شِفْرَاتُ سُورَةِ فَاطِر هَيْبَةُ المَلَكُوتِ وَشِفْرَةُ الفَتْحِ الإِلَهِيِّ

 

 

واحدة من أعظم سور القرآن الكاشفة لعظمة الصنع، وقوة الخلق، وجبروت التدبير سورة فَاطِر

 

هذه السورة هي كتالوج اليقين الذي يخلع قلوب الإنس والجن مهابة نزلت لتخاطب الإنسان الضعيف وتذكره بحجمه الحقيقي في هذا الكون، وتعرض أمامه شفرات القوة الخفية التي تُدير السماوات والأرض

 

تعالوا نفصّص مشاهد هذه السورة العظيمة في رحلة تتدبر تفاصيلها لأول مرة لأنها مرجع حقيقي لحياتنا:

 

المشهد الأول

 (القوة العسكرية للملائكة.. خَلْقٌ يَفُوقُ الخَيَالَ):

 

تبدأ السورة بزلزال كوني مدهش وقَسَم رباني عظيم يُبين لغة القوة في الخلق:

 

(الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

 

بُص على التفاصيل..

فاطر” في اللغة تعني المبتدع والخالق من العدم على غير مثال سابق وبأحكم نظام وأقوى صورة. ثم يأخذنا النص القرآني لوصف الجند الخفيين:

ملائكة أصحاب أجنحة ضخمة هائلة تطوي المسافات الكونية بين السماوات والأرض في لمح البصر لتنفيذ الأمر الإلهي؛ منهم من له جناحان، ومنهم ثلاثة، ومنهم أربعة..

 

ثم تفتح الآية السقف تماماً:

 (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ)

وهي الشفرة المفتوحة التي تبين أن قوة خلق الله ليس لها سقف أو حدود بشرية!

 

هل تتخيل حجم هذه القوة؟ 

في الحديث الشريف أن النبي ﷺ رأى جبريل عليه السلام في صورته الملائكية وله 600 جناح قد سدّ الأفق من مشرق الأرض إلى مغربها! ملك واحد يسد السماء وعظم خلقه مسيرة مئات السنين، فكيف بالكون كله؟

 

هذا الخلق الجبار ليس له إلا وظيفة واحدة خضوع تام واجمون خائفون أمام جلال الله، وتنفيذ فوري للأمر الإلهي بدون نقاش.

 

المشهد الثاني

 (شفرة الخزائن المغلقة والعلاج النفسي للأزمات)

 

بعد استعراض القوة الملائكية وعظمة الخلق، تنزل السورة بقانون يمثل أقوى مهدئ نفسي وعلاج على وجه الأرض:

 (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)

 

هذه الآية هي شفرة الرزق والفرج والقبول الله يقول لك:

 

المفاتيح بيدي وحدي إذا أراد الله أن يفتح لك باباً للرزق، أو الشفاء، أو الزواج، أو الشغل، أو النجاح لو اجتمع جنود الأرض والسماء وأقوى قوى الكوكب ليغلقوا هذا الباب في وجهك، فلن يستطيعوا!

 

وعلى العكس إذا أمسك الله غيثه أو توفيقه عن أحد، لو بذل البشر كل أموالهم وطاقتهم ليفتحوا له باباً، فلن يجد إليه سبيلاً.

 

ارفع عينك عن البشر وعن الأسباب المادية مديرك في الشغل، واسطتك، ظروف البلد، الديون المحاصراك.. كل هذه تفاصيل تافهة أمام شفرة

(مَا يَفْتَحِ اللَّهُ)

لا تطلب الفتح إلا من الفتّاح، وإذا أُغلق في وجهك باب، فاعلم أن وراء الإمساك حكمة بالغة من العزيز الحكيم

 

المشهد الثالث 

(شفرة الغرور والخداع البشري)

 

الكون يسير بقوة جبارة والإنسان يعيش في وهم القوة والخلود! هنا تطلق السورة تحذيراً شديد اللهجة

 (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)

 

“الغرور بفتح العين هو الشيطان، وشفرته الأخطر في خداعك هي التأجيل والمقارنة يجعلك ترى الحرام سهلا ويتريق على التزامك ويشككك ويقول لك:

 

ما زلت شاباً، استمتع بحياتك ثم توب انظر إلى الناس كلهم يفعلون ذلك! ثم تكشف السورة حقيقة المعركة بوضوح:

(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)

 

هو لا يريد لك السعادة بل يريدك معه في نفس المصير السام ليكون أتباعه من أصحاب السعير

 

المشهد الرابع

 (شفرة البحرين وإتقان الصنع الإلهي)

 

تأخذنا السورة فجأة إلى مشهد طبيعي نراه بأعيننا ولكننا لا ندرك شفرته العميقة:

 

(وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ۖ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا)

 

بحر عذب طيب سائغ شرابه، وبحر مالح مرّ كالأجاج لا يُطاق يقفان جنباً إلى جنب بينهما برزخ لا يبغيان. ورغم اختلاف طبيعتهما التام والكامل إلا أن كلاً منهما يخرج لك نفس الرزق السمك الطازج (لحماً طرياً) واللؤلؤ والمرجان (حلية تلبسونها).

 

اللقطة دي بتنزل بالملّي على أحوال البشر وحياتك! قد يسوق الله لك الرزق والخير في وسط الظروف “العذبة” المريحة السهلة، وقد يخرج لك نفس الرزق والنجاح والتميز من وسط الظروف “المالحة” القاسية والأزمات الخانقة

إتقان الصنع الإلهي قادر على إخراج الجمال والخير من قلب المعاناة.

 

المشهد الخامس

 (شفرة أقسام البشر مع المنهج والقرآن)

 

بعد أن استعرضت السورة عظمة الكون والملائكة، تقسمنا إلى ثلاثة أصناف في التعامل مع هذا المنهاج الإلهي والقرآن:

 

 (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ)

 

بُص في المرآة الآن وحدد من أي صنف أنت

 

ظالم لنفسه: 

وهو المسلم الذي يرتكب الذنوب ويقصر في بعض الواجبات، مغلوب أمام شهواته ونفسه.

 

مقتصد:

وهو الذي يفعل الواجبات ويترك المحرمات، لكنه لا يجتهد في النوافل والطاعات الإضافية (يسير على الحافة).

 

سابق بالخيرات:

طاقة إيمانية متحركة، لا يترك فرضاً، ويسارع في النوافل، وقلبه معلق بالملكوت والخير.

 

والعجيب والجميل أن السورة بشرت الأصناف الثلاثة بجنات عدن يدخلونها إن ماتوا على التوحيد لتريك رحمة ومغفرة فاطر السماوات والأرض

 

المشهد السادس

 (سُنَّةُ الاسْتِبْدَالِ وَقَانُونُ المَكْرِ)

 

تختم السورة بوضع النقاط فوق الحروف وتحذير الطغاة والظالمين والمخادعين في كل العصور بقانون كوني صارم:

 

 (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ).

 

أي شخص يمكر يغش يظلم، أو يستغل قوته ونفوذه ليدوس على الضعفاء، فإن مكره هذا كالقنبلة الموقوتة التي ستدور الدوائر وتنفجر في وجهه هو في النهاية!

 

ثم يهدد الله البشرية كلها بآية تظهر مدى قوته وغناه المطلق عنا وعن عباداتنا:

 

(إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)

الله ليس بحاجتنا بكلمة “كُن” يغير الكوكب بمن فيه، ولكنه يمهلنا برحمته الواسعة

 

(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ).

 

مِسْكُ الخِتَامِ:

 

سورة فاطر هي دعوة صريحة لخلع ثوب الكبر والغرور البشري عندما تتأمل قوة الملائكة الموكلة بالكون، وشفرة الفتح الإلهي للرحمة والرزق التي لا يملكها بشر، وإتقان الصنع في البحرين.. تدرك أنك لا شيء بدون الله

 

فاطر السماوات والأرض قادر على فَتْح خزائن رحمته وفك كربك وحاجتك الآن فارفع يدك له وافتح له قلبك وانضم فوراً لـ “السابقين بالخيرات

 

وقفة أخيرة قبل أن تغادر

 

تذكّر أن الملائكة التي تملأ السماوات قوةً وعظمةً لا تعصي الله طرفة عين، وأن الأبواب التي أغلقت في وجهك قد تُفتح بأمرٍ واحد من رب العالمين، وأن الدنيا التي يتقاتل الناس عليها ستُطوى يوماً وكأنها لم تكن.

 

لا تغتر بقوةٍ تملكها، ولا بمنصبٍ وصلت إليه، ولا بمالٍ جمعته، فكم من قوي صار ضعيفاً، وكم من غني أصبح فقيرا وكم من متكبّرٍ صار خبراً بعد عين

 

إن كنت اليوم على طاعة فاثبت، وإن كنت مقصراً فبادر وإن كنت بعيداً فعد فباب الرحمن ما زال مفتوحاً، والعمر الذي مضى لن يعود، والصفحة التي تُغلق من كتاب حياتك لن تُفتح مرة أخرى

 

فقبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه ندم اجعل لك نصيباً من القرآن، ونصيباً من الذكر، ونصيباً من الاستغفار، واسأل نفسك بصدق

 

إذا وقفت بين يدي الله الليلة فبأي عمل ستلقاه؟

 

اللهم اجعلنا من السابقين بالخيرات ولا تجعلنا من الغافلين واختم لنا بخير واجعل آخر كلامنا من الدنيا

لا إله إلا الله محمد رسول الله.

 

 

 

 

شارك