بين الحرب الإقليمية الدائرة حالياً والانقسام اللبناني الداخلي، هل دخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة رسم التحالفات من جديد؟

كتب إسماعيل النجار،

 

بين الحرب الإقليمية الدائرة حالياً والانقسام اللبناني الداخلي،

هل دخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة رسم التحالفات من جديد؟

 

في لحظة تعيش منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ عقود، في ظل التصعيد العسكري المتواصل بين إسرائيل وإيران، وما يرافقه من اصطفافات سياسية وإعلامية تكشف حجم الانقسامات الداخلية في العديد من الدول، وفي مقدمتها لبنان.

فكلما اتسعت رقعة المواجهة بين أطراف الصراع، ازدادت المخاوف من أن تتحول المنطقة بكاملها إلى ساحة حرب شاملة قد تتجاوز حدود الدول المنخرطة مباشرة في هذا الصراع، لتطال دولاً أخرى في الخليج العربي، بما يحمله ذلك من تداعيات أمنية واقتصادية وسياسية يصعب تقدير حجمها وامتداداتها.

في لبنان، يبدو المشهد أكثر تعقيداً. فقد أعادت التطورات الأخيرة فتح الجدل حول طبيعة المواقف الرسمية من الصراع الدائر، وحول موقع لبنان السياسي بين محورين متصارعين. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الخطاب الرسمي اللبناني في جميع المناسبات أصبحت أكثر تشدداً تجاه إيران وحلفائها، مقابل غياب مواقف مماثلة تجاه العدوان الإسرائيلي المدمر الذي يتعرض له لبنان منذ ثلاث سنوات لغاية اليوم، وهو ما اعتبره فريق المقاومة دليلاً على خلل في مقاربة السلطة لأولوياتها الوطنية والذهاب نحو الخيانة للدستور والوطن.

كما يذهب هذا الرأي إلى اعتبار أن القوى السياسية التي تتصدر المشهد الحكومي اليوم، ومن بينها رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، إضافة إلى قوى سياسية أخرى لها إرتباطات عميقة وقديمة مع الصهاينة، قد ابتعدت عن نهج التوافق الوطني، الأمر الذي أدى إلى تعميق الانقسام الداخلي وارتفاع لهجة التحدي بين جميع الأطراف، وإضعاف فرص بناء رؤية جامعة لمعالجة الأزمات اللبنانية المتراكمة. ويبقى هذا التقييم موضع خلاف بين القوى السياسية اللبنانية، إذ تطرح أطراف أخرى قراءة مختلفة لهذه السياسات وأهدافها.

وفي المقابل، ينظر أنصار محور المقاومة إلى إيران باعتبارها الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي واجهت الولايات المتحدة وإسرائيل بصورة مباشرة وهذا للتاريخ حيث لم تتجرأ دولة عربية أو إسلامية على القيام به، معتبرين أن طهران استطاعت فرض معادلات ردع جديدة، وأظهرت قدرة على تحدي قوتين تُعدآن من بين الدُوَل الأقوى عالمياً، الأمر الذي يرونه تحولاً استراتيجياً في ميزان القوى الإقليمي.

كما يعتبر هؤلاء أن الأداء الإيراني خلال المواجهة الأخيرة كشف عن قدرة على إدارة الصراع بثقة، في مقابل ارتباك لدى خصومها، ويرون أن الدعم الأميركي لإسرائيل، سواء سياسياً أو لوجستياً، يؤكد عمق الشراكة بين الطرفين، ويجعل من الصعب الفصل بين القرارين الأميركي والإسرائيلي في إدارة العمليات العسكرية.

وفي الداخل اللبناني، يزداد الاستقطاب يوماً بعد يوم، حتى بات الخطاب السياسي يعكس انقساماً حاداً بين من يدعو إلى الانفتاح والتطبيع مع إسرائيل تحت عنوان السلام وبدنا نسكَر بتل أبيب، وبين من يعتبر أن الأولوية يجب أن تبقى لمواجهة الاحتلال ودعم خيار المقاومة.

هذا الانقسام يهدد، في نظر كثيرين، ما تبقى من مساحات الحوار الوطني، ويجعل الوصول إلى تفاهم داخلي أكثر صعوبة في ظل الظروف الإقليمية الحالية.

وفي المحصلة، فإن المنطقة تقف أمام مرحلة مفصلية قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات السياسية والعسكرية. وبينما يرى فريق المقاومة أن إيران تحقق تقدماً في فرض معادلات جديدة، يرى آخرون من أنصار إسرائيل أن الصراع ما زال مفتوحاً على احتمالات عديدة يصعب حسم نتائجها مسبقاً. لذلك فإن لبنان، سيبقى الأكثر عُرضة لتداعيات هذا الاشتباك الإقليمي، في ظل انقسام داخلي حاد وأزمة سياسية واقتصادية تجعل أي تطور خارجي قابلاً للانعكاس سريعاً على واقعه الداخلي.

الأيام القادمة تحمل في طياتها مفاجئات فلننتظر.

 

شارك