فإن لبنان ليس طرفًا مباشرًا في هذه الطاولة ، لا يجلس ممثل لبناني ليقول ما ثمن بيوت الجنوب، ولا ما معنى تفريغ القرى، ولا ما حدود قدرة الدولة على الإغاثة، ولا ما سيحدث للاقتصاد والزراعة والمدارس والناس إذا طال الاستنزاف ، ومع ذلك ، قد تتحول الجبهة اللبنانية إلى رسالة من الرسائل ، أو ضغط من الضغوط ، أو ورقة من أوراق تحسين الموقع التفاوضي.
هنا تصبح الكلفة لبنانية، بينما العائد السياسي غير لبناني ، هذه هي المعادلة الأخطر ، فالجنوب يُقصف في لبنان، والناس تنزح في لبنان، والاقتصاد يتضرر في لبنان، والدولة تزداد عجزًا في لبنان، لكن المكسب التفاوضي، إذا حصل، قد يُصرف في ملف آخر: في هرمز، أو في العقوبات، أو في النووي، أو في ميزان النفوذ بين واشنطن وطهران. لا يعود السؤال إذًا عن الشجاعة أو التضحية، بل عن العدالة السياسية في توزيع الكلفة والعائد. من يدفع؟ ومن يقرر؟ ومن يستفيد؟
ولأن لبنان بلد هش، فإن هذه الأسئلة تصبح أكثر قسوة . فدولة قوية قد تستطيع أن تتحمل كلفة مواجهة طويلة، وأن تنظم المجتمع، وأن تؤمن الإغاثة ، وأن تفاوض ، وأن تبني ، وأن تعوّض ، أما لبنان ، فهو بلد خرج من انهيار مالي غير مسبوق ، ومن تفكك مؤسساتي ، ومن ضياع ودائع الناس ، ومن عجز كهربائي ، ومن فقر واسع ، ومن هجرة كفاءات ، ومن تراجع قدرة الدولة على القيام بأبسط واجباتها ، لذلك فإن كل يوم حرب لا يضاف إلى رصيد قوة الدولة، بل إلى رصيد انكشاف المجتمع.
ليس صحيحًا أن الناس لا تحتمل الحرب لأنها ضعيفة الوطنية ، الناس لا تحتمل الحرب لأنها تُترك غالبًا وحدها بعدها ، فالبيت الذي يدمّر لا يعود بشعار ،و المدرسة التي تقفل لا تفتحها خطبة ،و الحقل الذي يحترق لا تعوّضه صورة شهيد ، كما النزوح لا يصبح أقل ألمًا لأنه جرى باسم قضية كبرى. الوطنية الحقيقية لا تطلب من الناس أن يخسروا كل شيء ثم تمنعهم من السؤال . الوطنية الحقيقية تحمي حق الناس في الدفاع عن أرضهم ، وتحمي في الوقت نفسه حقهم في الحياة، والعودة، والتعويض، والقرار.
من هنا يجب إعادة تعريف العلاقة بين المقاومة والدولة، فليست الدولة نقيضًا للمقاومة بالضرورة ، وليست المقاومة بديلًا دائمًا عن الدولة. في لحظات ضعف الدولة ووجود الاحتلال، قد تنشأ مقاومة خارج المؤسسات ، لكن استمرار هذا الوضع لعقود يحوّل الاستثناء إلى نظام ، والنظام الموازي إلى سلطة، والسلطة إلى قرار فوقي ، وعندها لا تعود المشكلة فقط في السلاح ، بل في البنية السياسية التي تجعل الدولة عاجزة عن السؤال ، والمجتمع عاجزًا عن المحاسبة ، والناس عاجزين عن معرفة إلى أين يذهبون.
الدولة المطلوبة ليست دولة شكلية تطلب من الناس التخلي عن وسائل دفاعهم ثم تتركهم عراة أمام العدوان. وليست دولة خطابية تستدعي السيادة فقط عندما تريد نزع سلاح خصم داخلي ، الدولة المطلوبة هي دولة قادرة على حماية الأرض والناس، وعلى وضع استراتيجية دفاعية واضحة، وعلى التفاوض، وعلى تحمل المسؤولية، وعلى منع أي طرف من تحويل لبنان إلى منصة رسائل إقليمية. لا يمكن أن نستبدل مقاومة بلا دولة بدولة بلا قدرة ، المطلوب معادلة ثالثة : مقاومة الاحتلال ضمن مشروع وطني، وقرار دفاعي لا ينفصل عن سيادة الدولة وحقوق المجتمع.
هذه المعادلة الثالثة هي الأصعب، لكنها الوحيدة التي تنقذ معنى المقاومة من الاستنزاف ومعنى الدولة من الفراغ ، فلا مقاومة وطنية من دون شعب يستطيع أن يسأل ، ولا دولة ذات سيادة من دون قدرة على حماية حدودها ، ولا تحرير حقيقي إذا بقي القرار موزعًا بين عدو يحتل، وحليف يفاوض، ودولة تتفرج، ومجتمع يدفع.
قد يقول البعض إن زمن الحرب لا يسمح بهذه الأسئلة ، لكن العكس هو الصحيح ، زمن الحرب هو الزمن الذي يجب أن تُطرح فيه الأسئلة، لأن الكلفة لا تُدفع بعد انتهاء النقاش بل أثناءه ، كل بيت يسقط ، كل عائلة تنزح ، كل موسم يضيع ، كل طفل يترك مدرسته ، كل قرية تتحول إلى منطقة خوف ، هو جزء من الجواب الذي لا يجوز تأجيله ، وإذا لم يُسأل السؤال في لحظة القرار، فلن ينفع طرحه بعد أن يصبح الخراب أمرًا واقعًا.
المقاومة التي تخاف من سؤال مجتمعها تضعف نفسها ، والمجتمع الذي يخاف من سؤال مقاومته يفقد مواطنيته ، والدولة التي تخاف من الاثنين معًا تفقد معناها. لذلك يجب نقل النقاش من التخوين إلى السياسة، ومن الشعار إلى المسؤولية ، ومن تمجيد الكلفة إلى حسابها ، ومن احتكار القرار إلى المشاركة الوطنية.
لبنان لا يستطيع أن يختار بين الاحتلال والفوضى ، ولا بين الاستسلام والحرب الدائمة . ولا بين دولة عاجزة ومقاومة غير قابلة للمساءلة ، هذه كلها خيارات مميتة ، الخيار الوطني الحقيقي هو أن يُعاد وصل حق المقاومة بحق الدولة، وحق الدولة بحق الناس، وحق الناس بحق السؤال . فحين ينفصل أحد هذه الحقوق عن الآخر، يولد الخلل. مقاومة بلا دولة قد تتحول إلى قرار خارج المجتمع. ودولة بلا مقاومة أو قدرة دفاعية قد تتحول إلى إدارة عجز ، ومجتمع بلا سؤال يتحول إلى جمهور يُطلب منه التصفيق للأثمان التي يدفعها.
لهذا، فإن السؤال المركزي ليس: هل نؤيد المقاومة أم نرفضها؟ السؤال الأعمق هو: أي مقاومة؟ ولأي هدف؟ وتحت أي قرار؟ وبأي كلفة؟ ولمصلحة من؟ وهل تقود إلى تحرير الأرض وبناء الدولة، أم إلى إدارة استنزاف مفتوح؟ هل تجعل لبنان أقوى، أم تجعله أكثر هشاشة؟ هل تحمي الجنوب، أم تحوله إلى حزام تضحية دائم؟ هل تعيد القرار إلى اللبنانيين، أم تنقله إلى طاولات تفاوض لا يملكون مقاعد فيها؟
في النهاية، لا يصبح الدفاع عن الأرض ورقة تفاوض إلا عندما يُنتزع من المجتمع حقه في القرار ، ولا تتحول المقاومة من حق إلى مشكلة إلا عندما ينفصل سلاحها عن مشروع وطني جامع ، وعن دولة عادلة ، وعن مساءلة شعبية ، وعن أفق واضح ، أما إذا بقيت المقاومة دفاعًا عن الأرض والناس، ضمن قرار وطني معروف، وكلفة محسوبة، وأفق سياسي لبناني، فإنها تبقى جزءًا من التحرر لا بديلًا عنه.
لبنان يحتاج اليوم إلى شجاعة مزدوجة : شجاعة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وشجاعة في مواجهة مصادرة القرار الوطني باسم مواجهة الاحتلال ، فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تستسلم لعدوها، لكنه لا يرحم أيضًا الشعوب التي تقبل أن تُستخدم باسم قضايا كبرى من دون أن تسأل عن مصيرها ، وبين الخضوع للخارج والذوبان في مشاريع الآخرين، يجب أن يولد معنى جديد للمقاومة: مقاومة تحمي الأرض، وتحترم الناس، وتعود إلى الدولة، ولا تسمح بأن يكون لبنان مجرد ورقة في تفاوض الآخرين.
د. بيير عصمت



