أزمة المَورِد الأخلاقي: في ضرورة تربية من يربّون

أزمة المَورِد الأخلاقي: في ضرورة تربية من يربّون

بقلم / نعمة حسن

ربّوا الآباء قبل الأبناء.. حين ضاعت البوصلة من يد الأسرة٤

“ليس اليتيمُ من انتهى أبواه من همِّ الحياةِ وخلّفاهُ ذليلاً.. إن اليتيمَ هو الذي تلقى لهُ أماً تخلّت أو أباً مشغولاً.”

في زمنٍ تهاوت فيه القلاع الأخلاقية أمام زحف الشاشات الزرقاء، وذاب فيه٤ الحياء البشري في ضجيج “الاستعراض الرقمي”، لم يعد السؤال الوجودي الأكثر خطورة هو: كيف نُربي أبناءنا؟ بل إن السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة وإلحاح: مَن يُعيد تربية الآباء والأمهات؟

إننا نشهد اليوم تحولاً بنيوياً مرعباً؛ حيث وُلدت أجيال من الأمهات انبتت صلتُهن بجذور الوقار والعمق التي ميزت أمهات الأمس، ونبتت أجيال من الآباء لا يفهمون من “القوامة والرجولة” إلا نبرة الصوت الصاخبة، أو الوجاهة الاجتماعية الزائفة. بين أمٍّ تلهث في مضمار الموضة السطحية واللهاث خلف التقييم الافتراضي، وأبٍ غارقٍ في نرجسيته وسعيه نحو المظاهر، أُلقي بالأبناء في تيهٍ سحيق.. جيلٌ أول لم ينضج، وجيلٌ ثانٍ لم يجد من يحتويه.

أولاً: كُسوف الأمومة.. حين ينطفئ المصباح الإنساني الأول

كانت الأمّ -ولا تزال في فلسفة الوجود- هي “الرحِم الثقافي والأخلاقي” الأول الذي يتشرب منه الطفل معاني الرحمة، والتهذيب، والاتزان النفسي. وكما يقول الفيلسوف الألماني غوته: “المرأة هي الأداة الوحيدة التي تصوغ أخلاق المجتمع”.

لكن، ماذا يحدث حين ينطفئ هذا المصباح؟ حين تفقد الأم أدوات الذوق الرفيع، وتستبدل جلال الأمومة بابتذال السطحية، يتحول البيت من “محراب للسكينة” إلى مسرح صاخب بلا وعي، وجسد بارد بلا قلب.

كيف لامرأة تقضي جلّ ردحها في غياهب “السوشيال ميديا”، تقتات على لقطات الإعجاب السريعة، أن تصنع طفلاً يعرف كبرياء الصدق وعزيمة الانضباط؟ كيف لوعيٍ تآكلت قِيَمه أن يغرس في نفس وليده جذور الإيمان والمهابة؟

لقد آن الأوان أن ندرك أن الأمومة ليست وظيفة بيولوجية، بل هي أهلية معرفية وأخلاقية. يجب أن تُربّى المرأة على الوعي بقدسية الدور قبل أن تُمنح اللقب؛ فالتربية ليست لوجستيات طعام وكساء، بل هي صناعة إنسان.

ثانياً: غياب الأبوة الحاضرة.. ومأساة “القدوة العاجزة”

إن الرجولة في جوهرها الأصيل ليست استعراضاً للقوة ولا صراخاً في الفراغ، بل هي مسؤولية، وحكمة، وقيادة بالقدوة. تتجلى مأساتنا المعاصرة في أن الكثير من الآباء يطالبون بـ “أبناء عظام”، في حين أنهم هم أنفسهم لم يمارسوا العظمة يوماً في سلوكهم اليومي.

كيف يستقيم الظل والعود أعوج؟ يريد الأب من ابنه أن يكون قائداً منضبطاً، وهو نفسه أسير لعشوائيته ونزواته. يطالب ابنه بالاحترام، وهو يهدم قيم الاحترام بوعي أو بدون وعي في تعامله مع زوجته، ومع وقته، ومع ذاته.

“لا توصِ ابنك بالفضيلة، بل ارسمها أمامه بسلوكك.”

— جان جاك روسو

إن العجز عن تربية الذات يُسقط حق الأب في توجيه الآخرين. فكيف يزرع في ابنه ما لم يحرثه في وجدانه أولاً؟ لقد انحدر الكبار، فصمَتت القدوة، وتَاه الصغار.

ثالثاً: مجتمع المظاهر الصاخب.. واغتراب الروح الأسرية

لقد تبدلت السيكولوجية الأسرية بالكامل، وهُرعت الأولويات إلى الهامش. تحول اهتمام الأبناء والبنات إلى ثقافة الاستهلاك المحض: “الرفاق، الخروجات، العلامات التجارية الفاخرة، والمطاعم العصرية”. تحولت “اللمة العائلية” -التي كانت يوماً بمثابة الحصن الروحي والنفسي- إلى عبء ثقيل يفر منه الجميع.

في الماضي القريب، كانت “مائدة الطعام” أقدس مساحة في البيت؛ حيث تلتقي الأعين، وتتشابك الحكايات، وتُرمم الشروخ النفسية. أما اليوم، فالكراسي مهجورة، أو مشغولة بأجساد مغتربة، يأكل كل فرد بمفرده وعينه شاخصة في شاشته، في صمتٍ بارد ومخيف.

لقد استبدلنا الدفء العائلي بالسطحية، والعزة القِيَمية بالتقليد الأعمى للموجات العابرة. إنها ليست أزمة فجوة أجيال أو اختلاف أذواق، بل هي أزمة هوية متآكلة وانحدار قِيَمي منظم.

رابعاً: وعيُ الكبار.. شرطُ يقظة الأمم

إن النهضة التي ننشدها لا تتطلب مجرد جيل يحمل شهادات أكاديمية ويتقن القراءة والكتابة الرقمية، بل نحتاج إلى جيل يملك “الأدب الوجداني” والضمير الحي الذي يحترم الكلمة والمبدأ. وهذا لن يتحقق إلا إذا تيقنا أن التربية مسؤوليّة تبدأ من الأعلى إلى الأسفل.

لن تستيقظ الأمة حتى نُعيد تعريف الأدوار:

أن تفهم الأم أن قياس نجاحها هو عمق وعي أطفالها، لا بريق مظهرها.

أن يعلم الأب أن الرجولة حماية واحتواء وتربية بالعمل لا بالقول.

أن يدرك الشباب والفتيات أن التميز يكمن في أصالة الجوهر لا في مجاراة القطيع.

حينها فقط، سينبت جيل صلب، لا يخجل من التمسك بالخلق الرفيع، ولا يساوم على ثوابته تحت وطأة الضغوط.

ودعوتي هنا وبصوت عالي : أعيدوا صياغة الوعي.. من المنبع

“إذا أردت أن تهدم أمّة، فابدأ بهدم الأسرة، وتغييب الأم، وإسقاط القدوة.”

 

وهنا، أضع قلمي لأدق ناقوس الخطر: أعيدوا تربية مَن يُربّون.

قبل أن نشيّد المدارس والجامعات للأبناء، علينا أن نبني “وعي الآباء”. وقبل أن نطالب الطفل بأن يكون مهذباً، علينا أن نُعيد للبيوت وقارها وحياءها المستلب. فالأمم والمدنيات العظمى لا تسقط حين تنبض اقتصادياتها بالضعف، بل تسقط وتتلاشى حين تتآكل منظومتها الأخلاقية والقيمية في صمتٍ مريب ومخزٍ.

ربّوا الأمهات قبل أن يُصبحن أمهات.

وربّوا الآباء قبل أن يُنجبوا أبناء.

عندها فقط، وعندها حصراً.. سيعود للأخلاق وطنٌ يحميها، وللأوطان أخلاقٌ تبنيها.

وهنا لا أخجل ابدا عزيزي القاريء أن اردد كلمات عشنا عمرنا كله نسمعها ونرددها وسأظل ارددها وسيرددها من بعدي كل كاتب أراد النهوض بوطنه ورفع جرس الإنذار في وجه كل من اغفل عينه عن خطر قرب من مجتمعه وأهله ووطنه

سأردد دائماً..

وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ ** فَإِنْ هُمُو ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا

وساردد ايضاً ..

«الأمُ مدرسةٌ إذا أعددتها.. أعددتَ شعباً طيبَ الأعراقِ

حفظ الله اوطاننا وحفظكم جميعاً .

مع تحياتي ..

نعمة حسن

شارك