
الطائفية والدين والتحرر الوطني: حين يصبح المقدّس أداة لإدامة التبعية – 3
لا يمكن لأي مشروع تحرر وطني أن ينجح إذا بقي المجتمع مقسّمًا إلى جماعات خائفة، وكل جماعة تبحث عن حاميها، وسلاحها، وزعيمها، وخارجها، وذاكرتها الخاصة. فالتحرر الوطني لا يبدأ فقط من مواجهة الاحتلال أو الهيمنة الخارجية، بل يبدأ أيضًا من تحرير الداخل من البنى التي تجعل الخارج قادرًا على اختراقه. وفي منطقتنا لا توجد بنية أكثر قابلية للاستخدام والاختراق من الطائفية حين تتحول من انتماء ديني أو ثقافي إلى نظام سياسي كامل.
الدين في ذاته ليس المشكلة ، بل قد يكون ، في لحظات كثيرة ، مصدرًا للمعنى والعدالة والكرامة والرحمة ومقاومة الظلم ، ففي التاريخ ، ألهم الدين حركات تحرر، وأعطى المظلومين لغة أخلاقية في مواجهة الطغيان، وذكّر السلطة بأن الإنسان ليس رقمًا في حساب القوة ، لكن الخطر يبدأ عندما ينتقل الدين من المجال الأخلاقي والروحي إلى نظام تعبئة طائفية ، وحين يصبح المقدّس ملكًا لحزب ، أو طائفة ، أو سلطة ، أو مشروع إقليمي ، عندها لا يعود الدين قوة تحرير، بل يتحول إلى أداة تنظيم للخوف ، وإنتاج للطاعة، وتبرير للعنف ، وإدامة للانقسام.
الطائفية ليست التدين ، هذه نقطة أساسية ، قد يكون الإنسان مؤمنًا وعابرًا للطوائف في وعيه الوطني ، وقد يكون غير متدين لكنه طائفي في السياسة والسلوك ، فالطائفية ليست صلاة ولا طقسًا ولا عقيدة فقط ، بل الطائفية هي تحويل الجماعة الدينية إلى وحدة سياسية مغلقة ، لها زعيمها، وذاكرتها، ومصالحها، ومخاوفها، وعدوها، وحصتها في الدولة ، بهذا المعنى ، الطائفية هي شكل من أشكال تفكيك الشعب إلى شعوب صغيرة، وتفكيك الوطن إلى مناطق نفوذ ، وتفكيك الدولة إلى حصص.
وهنا تصبح الطائفية عدوًا للتحرر الوطني ، حتى عندما ترفع شعارات التحرر ، لأنها تمنع قيام شعب موحد قادر على امتلاك قراره ، فالتحرر الوطني يحتاج إلى مواطنين ، لا إلى رعايا ، يحتاج إلى دولة ، لا إلى توازن زعماء ، يحتاج إلى مصلحة عامة لا إلى مقايضة بين حصص ، يحتاج إلى ذاكرة وطنية، لا إلى ذاكرات متحاربة ، وحين تصبح الطائفة هي وحدة السياسة الأساسية، لا يعود الخارج بحاجة إلى احتلال مباشر، يكفيه أن يدخل من باب الخوف، أو التمويل، أو الحماية، أو السلاح، أو المرجعية، أو الخطاب، فيجد في الداخل من يستدعيه.
بهذا المعنى، الطائفية ليست مجرد مرض داخلي ، بل هي أيضًا بنية استعمارية غير مباشرة ، فهي تجعل المجتمع قابلًا للحكم من الخارج عبر انقساماته ، فكل قوة إقليمية أو دولية تستطيع أن تبحث عن جماعة قلقة ، أو طائفة مهمشة ، أو نخبة خائفة ، أو زعيم محتاج ، ثم تدخل باسم الحماية أو الدعم أو التوازن ، وحين تتعدد الحمايات الخارجية، لا يعود الوطن وطنًا، بل يتحول إلى ساحة تفاوض بين رعاة الطوائف ، وعندها يفقد التحرر معناه، لأن كل جماعة تريد أن تتحرر من خوفها لا أن تحرر الوطن.
في لبنان تظهر هذه المعضلة بأشد صورها وضوحًا، فالنظام الطائفي لم يمنع الاحتلال، ولم يبنِ دولة قوية، ولم يحمِ الاقتصاد، ولم يصن الودائع، ولم يمنع الانهيار، ولم يضمن العدالة، ولم يحفظ كرامة الناس ، لكنه نجح في شيء واحد: جعل كل جماعة تخاف من الأخرى، وتبحث عن زعيمها، وتبرر فساد ممثلها لأنه “يحميها”، وتقبل بسلاحها أو بسلاح غيرها أو بامتيازاتها أو بتبعيتها لأنها ترى نفسها في خطر دائم. هكذا تتحول الطائفية إلى آلة لإنتاج العجز. لا تحكم جيدًا، لكنها تمنع البديل من الولادة.
والأخطر أن الطائفية قادرة على ابتلاع كل خطاب، حتى خطاب المقاومة والتحرر والسيادة ، فقد يرفع طرف شعار مقاومة الاحتلال، لكنه يمارس السياسة بمنطق طائفي . وقد يرفع طرف آخر شعار الدولة، لكنه يقصد دولة تعيد له امتيازاته لا دولة مواطنة . وقد يتحدث ثالث عن السيادة، وهو مرتهن لسفارة أو مال خارجي أو خوف مذهبي ، هكذا تتحول الكلمات الكبرى إلى أقنعة: المقاومة، الدولة، السيادة، العدالة، الحرية، كلها يمكن أن تُستعمل لتثبيت الانقسام إذا لم تُربط بمشروع مواطنة فعلي.
لذلك لا يمكن بناء مقاومة وطنية حقيقية داخل بنية طائفية مغلقة. فالمقاومة الوطنية، لكي تكون وطنية فعلًا، يجب أن تتجاوز جماعتها الأصلية، وأن تفتح معناها لكل المواطنين، وأن تعود إلى مشروع دولة، لا أن تبقى في بنية أهلية خاصة. وإذا بقيت المقاومة ملتصقة ببيئة طائفية محددة، مهما كان حقها في مواجهة الاحتلال، فإنها ستظل عرضة للالتباس: هل هي مقاومة وطنية عامة، أم قوة جماعة داخل وطن؟ هل تحمي البلد كله، أم تحمي دورًا إقليميًا لطرف فيه؟ هل تفتح باب الدولة، أم تصبح دولة داخل الدولة؟
وفي المقابل، لا يمكن أيضًا بناء دولة حقيقية من داخل طائفية مضادة ، فبعض خصوم المقاومة يتحدثون باسم الدولة، لكنهم لا يريدون دولة مواطنين، بل دولة تنزع سلاح خصمهم وتبقي امتيازاتهم الاقتصادية والطائفية كما هي ، هذا ليس تحررًا وطنيًا ، هذه إعادة توزيع للغلبة ، فالدولة التي نحتاجها ليست دولة طائفة ضد طائفة، ولا دولة مصرف ضد فقير، ولا دولة مركز ضد أطراف، ولا دولة تستدعي الخارج ضد الداخل. الدولة التي نحتاجها هي دولة قانون وعدالة ومواطنة ، تحمي الناس جميعًا ، وتحتكر القرار الدفاعي لأنها قادرة ومسؤولة وخاضعة للمساءلة.
في العراق، تظهر الطائفية كآلية لتوزيع الغنيمة ، بعد سقوط الدولة القديمة والاحتلال الأميركي، نشأ نظام محاصصة جعل الطائفة والعرق والحزب مدخلًا إلى السلطة والثروة والسلاح ، صار النفط موردًا وطنيًا في الظاهر، لكنه عمليًا دخل في شبكة أحزاب، وميليشيات، وولاءات، وتدخلات خارجية ، هنا لم تعد المشكلة فقط في وجود نفوذ أميركي أو إيراني، بل في نظام داخلي يجعل العراق قابلًا لكل النفوذ ، فحين تكون الدولة موزعة بين جماعات، يصبح الخارج شريكًا دائمًا في إدارتها.
في سوريا، استُخدم خطاب القومية والمقاومة لتغطية دولة أمنية مغلقة، ثم انفجرت البلاد على أسس اجتماعية ومناطقية وطائفية وسياسية معقدة ، فالنظام رفع شعار السيادة ، لكنه فتح البلاد لتدخلات روسية وإيرانية وميليشيوية ، وأجزاء من المعارضة رفعت شعار الحرية ، لكنها ارتهنت بدورها لقوى خارجية. النتيجة أن المجتمع السوري دفع الثمن الأكبر: تهجير، خراب، خوف، وموت سياسي ، وهنا يظهر الدرس القاسي: لا يكفي أن ترفع شعارًا وطنيًا إذا كانت الدولة لا تحترم شعبها ، ولا يكفي أن تعارض الاستبداد إذا صار قرارك مرتهنًا للخارج.
أما في إيران، فالمسألة تأخذ شكلًا آخر ،فالدولة ترفع خطاب مقاومة الهيمنة الأميركية والإسرائيلية، وهذا ليس بلا أساس في ظل العقوبات والتهديد والحصار ، لكنها في الداخل تواجه سؤال الحريات، والحقوق، والتعدد القومي والمذهبي، والعدالة الاجتماعية. وفي الخارج تمارس نفوذًا واسعًا في مجتمعات أخرى، غالبًا عبر روابط مذهبية أو قوى مسلحة أو شبكات سياسية ، هنا يصبح السؤال مشروعًا : هل يمكن لدولة أن تقاوم الهيمنة عليها ، بينما تمارس هيمنة على غيرها؟ وهل يمكن لمشروع يرفع شعار التحرر أن يبقى تحرريًا إذا كان يضع مجتمعات أخرى في خدمة أمنه ومفاوضاته؟
هذه الأسئلة لا تستهدف دينًا ولا مذهبًا ولا جماعة بعينها ، إنها تستهدف تحويل الدين والطائفة إلى أدوات سلطة ، فحين تصبح الطائفة طريقًا إلى السلاح، أو المال، أو الوظيفة، أو الحماية، أو القرار، فإنها تتحول إلى نظام مصلحة لا إلى هوية روحية . وحين يصبح المقدس وسيلة لمنع السؤال، فإن الدين يفقد جزءًا من قوته الأخلاقية، لأنه يتحول من دعوة إلى الحق إلى أداة لإسكات الناس.
التحرر الوطني الجديد يجب أن يكون إذًا تحررًا من الطائفية أيضًا ، لا بمعنى إلغاء الدين من حياة الناس، ولا بمعنى احتقار الهويات الروحية، بل بمعنى منع تحويلها إلى نظام حكم ، فالمجتمع المتعدد لا يحتاج إلى إنكار تعدده، بل إلى تحويل هذا التعدد إلى مواطنة . أن تكون مسلمًا أو مسيحيًا أو درزيًا أو علويًا أو شيعيًا أو سنيًا أو كرديًا أو عربيًا أو أرمنيًا أو آشوريًا لا يجب أن يعني أن لك دولة صغيرة داخل الدولة ، يعني أنك مواطن كامل في دولة تعترف بخصوصيتك الثقافية، لكنها لا تجعل حقوقك تمر عبر زعيم طائفتك.
هنا يلتقي التحرر الوطني بالديمقراطية ، فالديمقراطية ليست ترفًا ليبراليًا زائدًا على التحرر ، إنها شرط من شروطه. من دون ديمقراطية، يتحول التحرر إلى سلطة جديدة ، ومن دون مواطنة، يتحول الاستقلال إلى محاصصة ، ومن دون عدالة اجتماعية، تتحول السيادة إلى شعار فوق جوع الناس . ومن دون فصل الدين عن نظام الغنيمة السياسية ، يصبح المقدس أداة في يد الزعيم ، لا ملاذًا أخلاقيًا للإنسان.
وقد يكون أخطر ما تفعله الطائفية أنها تمنع الناس من رؤية مصالحهم الحقيقية ، فالفقير يدافع عن زعيم طائفته الذي أفقره ، و المودع يبرر لمن نهب وديعته إذا كان من جماعته ، و الموظف يخاف من الإصلاح لأنه يظنه استهدافًا لطائفته ، و المواطن يقبل بدولة ضعيفة لأنه يخشى أن تقوى دولة “الآخرين”. بهذا المعنى، الطائفية لا تقسم السياسة فقط، بل تقسم العقل ، تجعل الإنسان يرى خلاصه في من يستعمله، وعدوه في من يشبهه اجتماعيًا لكنه يختلف عنه طائفيًا.
لذلك لا يمكن فصل سؤال التحرر الوطني عن سؤال العدالة الاجتماعية. فالطائفية تعيش على الخوف، لكنها تتغذى أيضًا من الفقر. حين لا توجد دولة رعاية، تصبح الطائفة هي الضمان . حين لا يوجد قانون عادل، يصبح الزعيم هو الحامي . حين لا توجد مدرسة عامة قوية، ومستشفى عام محترم، وفرصة عمل عادلة، يصبح المواطن أسير شبكة الطائفة . لذلك مقاومة الطائفية لا تكون بالخطب فقط ، بل ببناء دولة تقدم للناس ما يجعلهم أقل حاجة إلى زعماء الطوائف.
ولا يمكن فصلها عن سؤال المعرفة. الطائفية تحتاج إلى ذاكرة انتقائية، وإلى تاريخ مجروح، وإلى خوف متوارث، وإلى إعلام يكرر صور العدو الداخلي . لذلك فإن التحرر من الطائفية يحتاج إلى مدرسة وجامعة وإعلام ومراكز بحث وثقافة عامة تعيد بناء الوعي الوطني . لا يكفي أن نطلب من الناس أن يكونوا مواطنين إذا كنا نربيهم منذ الطفولة على أن الطائفة هي الملجأ الأول، وأن الدولة غنيمة، وأن الآخر تهديد.
بهذا المعنى، يصبح التحرر الوطني مشروعًا طويلًا لإعادة بناء الإنسان السياسي. فالتحرر لا يعني فقط خروج جندي أجنبي من الأرض، بل خروج الخوف من العلاقة بين المواطنين. ولا يعني فقط استعادة مورد طبيعي من شركة أجنبية، بل استعادة الدولة من نظام المحاصصة. ولا يعني فقط مقاومة العدو الخارجي، بل منع الداخل من التحول إلى أبواب مفتوحة لكل الخارج.
الدين، في أفضل معانيه، يستطيع أن يكون حليفًا لهذا التحرر إذا عاد إلى قيم العدل والرحمة وكرامة الإنسان. لكنه يصبح عائقًا عندما يتحول إلى هوية قتالية مغلقة. والطائفة، كواقع اجتماعي وثقافي، يمكن أن تكون جزءًا من تنوع غني إذا بقيت في المجتمع. لكنها تصبح خطرًا حين تتحول إلى دولة داخل الدولة، وحين يصبح لكل طائفة جيشها، وزعيمها، واقتصادها، وخارجها، ومحكمتها غير المعلنة.
من هنا، لا يكون الحل في حرب على الدين، بل في تحرير الدين من الطائفية، وتحرير السياسة من المقدس، وتحرير الدولة من المحاصصة، وتحرير المواطن من الخوف. فالمجتمع لا يصبح وطنيًا لأنه يلغي تعدده، بل لأنه يضع هذا التعدد تحت سقف قانون واحد وكرامة واحدة ومصلحة عامة واحدة.
في النهاية، لا يمكن أن نطلب تحرير الأرض من الاحتلال ونقبل باحتلال المجتمع من الداخل . ولا يمكن أن نرفع شعار السيادة ونترك القرار موزعًا بين طوائف ومحاور . ولا يمكن أن نتحدث عن مقاومة الخارج ونبقي الداخل مفتتًا إلى جماعات تستدعي الخارج . فالاستعمار الحديث لا يدخل دائمًا من البحر أو الحدود. أحيانًا يدخل من خوف الطوائف، ومن فساد النخب، ومن قداسة الزعماء، ومن عجز الدولة عن أن تكون دولة لكل مواطنيها.
التحرر الوطني في منطقتنا لن يكتمل إلا عندما نربط بين مقاومة الاحتلال ومقاومة الطائفية، بين السيادة والمواطنة، بين الدين كقيمة أخلاقية والدولة كمؤسسة عامة، بين حق الجماعات في الخصوصية وحق المواطن في المساواة. وما لم نخرج من دولة الطوائف إلى دولة المواطنين، سيبقى كل انتصار على الخارج ناقصًا، وكل استقلال مهددًا، وكل مقاومة قابلة لأن تتحول إلى سلطة، وكل دولة قابلة لأن تتحول إلى غنيمة.
أقسى ما في الطائفية أنها تجعل الشعوب تطلب الحماية ممن يمنع عنها الحرية. وأعمق ما في التحرر الوطني أنه يحرر الإنسان من هذه المعادلة نفسها. فالوطن لا يولد حين تنتصر طائفة، بل حين لا يعود أي مواطن محتاجًا إلى طائفته كي يشعر أنه موجود ومحمي وكريم.
د. بشير عصمت



