أمن المنطقة هو مسؤولية دول وشعوب المنطقة..ولتتوقف المفاوضات نهائياً

 

 

كتب: سعيد فارس السعيد

 

إن أمن المنطقة وأمن ممراتها المائية الاستراتيجية يجب أن يكون أولاً وأخيراً مسؤولية شعوب ودول المنطقة نفسها، بعيداً عن التدخلات والصراعات الدولية التي حوّلت الشرق الأوسط لعقود طويلة إلى ساحة تنافس للمحاور والقوى الكبرى.

 

فالتصريحات الأخيرة حول مضيق هرمز أعادت فتح النقاش حول العلاقة بين السيادة الوطنية وحرية الملاحة الدولية، وهي قضية لا يمكن مقاربتها بمنطق الغلبة أو فرض الإرادات، بل من خلال تحقيق توازن عادل بين حقوق الدول المشاطئة ومصالح المجتمع الدولي.

 

إن لإيران وعُمان حقوقاً سيادية مشروعة بحكم موقعهما الجغرافي وإشرافهما المباشر على المضيق، كما أن لدول الخليج والعالم مصلحة مشروعة في ضمان استمرار الملاحة والتجارة الدولية دون تهديد أو تعطيل. ولذلك فإن المصلحة الحقيقية للجميع لا تكمن في الصراع على التوصيفات القانونية أو السياسية، بل في بناء تفاهمات إقليمية ودولية تضمن الأمن والاستقرار وتحفظ الحقوق المتبادلة.

 

فالمنطقة بثرواتها الهائلة وموقعها الجيوسياسي الفريد وممراتها البحرية الحيوية ليست مجرد مساحة جغرافية تتنافس عليها القوى الكبرى، بل هي موطن لشعوب عريقة تمتلك الحق الكامل في تقرير مستقبلها وصياغة منظومة أمنها واستقرارها وفق مصالحها الوطنية والقومية المشروعة.

 

ومن هنا فإن أمن المنطقة وأمن ممراتها المائية الاستراتيجية يجب أن ينطلق من إرادة دولها وشعوبها، وأن يقوم على التعاون الإقليمي واحترام السيادة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يضمن استقراراً دائماً يخدم الجميع.

 

ولا تقتصر مصلحة استقرار الخليج والشرق الأوسط على شعوب ودول المنطقة وحدها، بل تمتد لتشمل أوروبا والولايات المتحدة والصين وروسيا وسائر القوى الدولية، نظراً لما تمثله المنطقة من أهمية استراتيجية للاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتجارة الدولية. ولذلك فإن من مصلحة الجميع أن يبقى الشرق الأوسط عموماً ومنطقة الخليج خصوصاً بعيدين عن سياسة المحاور والأحلاف والصراعات الدولية.

 

فاستقرار المنطقة لا يتحقق عبر تحويلها إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى، بل عبر دعم استقلال قرارها السياسي وتعزيز التعاون بين دولها.

 

وكلما ابتعدت المنطقة عن سياسة الأحلاف المتصارعة واقتربت من سياسة التوازن وعدم الانحياز والشراكات المتكافئة مع الجميع، ازدادت فرص الاستقرار والتنمية والسلام.

 

إن تحويل الخليج إلى منطقة خارج المحاور والأحلاف الدولية لا يعني العزلة عن العالم، بل يعني إقامة علاقات متوازنة ومتساوية مع مختلف القوى الدولية على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بعيداً عن التبعية والاستقطاب. فدول المنطقة قادرة على أن تكون جسراً للتواصل والتعاون بين الشرق والغرب، لا ساحة للمواجهة بينهما.

 

لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الارتهان للمحاور الخارجية لم يحقق استقراراً دائماً، بل أدى في كثير من الأحيان إلى تعميق الانقسامات وإطالة أمد الصراعات واستنزاف موارد الشعوب. أما الأمن الحقيقي والمستدام فلا يُبنى إلا بإرادة أبناء المنطقة أنفسهم، وبالتعاون بين دولها على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

 

سيادةٌ محترمة، وملاحةٌ آمنة، ومصالحُ متبادلة، وسلامٌ قائمٌ على التوازن والعدالة، لا على القوة والهيمنة وفرض الإرادات. تلك هي المعادلة التي تحتاجها المنطقة إذا أرادت أن تنتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار.

 

فكلما نجحت دول المنطقة في تحصين قرارها الوطني المستقل، وتعزيز التعاون فيما بينها، تراجعت فرص الصراع الخارجي على أرضها، وتحولت ثرواتها وممراتها الاستراتيجية من أسباب للتنافس والنزاعات إلى أدوات للتنمية والازدهار والسلام.

 

إن مستقبل الخليج والشرق الأوسط يجب أن يُبنى بإرادة شعوبه ودوله، وأن يقوم على التعاون والتوازن وعدم الانحياز، لأن أمن المنطقة هو مسؤولية دول وشعوب المنطقة أولاً، ولأن استقرارها يمثل مصلحة مشتركة للعالم أجمع.

 

لتتوقف المفاوضات نهائياً

 

 

إن استمرار التناقضات في المواقف، ونكث العهود والاتفاقيات، وعدم احترام قواعد القانون الدولي، واللجوء إلى سياسة الإملاءات وفرض الأمر الواقع بالقوة، وما نتج عن ذلك من خسائر بشرية جسيمة ودمار واسع وانتهاك لحقوق الشعوب وثرواتها، يفرض إعادة تقييم جادة لجدوى أي مسار تفاوضي لا يستند إلى الاحترام المتبادل والالتزام الصادق بالمواثيق الدولية.

 

فالتفاوض ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة للوصول إلى حلول عادلة ومتوازنة تحفظ الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية. أما عندما يتحول إلى غطاء لاستمرار الضغوط أو لتكريس اختلال موازين القوة، فإنه يفقد الكثير من مبرراته السياسية والأخلاقية.

 

وفي ظل هذه المعطيات، يرى كثيرون أن وقف المفاوضات نهائياً مع إدارة لا تلتزم بمتطلبات العدالة والوفاء بالتعهدات واحترام القانون الدولي، قد يشكل رسالة سياسية وأخلاقية واضحة إلى صناع القرار وإلى الرأي العام الأمريكي والعالمي، مفادها أن السلام الحقيقي لا يُبنى على القوة والإملاءات، بل على احترام الحقوق والسيادة والكرامة الإنسانية.

 

كما أن هذه الرسالة لا تستهدف شعباً بعينه، بل تتوجه إلى الشعوب كافة، وفي مقدمتها الشعب الأمريكي التواق إلى الحرية والعدالة والسلام، لتؤكد أن العلاقات الدولية السليمة لا يمكن أن تقوم على ازدواجية المعايير أو على تغليب المصالح الضيقة على المبادئ الإنسانية والقانونية.

 

إن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى نظام دولي يقوم على الاحترام المتبادل والالتزام بالعهود والاتفاقيات، وإلى إرادة سياسية تضع الإنسان وكرامته وحقوقه فوق اعتبارات الهيمنة والنفوذ والصراع.

 

فكرامة الشعوب ليست موضوعاً للتفاوض، وحقوق الأمم لا تُقاس بموازين القوة، والسلام المستدام لا يتحقق بالإكراه، بل بالعدالة والاعتراف المتبادل والالتزام الصادق بالقانون الدولي.

 

إن وقف المفاوضات في ظل غياب هذه الأسس ليس رفضاً للسلام، بل دعوة إلى سلام حقيقي قائم على الندية والاحترام المتبادل، وعلى حق جميع الشعوب في الحرية والسيادة والعيش الكريم.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل

“صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.”

شارك