الفلسفة التدميرية للاستعمار الجديد: من هندسة الخرائط إلى هندسة الوعي

 

مركز الحداثة الديمقراطية في الشرق الاوسط

تغيير حجم الخط

Aa

مركز الحداثة الديمقراطية في الشرق الاوسط

>

Blog

>

مقالات

>

الفلسفة التدميرية للاستعمار الجديد: من هندسة الخرائط إلى هندسة الوعي

الفلسفة التدميرية للاستعمار الجديد: من هندسة الخرائط إلى هندسة الوعي

19 ساعة مضت

 

تتمثل خطورة الاستعمار الجديد في أنه لم يعد بحاجة إلى احتلال مباشر للأراضي كما كان الحال في القرنين التاسع عشر والعشرين، بل أصبح قادراً على إعادة إنتاج الهيمنة عبر أدوات أكثر تعقيداً وتأثيراً. فالحرب لم تعد مجرد جيوش تعبر الحدود أو دبابات تسيطر على المدن، وإنما تحولت إلى منظومة متكاملة من السيطرة الاقتصادية والإعلامية والسياسية والثقافية، تعمل على إعادة تشكيل المجتمعات من الداخل وتحويل الديمقراطية نفسها من أداة للتحرر إلى وسيلة لإنتاج التبعية وإدامتها.

 

ومن هنا يبرز السؤال الفلسفي الأهم في عالمنا المعاصر: ليس من يحكم العالم، بل ما هي الأفكار التي تجعل الهيمنة ممكنة وقابلة للاستمرار؟ فكل نظام سياسي أو اقتصادي أو عسكري يقوم في جوهره على تصور معين للإنسان والسلطة والتاريخ ، لذلك يمكن النظر إلى الاستعمار الجديد بوصفه فلسفة متكاملة قبل أن يكون مشروعاً سياسياً أو عسكرياً ، فلسفة تقوم على إعادة إنتاج موازين القوة ذاتها بأشكال جديدة وأكثر مرونة.

 

إن فهم هذه الظاهرة يقتضي العودة إلى جذورها التاريخية. فما زال عالم اليوم يحمل آثار القرارات التي اتخذتها القوى الاستعمارية الأوروبية عقب الحرب العالمية الأولى، عندما أُعيد رسم خرائط الشرق الأوسط والشرق الأدنى عبر مؤتمرات فرساي وسيفر ولوزان ولوكارنو. فقد جرى تأسيس دول وكيانات سياسية عديدة وفق مصالح القوى المنتصرة أكثر مما جرى وفق إرادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها. ومنذ ذلك الحين تشكلت بنية سياسية وجغرافية ما تزال تلقي بظلالها على أزمات الحاضر وصراعاته.

 

وقد ساهمت هذه الفلسفة الإمبريالية في إنتاج أشكال متكررة من الهيمنة والصراع، كما غذّت النزعات القومية المتطرفة التي تجلت في صعود النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا والمجر، لتنتهي البشرية إلى الحرب العالمية الثانية، التي أودت بحياة أكثر من ستين مليون إنسان، وخلّفت ملايين الجرحى والمعاقين، ودمرت مدناً وقرى ومناطق صناعية بأكملها.

 

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، جاء مؤتمر بوتسدام ليؤسس لمرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ العالمي مع بروز الولايات المتحدة كقوة نووية عظمى. وقد أدى ذلك إلى إطلاق سباق تسلح واسع النطاق وحروب متتالية في كوريا وفيتنام ولاوس وكمبوديا. وفي السياق نفسه، أدى تأسيس دولة إسرائيل بدعم من القوى الكبرى الغربية والشرقية إلى فتح الباب أمام الحروب العربية – الإسرائيلية في أعوام 1947 و1956 و1967 و1973، كما ساهم في استمرار الصراعات المرتبطة بالاحتلال في أجزاء من لبنان وسوريا.

 

غير أن التحول الأبرز تمثل في انتقال الهيمنة من السيطرة المباشرة على الأرض إلى السيطرة على القرار السياسي والاقتصادي. ففي الماضي كانت الإمبراطوريات تفرض سيادتها من خلال الاحتلال العسكري المباشر، أما اليوم فقد أصبحت الهيمنة تُمارس عبر المؤسسات المالية الدولية، والتحالفات العسكرية، والشركات متعددة الجنسيات، وشبكات الإعلام العالمية، فضلاً عن النخب المحلية المرتبطة بمراكز النفوذ الدولية.

 

وبذلك أصبحت الدولة تبدو مستقلة من الناحية الشكلية، بينما تتراجع قدرتها الفعلية على اتخاذ قراراتها السيادية، لتتحول تدريجياً إلى جزء من منظومة عالمية تحدد أولوياتها الاقتصادية والأمنية والثقافية. وهنا تظهر إحدى أبرز مفارقات العصر الحديث ؛ فكلما ارتفع الخطاب العالمي حول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ازداد شعور قطاعات واسعة من الشعوب بالتهميش والعجز وفقدان القدرة على التأثير في مصيرها.

 

وفي هذا السياق برزت فلسفة جديدة للسيطرة على الدول الصغيرة والاستحواذ على مواردها الطبيعية وأراضيها الخصبة وثرواتها المعدنية ، حيث تعتمد هذه الفلسفة على نخب سياسية تُقدَّم بوصفها نماذج ديمقراطية، لكنها تصل إلى السلطة – وفق هذا المنظور – عبر انتخابات مزورة أو مفبركة ومدعومة بالمال السياسي والنفوذ الخارجي . وما إن تصل هذه النخب إلى الحكم حتى تُمنح صلاحيات واسعة تسمح باستخدام أدوات القمع والاعتقال والاغتيال والتعذيب والدعاية المضللة، الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف الدولة وتحويلها إلى كيان تابع أو هش ، وربما إلى تهديد وجودها ذاته.

 

ويُشار في هذا الإطار إلى ما جرى في أرمينيا وألبانيا والمجر وأوكرانيا وغزة والعراق ولبنان وسوريا ، حيث استُخدمت الأموال والنفوذ السياسي لتفكيك مؤسسات الدولة أو السيطرة على الأراضي والموارد الطبيعية، أو لتحويل بعض المناطق إلى ساحات مفتوحة للأزمات الإنسانية والهجرات القسرية.

 

ومن هنا تبرز أزمة الديمقراطية المعاصرة. فالديمقراطية الحقيقية لا تقوم على صندوق الاقتراع وحده، بل على حرية الإرادة السياسية للمجتمع وقدرته على الرقابة والمحاسبة. وعندما تتحول الانتخابات إلى وسيلة لإعادة إنتاج النخب ذاتها أو إلى أداة لتكريس النفوذ الخارجي، فإنها تفقد مضمونها الأخلاقي وتتحول إلى إجراء شكلي يمنح الشرعية للسلطة دون أن يمنح السلطة للشعب.

 

ولهذا يمكن القول إن أخطر أشكال الاستبداد في العصر الحديث ليست تلك التي تعلن نفسها ديكتاتورية صريحة، بل تلك التي ترتدي لباس الديمقراطية بينما تفرغها من مضمونها الحقيقي ، ففي هذه الحالة يصبح المواطن مجرد ناخب موسمي لا شريكاً فعلياً في صنع القرار، وتتحول الدولة إلى جهاز لإدارة الأزمات بدلاً من أن تكون إطاراً لتحقيق الإرادة العامة.

 

وقد تعزز هذا الواقع من خلال نظام دولي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية على أساس مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان، لكنه ظل عملياً خاضعاً لمنطق القوة ، فالقانون غالباً ما يُطبَّق على الضعفاء بينما يُستثنى منه الأقوياء، الأمر الذي خلق فجوة أخلاقية عميقة بين المبادئ المعلنة والممارسات الواقعية.

 

وفي ظل هذه المعادلة يصبح كل من يرفض أو يقاوم مشاريع الهيمنة عرضة للاختطاف أو التصفية أو الاعتقال أو التهجير. ويُشار في هذا السياق إلى شخصيات وقادة مثل Jacobo Árbenz في غواتيمالا، و Salvador Allende في تشيلي، وPatrice Lumumba في الكونغو، وYasser Arafat في فلسطين، وErnesto Che Guevara، وAbdullah Öcalan ، وRuhollah Khomeini وغيرهم.

 

وتقودنا هذه الظاهرة إلى إحدى أخطر مشكلات النظام الدولي المعاصر، وهي فلسفة الإفلات من العقاب. فالإفلات من العقاب ليس مجرد خلل قانوني، بل هو انعكاس لرؤية سياسية تعتبر أن القوة تسبق العدالة. ومع تكرار هذه القاعدة عبر العقود تتشكل ثقافة عالمية ترى أن الجرائم يمكن تجاوزها إذا ارتكبها الأقوياء، بينما يُطلب من الضحايا التكيف مع النتائج والقبول بالأمر الواقع.

 

إن هذه الفلسفة لا تقتل الأفراد فقط ، بل تقوض الثقة بالقانون وتضعف الإيمان بالعدالة وتدفع المجتمعات نحو اليأس أو العنف أو الانكفاء ، وفي المقابل ، فإن شخصيات حكمت بقبضة حديدية مثل Francisco Franco في إسبانيا، وAugusto Pinochet في تشيلي، وKenan Evren في تركيا، لم تخضع لمحاسبة تتناسب مع حجم الانتهاكات التي ارتبطت بفترات حكمها ، بل رحلت عن العالم دون أن تواجه عدالة كاملة.

 

ولعل النتيجة الأكثر مأساوية لهذه المنظومة تتجسد في الإنسان نفسه ، ففي خضم الصراعات الدولية الكبرى يتحول الإنسان إلى مجرد رقم في تقارير المنظمات الدولية أو مادة عابرة في نشرات الأخبار ، فالملايين من اللاجئين والنازحين وضحايا الحروب ليسوا مجرد نتائج جانبية للصراعات ، بل يمثلون التعبير الأكثر وضوحاً عن الأزمة الأخلاقية التي يعيشها النظام العالمي المعاصر.

 

لقد نجحت التكنولوجيا في تقليص المسافات الجغرافية بين البشر، لكنها أخفقت في تقليص الفجوة الأخلاقية بينهم ، فالعالم الذي يستطيع نقل مشاهد الحرب خلال ثوانٍ ما زال عاجزاً عن منع وقوعها ، والعالم الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان ما زال يشهد الحروب والمجاعات والاحتلالات وموجات النزوح الجماعي.

 

إن مواجهة الاستعمار الجديد لا تتحقق فقط عبر مقاومة الهيمنة السياسية أو العسكرية، بل تتطلب إعادة بناء فلسفة جديدة للعلاقات الدولية تقوم على المساواة بين الشعوب، واحترام حقها في تقرير مصيرها، وصون تنوعها الثقافي والحضاري. فالعالم يحتاج إلى نظام دولي يجعل العدالة قيمة حاكمة للعلاقات بين الدول، لا أداة انتقائية تخضع لموازين القوة والمصالح، كما يحتاج إلى إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه غاية في ذاته لا مجرد وسيلة في صراعات النفوذ الجيوسياسية.

 

إن مستقبل البشرية لن يتحدد فقط بميزان القوة، بل بقدرتها على بناء منظومة أخلاقية عالمية تعترف بكرامة الإنسان وحق الشعوب في الحرية والسيادة والعدالة. فبدون هذه القيم سيبقى العالم يدور في الحلقة ذاتها من الهيمنة والصراع وإعادة إنتاج المآسي، مهما تغيرت الأسماء والأدوات والشعارات.

 

هامو موسكوفيان
هامو موسكوفيان

ماجستير في الصحافة الدولية ماجستير في التاريخ (من جامعة يريفان الحكومية، أرمينيا) علم الآثار الأرمنية والسياسة الدولية في جامعة هايكازيان، بيروت، والجامعة الحكومية الرومانية، بوخارست مؤلف لأكثر من 3000 مقال، ومقابلات تلفزيونية، ومراسلات في حوالي 15 صحيفة ومجلة، وقنوات تلفزيونية في أربع قارات.

 

 

شارك