
مجموعة بريكس
(27)
مجموعة بريكس
حسين راغب
رئيس حزب الإصلاح الوطني
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
2025
* تعريف مجموعة بريكس (النشأة)
في عام 2001 صاغ رئيس مجموعة (جولدمان ساكس) جيم أونيل مصطلح (بريك Bric) لوصف مجموعة الاقتصادات الصاعدة المكونة من البرازيل وروسيا والهند والصين والتي أصبحت تدريجياً قاطرة النمو الاقتصادي العالمي، وبمرور السنوات أدى الصعود الاقتصادي المتزايد لهذه الدول إلى شيوع المصطلح.
* تشكل مجموعة (البريكس) الانطلاقة الأولى لتغيير الأنماط القديمة في ممارسة السياسة المالية العالمية، وبالرجوع إلى الترتيب الزمني التاريخي، نجد أن المفاوضات بشأن تشكيل مجموعة (بريك) بدأت عام 2006 ثم في تموز عام 2008 عُقِدَ أول لقاء على مستوى زعماء دول مجموعة البريكس في جزيرة (هوكايدو) اليابانية وشارك في هذه القمة كل من رؤساء (روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية، البرازيل، رئيس وزراء الهند)، واتفق الرؤساء على مواصلة التنسيق في القضايا الاقتصادية العالمية بما فيها التعاون في المجال الاقتصادي وحل المسألة الغذائية.
شكل من أشكال التكتلات الاقتصادية الدولية والتي توفر عدداً من المزايا:
مزايا التكتلات الاقتصادية الدولة:
ـ توسيع حجم السوق والتبادلات التجارية وتصريف المنتجات الوطنية وما يستتبعه من نمو الطلب على رؤوس أموال الأعضاء في التكتل الاقتصادي ومنتجاتها.
ـ زيادة الإنتاج وتحقيق الوفورات من الإنتاج الكبير وإقامة صناعات جيدة ذات مردود اقتصادي.
ـ تحسين التخصص وتقسيم الغلة بين الدول الأعضاء، بحيث تستطيع كل دولة عضو أن تتخصص في إنتاج سلعة أو سلع، وتتمتع في إنتاجها بمزايا نسبية أكبر من غيرها من الدول الأخرى داخل التكتل الاقتصادي.
ـ تنويع فرص استغلال الموارد وإمكانية تسويقها تجارياً بشروط ملائمة في ميادين الإنتاج المختلفة.
ـ تيسير الاستفادة من مهارات الفنيين والأيدي العاملة بصورة أفضل وعلى نطاق واسع وتبادلها بشروط ميسرة.
ـ تسهيل شروط التبادل والتسويق والمنافسة في الأسواق المحلية والعالمية وتعزيز القدرة على التفاوض مع الأطراف الدولية الأخرى.
ـ زيادة معدل النمو الاقتصادي نتيجة تشجيع حوافز الاستثمارات واتساع نطاق السوق وسهولة تنقل رؤوس الأموال وشروط توظيفها وزيادة التخصص في تقسيم العمل والإنتاج.
* أهداف كبرى تحققها البريكس للدول الأعضاء:
ـ يهدف البريكس إلى تعزيز التبادل التجاري والاستثمارات بين الدول الأعضاء.
ـ يعمل على تعزيز الشفافية وتنسيق المواقف في المنتديات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجموعة العشرين.
ـ إنشاء البنك الجديد للتنمية كان جزءاً من البريكس، بهدف توفير تمويل لمشاريع التنمية الاقتصادية والبنية التحتية في الدول الأعضاء.
ـ يُعد البريكس منبراً قوياً للدول الناشئة للتعبير عن مصالحها ومواقفها في المنتديات الدولية.
ـ تعزيز القوة الاقتصادية خاصة أن البريكس يجمع بين اقتصادات كبيرة ونامية.
ـ يهدف أيضاً لتحقيق التنمية المستدامة والشاملة في الدول الأعضاء.
ـ يعزز البريكس التعاون (الجنوب ـ جنوب) ويسعى لتعزيز التوازن الاقتصادي العالمي وتعزيز المصالح العامة الدولية.
ـ تعزيز العلاقات الثقافية بين الدول الأعضاء ومع الدول والمنظمات الأخرى.
ـ تعزيز الأمن والاستقرار العالمي، ذلك من خلال التعاون في مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن السيبراني والتعاون الدفاعي.
خصائص مجموعة البركس:
1 ـ عموماً تختلف مجموعة البريكس بشكل كبير عن بقية أشكال التجمعات والتحالفات التي شهدتها الساحة الدولية من قبل، حيث لا يوجد رابط مشترك بين الدول الخمس سواء كان سياسياً أو اقتصادياً أو ثقافياً أو غيره، كما أنه لا يربطها رابط جغرافي أو إقليمي بل تأتي من أربع قارات مختلفة، كما أن هناك تبايناً واضحاً في درجات نموّها الاقتصادي ومستوياتها الإنتاجية وحتى المواقف السياسية بينها متباينة بشكل نسبي.
2 ـ إن بريكس تمثل في الحقيقة جزءاً من ظاهرة عالمية أوسع، وهي صعود (المجموعات الدولية) التي أصبحت إحدى الظواهر الأساسية المميزة لنظام ما بعد الحرب الباردة، حيث يضاف إلى بريكس التي عقدت قمتها الأولى في حزيران 2009 (مجموعة العشرين G20) التي بدأت عملها على المستوى الوزاري في كانون الأول 1999 ثم تحولت إلى مستوى القمة بدءاً من تشرين الثاني 2008، هذه الظاهرة تمثل إلى حد كبير انقطاعاً مع نمط المؤسسة الاقتصادية الدولية التي تطورت عقب الحرب العالمية الثانية والتي شكلت أطراً أساسية لإدارة التفاعلات والسياسات العالمية خلال فترة الحرب الباردة بدءاً من صندوق النقد والبنك الدوليين ثم منظمة التجارة العالمية فضلاً عن مجموعة السبع الصناعية، وموجة الترتيبات الإقليمية التقليدية أو ما عُرف بالموجة الأولى من الإقليمية.
3 ـ ارتبط بظهور بريكس تحول آخر مهم تمثل في السعي إلى إنهاء حالة المركزية وتغيير نمط الحوكمة الاقتصادية، إذ ظلت المركزية وضعف الحوكمة واحدة من السمات الأساسية للنظام الاقتصادي العالمي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية استناداً إلى مؤسسات بريتون وودز ممثلة في صندوق النقد والبنك الدوليين، وقد تكرست هذه الظاهرة مع تأسيس مجموعة السبع الصناعية التي عبرت عن مركزية إدارة النظام الاقتصادي العالمي.
أصبحت مجموعة (بريكس) أحد أهم التكتلات الاقتصادية في العالم نظراً لأرقام النمو التي باتت تحققها دول هذا التكتل مع توالي السنوات، مما جعلها محط اهتمام عدد من الدول التي ترغب في الانضمام إلى التكتل، تهدف المجموعة إلى أن تصبح قوة اقتصادية عالمية قادرة على منافسة مجموعة السبع G7 وهذا ما أثبتته الإحصائيات عن مجموعة بريكس والتي تكشف عن تفوقها على دول مجموعة السبع، فقد وصلت مساهمة مجموعة بريكس في الاقتصاد العالمي إلى 31,5% بينما وقفت مساهمة مجموعة السبع عند 30,7% وهناك توقعات أن اقتصادات هذه الدول ستهيمن مجتمعة على الاقتصاد العالمي بحلول عام 2050.
صدرت دول بريكس عام 2020 ما قيمته 3,3 تريليون دولار من السلع 2,6 تريليون دولار منها صدرتها الصين وحدها، وتصدر المجموعة ما يعادل 16% من مجمل الصادرات العالمية، كما تستورد 17% من مجمل الواردات في العالم. ومنذ تأسيسها تشهد اقتصادات بريكس نمواً مضطرداً ويتنبأ محللون ببلوغها نسبة نمو 40% بحلول 2025.
* وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي فإن الناتج المحلي الإجمالي لدول مجموعة بريكس يمثل 28,3% من الاقتصاد العالمي في العام 2023 وذلك بعد موافقة التكتل على توسيع عضويته.
كانت نسبة مساهمة مجموعة بريكس في الاقتصاد العالمي 25,6% لترتفع إلى 28,8% بعد انضمام الأعضاء الجدد.
كما أن دول المجموعة تسيطر على 20% من التجارة العالمية وفق بيانات منظمة التجارة العالمية.
مجموعة بريكس بلس:
1 ـ تضمنت مجموعة البريكس الأصلية البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، وفي القمة التي عقدت في آب الماضي 2023 دعت الكتلة التي تقودها بكين وموسكو 8 دول للانضمام،
2 ـ في 1 كانون الثاني 2024 في اليوم الأول من العام الجدي انضمت رسمياً إلى مجموعة البريكس بعد أن وجهت المجموعة في آب 2023 الدعوة إلى 6 دول للانضمام لعضويتها بدءاً من كانون الثاني 2024 وهي مصر والسعودية والإمارات وإيران والأرجنتين وإثيوبيا.
وكانت الأرجنتين وحدها هي التي رفضت الدعوة بعد أن تراجع الرئيس الجديد (خافيير مايلي) الذي تولى منصبه في شهر كانون الأول 2023 عن طلب العضوية الذي تقدم به سلفه معللاً ذلك بأن السياسة الخارجية لحكومته الجديدة تختلف في نواحٍ كثيرة عن سياسة الحكومة السابقة، وتتيح توسعة المجموعة على ذلك النحو بعد انضمام الدول الخمسة ليصبحوا أعضاء في بريكس قوة دفع هائلة للمجموعة التي تسعى لإحداث التوازن على الصعيد الاقتصادي وتنافس مجموعة السبع لا سيما بالنظر إلى ما تزخر به الدول الجديدة من مقومات.
3 ـ ثمة حوافز عدة لانضمام السعودية والإمارات العربية إلى مجموعة بريكس الموسعة، أولها الحاجة الملموسة إلى إعادة إرساء التوازن والتحوط في اصطفافاتهما الاقتصادية والجيوسياسية في بيئة عالمية تشهد تحولات سريعة، ففي أعقاب أفول نظام بريتون وودز في سبعينيات القرن العشرين دُفعت السعودية وغيرها من البلدان المصدّرة للنفط في الشرق الأوسط إلى تعزيز السيطرة المستمرة للدولار الأمريكي بوصفه عملة الاحتياطي العالمي والعملة المفضلة للتجارة الدولية واقتضى ذلك ربط عملات هذه البلدان بالدولار وإعادة توجيه الفوائض التي حققتها بالدولار من مبيعاتها النفطية إلى الاقتصاد الأمريكي وإقراض هذه الفوائض إلى دول أخرى ما أدى إلى إنشاء نظام البترودولار.
4 ـ مع بزوغ الألفية الجديدة أصبحت الولايات المتحدة مصدراً صافياً للنفط والغاز، وبرزت آسيا وعلى رأسها الصين، الجهة الشارية الرئيسية لنفط الشرق الأوسط، وهكذا من شأن عضوية السعودية والإمارات في مجموعة البريكس الموسعة أن تعيد ضبط ديناميات العلاقة مع الصين أي بين البائع والشاري ضمن إطار واحد متعدد الأطراف وتقود فهماً أفضل للمصالح المتبادلة ولاسيما في ما يتعلق بتحديد الاسعار وسلاسل التوريد وإلى جانب العضوية في مصرف التنمية الجديد الذي أسسه أعضاء مجموعة بريكس في عام 2014 وانضمت إليه الإمارات فإن الانضمام إلى مجموعة بريكس الموسعة سيساعد أيضاً هذين البلدين الغنيين برؤوس الأموال على الاستفادة من الفرص الاستثمارية المتعلقة بمبادرة الحزام والطريق الصينية.
5 ـ قد تعمد السعودية والإمارات أيضاً إلى توسيع الشراكات الاقتصادية مع الهند التي انتقدت مبادرة الحزام والطريق الصينية واستخدام اليوان الصيني في التجارة الدولية، وسوف يسهم الانضمام إلى مجموعة بريكس الموسعة في تسهيل وتنسيق الاستثمارات الإماراتية والسعودية في الهند التي تسعى وراء رأس المال لتطوير بنيتها التحتية وقطاع التصنيع لديها، وكذلك في الخطط العابرة للحدود المدعومة من الهند مثل الممر الاقتصادي الذي اقترح في الآونة الأخيرة بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، وعلى نطاق أوسع من شأن ضم السعودية والإمارات إلى مجموعة بريكس الموسعة التي ضغطت الهند من أجل إنشائها أن يعيد إرساء التوازن عبر الحد من هيمنة الصين داخل التكتل وأن يساعد على تهدئة العلاقات بين نيودلهي وبكين، ويمكن أن يؤدي توسيع مجموعة بريكس إلى تعزيز نفوذ التحالفات الأخرى غير الغربية في المحافل الاقتصادية العالمية بما يعيد تشكيلها في نهاية المطاف كي تتأقلم على نحو أفضل مع العالم الناشئ المتعدد الأقطاب وسيستفيد مجلس التعاون الخليجي مثلاً من انضمام عضويه الأبرز إلى مجموعة بريكس الموسعة، نظراً إلى دورها المتنامي في مجموعة العشرين بما يرسي توازناً في مقابل مجموعة السبع، ومن شأن ضم دول على غرار إندونيسيا أو ماليزيا إلى مجموعة بريكس الموسعة أن يعزز هذا المسعى التعاوني بما يؤدي إلى الربط بين رابطة أمم جنوب شرق آسيا (آسيان) ومجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأفريقي في إطار واحد متعدد الأطراف خاضع لسيطرة جهات غير غربية.
قد يساعد التحالف من خلال توسعه إلى ما هو أبعد من حدوده المصغرة الدول الأعضاء على الالتفاف على بعض الحواجز التي تحد من نفوذها في النظام المتعدد الأطراف الخاضع بصورة أساسية لقيادة الغرب، والهدف في الأجل الطويل هو إعادة كتابة قواعد هذا النظام واستحداث آليات مبتكرة للتعاون العالمي من خلال الاستفادة من التكنولوجيات الرقمية والاتصال المادي المعزز بالعضوية في مجموعة بريكس الموسعة تصبح لبلدان مثل السعودية والإمارات فرصة للاضطلاع بدور نشط في تشكيل هذا المشهد الناشئ.
6 ـ إن (بريكس بلس) منذ كانون الثاني عام 2024 أصبح تجمع اقتصادي يحمل أبعاداً سياسية باعتباره يجمع دولاً تتمتع بثقل اقتصادي وسياسي يسهم كلاهما في تعزيز مكانتها الدولية، بما يسمح لتلك الدول إحداث (تغيير نسبي) في بنية النظام العالمي الأحادي القطب، واستبداله بنظام متعدد الأقطاب يتيح فرصاً أمام التكتل لممارسة دور وازن يتناسب وحجم قوته الاقتصادية والسياسية والبشرية.
7 ـ إن ارتفاع عدد دول مجموعة بريكس إلى 10 دول سيصبح عدد سكان دول المجموعة أكثر من ثلاثة مليارات و625 مليون نسمة أي ما يقارب نصف سكان العالم، فيما كانت هذه النسبة عند نحو 40% قبل انضمام هذه الدول.
كذلك أصبحت منظمة مؤثرة في سوق الطاقة العالمية، حيث أن دول البريكس تمثل 45% من احتياطي النفط في العالم، و56% من احتياطي الغاز، ووفقاً له تنتج روسيا وحدها نصف إنتاج العالم من اليورانيوم المخصب في حين تنتج روسيا والصين نحو 70%، وتعد الصين أكبر منتج للطاقة المتجددة في العالم تليها الولايات المتحدة في المركز الثاني والبرازيل في المركز الثالث والهند في المركز الرابع.
أثر مجموعة بريكس في النظام الاقتصاد العالمي:
* إن الدور الأول والأبرز الذي لعبته (بريكس) هو إضفاء نوع من اللامركزية على عملية صنع القرار داخل النظام الاقتصادي العالمي، وقد تكرّس هذا التحول على خلفية ثلاثة عوامل أولها يتعلق بارتباط هذه المجموعات بالاقتصادات الصاعدة والناشئة ويتعلق ثانيها كما سبق القول بتنامي الثقل الاقتصادي للمجموعة الذي أسهم بدوره في تحسين ترتيبها داخل الاقتصادات العشرين الأكبر عالمياً خلال العقود الثلاث الأخيرة، ويتعلق ثالثها بسعي هذه المجموعات إلى إنشاء مؤسسات التمويل الخاصة بها، فبالإضافة إلى بنك التنمية الجديد الخاص ببريكس والذي دخل اتفاقه حيز النفاذ في تموز 2015 أنشأت الصين (البنك الآسيوي للاستثمار في التنمية الأساسية) كبنك دولي متعدد الأطراف والذي دخل اتفاقه حيز النفاذ في كانون الأول 2015 و(صندوق طريق الحرير) الذي أسسته الحكومة الصينية في كانون الأول 2014 برأسمال قدره 40 مليار دولار، وتأتي أهمية هذه المؤسسات المالية أنها تعمل وفقاً لشروط أفضل بكثير بالنسبة للدول النامية والصاعدة بالمقارنة بمؤسسات بريتون وودز.
* بعد قمة بريكس الخامسة عشرة التاريخية في آب عام 2023 أثار محللو السياسة الخارجية مخاوف من أن البريكس وهي مجموعة من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا في ذلك الوقت ربما تسعى إلى بناء نظام عالمي بديل وقلب الحكومة العالمية التي يقودها الغرب.
مجموعة بريكس تطرح نظام عالمي جديد
ويثير توسع البريكس تكهنات حول اتجاه تعبئة المجموعة والبدائل المحتملة للنظام العالمي الحالي، وإذا تمكنت المجموعة من التوصل إلى إجماع حول القضايا السياسية الرئيسية، فقد تمارس ضغوطاً كبيرة لتغيير النظام من الداخل، وتستطيع أيضاً استخدام قوتها السياسية والاقتصادية لإنشاء نظام حكم جديد، وربما موازٍ.
إن الحفاظ على تحالف كبير وتوسيعه لتحدّي الوضع الراهن هو عمل شاق، ومع ذلك تطورت مجموعة البريكس إلى كيان استراتيجي مخصص للإصلاحات على مستوى النظام بالكامل.
وقد أدى تراجع الحماس للقيادة الأمريكية في أعقاب الحرب العالمية على الإرهاب، وضعف الثقة في النظام المالي الذي يقوده الغرب بعد الأزمة المالية العالمية إلى خلق أرض خصبة لدول البريكس للتعاون على تحقيق أهداف مشتركة.
وقد أدى استثمار موارد المجموعة المشاركة متعددة المستويات والعمليات الداخلية القوية إلى تعميق تنسيق السياسات.
لقد دأبت مجموعة البريكس على المطالبة بنظام أكثر ديمقراطية وتعددية الأقطاب مؤكدة على حتمية القيادة العالمية المتنوعة وتعددية أكبر.
وكثيراً ما تمت مناقشة بنك التنمية الجديد واتفاق احتياطي الطوارئ الذي أنشأته المجموعة باستثمارات كبيرة كبديلين للمؤسسات التي يهيمن عليها الغرب مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وإن سجل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية وهو بنك التنمية المتعدد الأطراف بقيادة الصين الذي تضاعفت عضويته تقريباً منذ تأسيسه في عام 2016 إلى أكثر من 100 دولة يضفي مصداقية على مثل هذه المفاهيم.
وفي إعلانات قمتهم وممارساتهم الدبلوماسية أبدت أعضاء مجموعة البريكس على نحو ثابت حرصها على إصلاح نظام بريتون وودز وأن المعايير الرسمية لكي تصبح عضواً جديداً في مجموعة البريكس تتطلب بوضوح من الدولة المرشحة أن تدعم التعددية والإصلاح الشامل للأمم المتحدة.
* إن الجاذبية الحقيقية التي تتمتع بها مجموعة البريكس في الجنوب العالمي لا تكمن في خطاب المجموعة من أعلى إلى أسفل بقدر ما تكمن في الأفكار الجديدة لتعزيز الرفاهية والرخاء الاقتصادي الشامل من القاعدة إلى القمة ومن الوسط إلى الخارج.
1 ـ مجموعة البريكس وعالم متعدد الأقطاب
يلاحظ أن (بريكس) آخذة في الصعود خصوصاً بعد حرب أوكرانيا وعدم مشاركة دول المجموعة في العقوبات المفروضة من الغرب على موسكو وهو ما يعني مزيداً من الاستقلال والسيادة لهذه الدول التي لا ترغب في العيش بعالم القطب الواحد.
لم تعترف (دول بريكس) على المستوى الجيوسياسي بالعقوبات الغربية المفروضة على موسكو، وحددت دول مثل الهند تعاونها التجاري مع روسيا، فضلاً عن اعتماد البرازيل المستمر على الأسمدة الروسية وتأتي التغيرات المحتملة لمجموعة بريكس في وقت تسعى الدول المتقدمة في أوروبا وأمريكا الشمالية إلى تعزيز التحالفات وتشكيل كتل جديدة وتوقيع اتفاقيات تجارية وأمنية.
وشعر بعض صنّاع القرار السياسي في أوروبا والولايات المتحدة بالقلق من أن تصبح مجموعة بريكس بمثابة كيان اقتصادي للقوى الصاعدة التي تسعى للتأثير على النمو والتنمية في العالم.
الوجهات الاستراتجية العالمية لمجموعة بريكس
الابتعاد عن منظومة (سويفت) المالية العالمية تتجه مجموعة بريكس إلى توسيع المدفوعات غير المرتبطة بالدولار، حيث تسعى دول المجموعة للابتعاد عن منظومة المراسلات المصرفية (سويفت) التي تسيطر عليها الولايات المتحدة.
وتتضمن خطط المجموعة التي تضم (روسيا والصين والبرازيل وجنوب إفريقيا والهند والسعودية والإمارات ومصر وإثيوبيا) إنشاء نظام دفع دولي (بريكس باي Brics pay) تستند على تقنية (بلوك تشين) أي على أساس أصول رقمية.
سيكون من الممكن تجاوز العقوبات والعراقيل الغربية بفضل هذه الآلية اللامركزية التي ستتضمن عملات متعددة وستساهم الآلية في تعزيز النفوذ الاقتصادي لمجموعة بريكس وتسريع ظهور عملة فوق وطنية، الأمر الذي يعد بمثابة تهديد مباشر لمكانة العملة الأمريكية.
* في آذار عام 2024 طرح نائب رئيس البنك المركزي الإيراني للشؤون الدولية (محسن كريمي) أن قيادة بريكس استلمت مقترحات من البنك المركزي الإيراني لإنشاء نظام مراسلة مالية خاص بها بين الدول الأعضاء، وكتبت وكالة إرنا الإيرانية نقلاً عن كريمي (أن قيادة بريكس استلمت مقترحات من البنك المركزي الإيراني لإنشاء نظام مراسلة مالية خاص بها بين الدول الأعضاء بالإضافة إلى منظمة لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب).
وأضاف (كريمي) أنه (تم قبول مقترحات البنك المركزي الإيراني لإنشاء نظام لتبادل الرسائل المالية بين أعضاء المنظمة على غرار سويفت، ومكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب «على غرار مجموعة العمل الحالي» ومؤسسات التصنيف الائتماني الدولية للمشاركين في مجموعة «بريكس» وتمت إضافته على جدول الأعمال).
ومن الأهداف الرئيسية لدول مجموعة (بريكس) هو الابتعاد عن الدولار واستخدام العملات الوطنية في التعاملات التجارية، وتجدر الإشارة إلى أن 95% من المعاملات التجارية بين روسيا والصين تتم بالروبل واليوان.
وتتمحور فكرة الآلية حول إنشاء منصة خاصة على أساس العملات الرقمية في دول مجموعة (بريكس) لتنفيذ التسويات المالية الأمر الذي سيكسر احتكار نظام (سويفت الغربي) للعمليات المالية حول العالم، خاصة في ظل استخدام الولايات المتحدة للدولار كأداة في العقوبات ووصول الدين العام الأمريكي إلى مستوى فلكي تعمل دول في العالم وعلى رأسها دول مجموعة (بريكس) على زيادة استخدام العملات الوطنية في التجارة الدولية.
وتسعى المجموعة إلى أن ينعكس التوسع بأعضائها التفوق عملياً من خلال توسعة نشاطاتها الاقتصادية الرامية لمواجهة هيمنة الدولار الأمريكي ليضيف التوسع بدوره إلى قوة المجموعة الهادفة إلى أن تكون محركاً لنظام عالمي جديد، وأن تقود مجموعة تغيرات ديناميكية على الخارطة الاقتصادية الدولية.
ومن المنتظر أن يلعب التكتل بعد مضاعفة أعضائه دوراً في تحقيق التوازن الاقتصادي حول العالم، والهيمنة الاقتصادية لبعض الدول الكبرى كما أن الدول المنضمة تضع عليه آمالاً كبيرة ليمثل لهم فرصاً اقتصادية واعدة.
وإن نجاح البريكس في تحقيق التوازن الاقتصادي حول العالم وهز عرش الدولار يتوقف على نجاحه في إرساء فكرة التبادل التجاري بالعملات المحلية على غرار خطوات سابقة على سبيل المثال لكل من الإمارات والهند وكذلك الإمارات والصين في كيفية التعامل بعملات متبادلة، كما أن مصر أعلنت عن معاملات بالعملات المحلية مع دول أخرى.
وإن نجاح التجربة إذا تم من خلال جهود البنوك المركزية ودول التكتل ستتاح الفرصة لكثير من الدول الأخرى التي من الممكن أن تستخدم فكرة تبادل التجارة بالعملات المحلية، ويمكن للتكتل أن يخلق مزيداً من القوة في العلاقات الاقتصادية بين الأطراف المشاركة التي من خلالها يمكن أن يخلق لنفسه دوراً ويداً عليا في القرارات الدولية في فرض عدم المنازعات والسيطرة على التجارة الدولية.
* لفهم طبيعة تطلعات بريكس يمكن الإشارة إلى أهم ما ورد في كلمة الرئيس الصيني (شي جين بينغ) إن (دول بريكس تختار مساراتها التنموية بشكل مستقل، وتدافع بشكل مشترك عن حقها في التنمية، وتسير جنباً إلى جنب نحو التحديث الأمر الذي يمثل اتجاه تقدم المجتمع البشري وسيؤثر بشكل عميق على عملية التنمية في العالم).
وقال: (إن سجل إنجازات بريكس يُظهر أن أعضاءها لطالما تصرفوا وفقاً لروح بريكس المتمثلة في الانفتاح والشمول والتعاون المربح للجميع وارتقوا بتعاون بريكس نحو آفاق جديدة لدعم التنمية لدى الدول الخمس الأعضاء).
وأضاف: (إنه يتعين على جميع دول بريكس المساعدة في إصلاح الحوكمة العالمية لجعلها أكثر عدلاً وإنصافاً وجلب المزيد من اليقين والاستقرار والطاقة الإيجابية للعالم).
وقال (شي): (إن التعافي الاقتصادي العالمي لا يزال هشاً وإن التحديات التي تواجهها الدول النامية باتت أكبر ما يعيق جهودها لتحقيق أهداف التنمية المستدامة)، وأضاف: (إن التنمية حق ثابت لجميع الدول وليست امتيازاً محفوظاً لعدد قليل منها).
ودعا (شي) (دول بريكس إلى أن تكون أقراناً لبعضها البعض على طريق التنمية والنهوض وأن تعارض أعمال «فك الارتباط» وفصل سلاسل الإمداد والقسر الاقتصادي).
وأكد أنه يتعين على دول بريكس التركيز على التعاون العملي، خاصة في مجالات مثل الاقتصاد الرقمي والتنمية الخضراء وسلسلة الإمداد، وتعزيز التبادلات الاقتصادية والتجارية والمالية.
وأضاف: إن الصين ستنشئ مجمعاً خاصاً للعلوم والابتكار بين الصين وبريكس في العصر الجديد لدعم نشر نتائج الابتكار.
وقال إنه يتعين على دول بريكس أن تلتزم باتجاه التنمية السلمية، وأن تعزز الشراكة الاستراتيجية لبريكس، مضيفاً أنه يتعين على الأعضاء الاستفادة من اجتماع وزراء خارجية بريكس واجتماع الممثلين الساميين المعنيين بالأمن الوطني والآليات الأخرى، ودعم كل منهما الآخر بشأن القضايا المتعلقة بالمصالح الأساسية الخاصة، وتعزيز التنسيق بشأن القضايا الدولية والإقليمية الرئيسية.
* وفي معرض إشارته إلى أن الذكاء الاصطناعي هو مجال جديد للتنمية يجلب أرباحاً تنموية ضخمة ويحتوي أيضاً على مخاطر وتحديات، قال (شي): (إن بلدان بريكس وافقت على إطلاق مجموعة دراسة بشأن الذكاء الاصطناعي وفي وقت مبكر)، وقال: (نحن بحاجة إلى تمكين مجموعة الدراسة من لعب دورها الكامل، ومواصلة توسيع التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي وتعزيز تبادل المعلومات والتعاون التكنولوجي). وأضاف: (أنه يجب على أعضاء بريكس العمل بشكل مشترك على درء المخاطر وتعزيز إنشاء آلية دولية للمشاركة العالمية وتطوير أطر ومعايير حوكمة الذكاء الاصطناعي بتوافق واسع النطاق من أجل جعل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أكثر أماناً وموثوقية وإنصافاً وقابلية للتحكم بشكل مستمر)..
وقال: (نحن بحاجة إلى الاستفادة من الآليات مثل ندوة بريكس بشأن الحوكمة ومنتدى بريكس بشأن التبادلات الشعبية والثقافية، ومسابقة الابتكار للمرأة لتعميق التبادلات الشعبية وتعزيز الروابط بين شعوبنا).
وقال: (إن الصين ترغب في أن تقترح على دول بريكس توسيع التعاون في مجال التعليم وتعزيز دور تحالف بريكس للتعليم المهني، واستكشاف وإنشاء آلية تعاون بشأن التعليم الرقمي وتدعيم نموذج للتعاون الشامل بشأن التعليم).
وقال: (إنه يتعين على دول البريكس ممارسة التعددية الحقيقية والتمسك بالنظام الدولي، وفي القلب منه الأمم المتحدة ودعم وتعزيز النظام التجاري متعدد الأطراف وفي القلب منه منظمة التجارة العالمية ورفض محاولة خلق دوائر صغيرة أو تكتلات حصرية).
وأضاف: (نحن بحاجة إلى الاستفادة الكاملة من دور بنك التنمية الجديد ودفع إصلاح الأنظمة المالية والنقدية الدولية وزيادة تمثيل وصوت البلدان النامية).
حسب خطاب الرئيس بوتين الذي ألقاه في 1 كانون الثاني 2024 والمخصص لترؤس روسيا لمجموعة بريكس أن روسيا ستركز خلال 2024 على تعزيز النطاق الكامل لشراكة التعاون في إطار المجموعة في ثلاثة مجالات رئيسية وهي السياسة والأمن والاقتصاد والمال والعلاقات الثقافية والإنسانية وهي مجالات ذات طبيعة جوهرية ومتكافئة وتم تحديدها باعتبارها أولويات الرئاسة الروسية.
وقد شكلت روسيا (اللجنة التنظيمية لرئاسة روسيا لمجموعة بريكس في عام 2024) التي تعمل على تنسيق المشاركة في آليات البريكس للسلطات الفيدرالية والإقليمية الروسية والدوائر البرلمانية والتجارية والعامة، واللجنة وافقت في كانون الأول عام 2023 على خطة عمل واسعة النطاق تخص الفعاليات تحت رعاية الرئاسة الروسية، حيث تضم حوالي 250 فعالية تقام في أكثر من 10 مدن في روسيا، والحدث الرئيسي للرئاسة الروسية هو قمة البريكس المقررة في قازان في الفترة من 22 ـ 24 تشرين الأول 2024.
* في نهاية آذار عام 2024 أعلنت روسيا عزمها تأسيس بورصة لتجارة الحبوب لدول مجموعة بريكس مما يزيد من الأمن الغذائي لدول بريكس التي تضم روسيا والصين والبرازيل وجنوب أفريقيا والهند ومصر والسعودية والإمارات وإيران وإثيوبيا، وقد استحوذت دول مجموعة بريكس عام 2023 على نحو 42% من إنتاج الحبوب العالمي أي نحو 1,2 مليون طن فضلاً عن أن دول التكتل تشكل 40% من الاستهلاك العالمي، وأن تداول عقود الحبوب في إطار مجموعة بريكس سيعزز النفوذ الاقتصادي لروسيا وحلفائها في تكتل بريكس، حيث سيواجه مصدرو الحبوب والأسمدة منافسة متزايدة من دول بريكس وستواجه الولايات المتحدة وكندا وأستراليا صعوبات في الحفاظ على حصتهم في السوق.
تحديات التي تواجه (مجموعة بريكس)
رغم المزايا العديدة التي تتيحها عضوية بريكس إلا أن ثمة مجموعة من التحديات، أبرزها التحديات المتعلقة بطبيعة العلاقات الثنائية والمشتركة بين دوله وتوجهات السياسة الخارجية لها التي من الممكن في حالة تعارضها أن تؤثر سلباً في مستوى التعاون الاقتصادي والتجاري البينية.
2 ـ معضلة تدشين عملة موحدة تنافس الدولار، ومن ثم إلغاء التعامل التجاري به، وهو ما يصعب حدوثه على المديين القصير والمتوسط، فضلاً عن تداعيات ذلك على العلاقات بين دول التكتل والقوى الدولية المهيمنة على الاقتصاد العالمي التي سترى في سياسات (بريكس بلس) استهدافاً مباشراً لنفوذها.
* لن يستطيع تكتل بريكس فوراً أن يكون له تأثير أوسع في الاقتصاد العالمي، خاصة أن أي تأثيرات تكون عبارة عن مراحل تبدأ بخطوات تنفيذية لإفساح موضع قدم لتكتل جديد يقوى يوماً تلو الآخر، وأن جميع أسواق العالم يستحوذ عليها الدولار ولا يمكن خلال عام أو عامين السماح بدخول قوة تستطيع أن تزيح هيمنته من على العرش.
* إن تكتل بريكس أمامه تحدٍّ كبير يتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية ويعقبها الاتحاد الأوروبي لن يسمحا لأي تكتل أو دولة أخرى أن تؤثر على هيمنتها على الاقتصاد العالمي، خاصة وأن أمريكا دولة مهيمنة على الاقتصاد العالمي والمؤسسات الدولية سواء كانت اقتصادية أو غير اقتصادية.
* إن تكتل البريكس من المتوقع أن يكون أكثر تأثيراً بناء على عدة عوامل منها:
1 ـ انضمام دول نفطية على رأسها السعودية والإمارات في ظل وجود روسيا يمثل فرصة كبيرة لزيادة احتياطي المجموعة من النفط.
2 ـ التكتل بانضمام دول جديدة منها إثيوبيا وإيران ومصر سيرتفع عدد سكانه ليمثل نسبة كبيرة من سكان العالم وبالتالي يصبح أكثر تأثيراً.
3 ـ تنسيق التكتل الرؤى حول المواضيع الأساسية سواء كانت اقتصادية أو غير اقتصادية سيكون أمراً مؤثراً في المحافل الدولية خاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والأمم المتحدة ليكون أكثر تنظيماً فإذا تمت مقارنته اقتصادياً سيكون أكبر منافس لمجموعة السبع.
4 ـ قدرة التكتل على زيادة الدول الأعضاء في المراحل المقبلة.
5 ـ اتخاذ قرارات من شأنها تغيير بعض المفاهيم والمعادلات والعلاقات في الاقتصاد الدولي.
وإن أهم القرارات التي لا بد على منظمة بريكس اتخاذها وتمثل خطوة أولى في نجاحه مستقبلاً:
أ ـ اتخاذ اتجاه مرتبط بتقليل الاعتماد على الدولار ليصبح الاعتماد على العملات المحلية.
ب ـ الاتجاه إلى أن يصبح هناك عملة خاصة بدول البريكس.
ج ـ عدم الاعتماد على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من خلال تفعيل وتقوية مؤسسات أخرى بديلة مثل البنك الآسيوي للتنمية.



