
رسالة إيران للمنطقة وللعالم:وحدة الساحات والمسار والمصير
كتب/. سعيد فارس السعيد
تشهد المنطقة مرحلة شديدة الحساسية والتعقيد، تتداخل فيها الحروب المفتوحة مع مسارات التفاوض، وتتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية مع تطلعات الشعوب الباحثة عن الأمن والاستقرار والكرامة.
وفي خضم هذه التحولات، تبدو الرسالة الأبرز الصادرة عن إيران وحلفائها في المنطقة مرتبطة بمفهوم
“وحدة الساحات”،
وهو المفهوم الذي جرى التأكيد عليه خلال سنوات طويلة باعتباره تعبيرًا عن ترابط المصالح والتحديات والمصائر بين مختلف ساحات الصراع في المنطقة.
غير أن التطورات الراهنة تطرح سؤالًا جوهريًا:
إذا كانت وحدة الساحات مبدأً للمواجهة والحرب، فهل يجب أن تكون أيضًا مبدأً للتفاوض وصناعة السلام؟
إن وحدة المسار والمصير لا يمكن فصلها عن وحدة الساحات. فالمبادئ السياسية تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تنعكس في المواقف العملية، وعندما تتحول الشعارات إلى سياسات ملموسة يشعر بها الناس في أمنهم واستقرارهم ومستقبلهم.
وفي هذا السياق، ترتفع أصوات شعبية وسياسية عديدة، خصوصًا في لبنان، مطالبة بأن تنعكس شعارات وحدة الساحات على أولويات المرحلة الحالية، بحيث يكون وقف إطلاق النار الشامل، وإنهاء الاعتداءات، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، في مقدمة أي مسار سياسي أو تفاوضي إقليمي.
فكثيرون يرون أن استمرار العمليات العسكرية والدمار والنزوح في الجنوب اللبناني، بالتزامن مع استمرار الاتصالات والمفاوضات الإقليمية والدولية، يثير تساؤلات حول مدى انسجام الخطاب السياسي مع الواقع الميداني.
كما أن استمرار أجواء عدم الثقة بين إيران والولايات المتحدة، وتباين المواقف السياسية مع الوقائع الميدانية، يعكس حجم التعقيد الذي يحيط بمستقبل المنطقة.
فالتوترات المتواصلة تشير إلى أن قواعد الاشتباك التقليدية لم تعد كما كانت، وأن معادلات الردع والمسارات السياسية تشهد تحولات متسارعة.
وفي الوقت نفسه، فإن أي اتفاق أمريكي – إيراني، مهما بلغت أهميته، لن يكون كافيًا وحده لإنهاء الصراعات المزمنة في المنطقة ما لم تُعالج جذور الأزمات الأساسية، وفي مقدمتها الاحتلال، وانعدام الثقة، وغياب التسويات العادلة، واستمرار مشاريع الهيمنة والتطرف من مختلف الجهات.
فما دام هناك من يتمسك بسياسات الإقصاء أو يرفض الاعتراف الكامل بحقوق الآخرين، وما دامت بعض القوى الإقليمية والدولية تستخدم الصراعات والتطرف لتحقيق النفوذ والمصالح، فإن أسباب التوتر ستبقى قائمة مهما تعددت الاتفاقات والتفاهمات.
فالسلام الحقيقي لا يتحقق عبر تفاهمات ثنائية فحسب، بل يحتاج إلى رؤية شاملة تقوم على احترام سيادة الدول، وحقوق الشعوب، والاعتراف المتبادل، والتنمية، والعدالة، ورفض التطرف والتعصب بكل أشكاله.
أما لبنان، الذي يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي، فإنه يمثل نموذجًا واضحًا لارتباط الأمن الإقليمي بالاستقرار الداخلي.
فاستمرار الاحتلال والتوترات العسكرية لا ينعكس على الجنوب وحده، بل يطال الاقتصاد والدولة والمجتمع ومستقبل الأجيال اللبنانية.
ومن هنا، يرى كثير من اللبنانيين أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، والتوصل إلى وقف شامل ومستدام لإطلاق النار من جميع الأطراف، يشكلان المدخل الأساسي لأي استقرار حقيقي، وأي حوار وطني جامع، وأي مشروع لإعادة الإعمار واستعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها.
كما أن احترام الشعارات السياسية والعمل بمضامينها يبقى المعيار الحقيقي للمصداقية. فالشعوب لا تحاسب الدول والقوى السياسية على قوة الخطابات، بل على مدى التزامها العملي بالمبادئ التي ترفعها، وعلى النتائج التي تنعكس على حياة الناس وأمنهم واستقرارهم.
إن التحدي الحقيقي أمام إيران اليوم، كما أمام مختلف القوى الإقليمية والدولية، لا يتمثل فقط في نجاح أو فشل المفاوضات الجارية، بل في مدى القدرة على تحقيق الانسجام بين الخطاب السياسي والممارسة العملية، وبين الشعارات المرفوعة والقرارات المتخذة على أرض الواقع.
فإذا كانت وحدة الساحات قد شكلت عنوانًا للمواجهة، فإن وحدة المسار والمصير ينبغي أن تتحول إلى عنوان للسلم أيضًا.
وإذا كانت الساحات مترابطة في الحرب، فمن الطبيعي أن تكون مترابطة في صناعة الحلول والتسويات.
إن المنطقة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الحروب والدمار، بل إلى شجاعة سياسية تفتح أبواب التسويات العادلة، وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على العدالة والكرامة والاحترام المتبادل والتنمية والسلام.
فلا معنى لوحدة المسار والمصير إذا انفصلت عن وحدة الساحات، ولا قيمة لوحدة الساحات إذا لم تتحول إلى التزام عملي وأخلاقي وسياسي عند اشتداد الأزمات.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”


