
إيران بين خطابين في التاريخ السياسي المعاصر: بناء الأمة وبناء القومية
فشلت الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران في تحقيق هدفها بإسقاط النظام أو إضعافه بشكلٍ حاسمة ، بل يبدو، أنها أدّت إلى نتيجة معاكسة ، تمثَّلت في بدء ظهور تشكُّل لدولة إيرانية جديدة متماسكة أكثر، ولديها ثقة وقدرة على التكيّف ، للحرب بدلاً من الإنهيار، وتحوّلاً عميقاً في بُنية القيادة والدولة والمجتمع، بل ربما يؤدِّي ذلك الى تعزيز مكانة إيران الإقليميّة، من خلال إعادة صياغة رؤيتها لدورها في الشرق الأوسط والعالم، بعد أن كان النظام الإيراني على مدى أكثر من أربعة عقود، يرفض الحديث عن الهُوية الوطنية للإيرانيين، بإطلاق مشروع منهجيٍّ، حوَّل بشكل واضح مفهوم ما سمَّاه بالأمة الإسلامية وتصدير الثورة الإيرانية إلى العالم، بعد سلسلة من الأزمات والحروب والحصار، خصوصاً بعد الهجوم الإسرائيلي، في توجُّهاته من خلال طرح بعض المفاهيم المتعلِّقة بالقومية.
أول إرهاصات هذا التوجُّه، برزت في خطاب المرشد علي خامنئي قبيل إغتياله بعد الهجوم الإسرائيلي، عبر السماح بأداء النشيد الوطني السابق خلال مراسم دينية رسمية، وإستخدام رموز من الأساطير التاريخية الإيرانية مثل شابور الساساني، لترسيخ الشعور بالوطنية في البلاد، ليبدو أن هذا التحوُّل في الخطاب، ناتج من مراجعة داخلية تبدو حقيقية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الشرعية، التي تعرَّضت للكثير من التساؤلات والإستفهامات.. فما هو أصل وجذر هذا التحوُّل، وتبِعاته، وهل هناك خِشية للنظام من تشكيل هُوَّة بينه وبين الشعب..؟
إنَّ أول الركائز التي بُني عليها النظام الإيراني منذ بدء الثورة، كان رفضه المظاهر القومية، والتقليل من حضورها وقيمتها التاريخية، وإستمرَّ ذلك مع تأسيس النظام من قبل الإمام الخميني، وبقي حتى بعد وفاته لأعوام طويلة، فالخميني يعتبر أن القومية لا تتعارض مع الإسلام فقط، بل هي آفة تهدِّد وحدة الأمة الإسلامية بحسب رأيه، وعليه فهو كان ينظر الى الشعب كمفهوم علماني مستورَد من الغرب يتناقض مع مفهوم الأمة الإسلامية، على إعتبارها كياناً عابراً للحدود وموحداً عالمياً، وعليه لم تكُن للحدود الجغرافية أهمية كبيرة، وكان يعتبر أنَّ ثورة عام 1979 لا تخصُّ إيران وحدها، بل كانت شرارة العالم الإسلامي كلّه، فبناء الأمة الإسلامية، وتعزيز الروابط بين المسلمين في مختلف الدول، كان هدفاً أساسياً بالنسبة إلى النظام الجديد في البلاد.
في المقابل، كانت مفاهيم مثل الهوية القومية مهمَّشة، ومرفوضة في الخطاب الرسمي، حتى المؤسسات الإعلامية والثقافية الرسمية، حاولت تهميش رموز وطنية تاريخية، مثل أعياد النوروز وكوروش الكبير وغيرها من المناسبات التاريخية، وكان هناك محاولات لأسْلمة بعض المفاهيم الوطنية، وهو موقف ليس بتوجُّه إيديولوجي، بل كان أسلوباً لتبرير السياسات الإقليمية للنظام فيما بعد، مثل دعم الجماعات العابرة للحدود وتصدير الثورة، وحماية المقدسات وتحرير القدس، وهذا سمح بالتدخل في شؤون دول المنطقة، تحت مِظلَّة خطاب الأمة الإسلامية، وبذلك، ومن خلال رفض القومية، تمَّ إنتاج خطاب بعيد عن الإلتزامات الوطنية الداخلية، خدمة لتوجُّهات مثالية عابرة للحدود.
فعلى مدى أكثر من 30 عاماً من الحكم المطلق، وبالإعتماد على مبدأ ولاية الفقيه المطلقة، والأدوات الأمنية والعسكرية والإعلامية، تواصل مشروع بناء الأمة بتنظيم الهيكل السياسي للنظام الإيراني، وجعل كلّ المؤسسات بسلطاتها الثلاث مع القوات المسلحة والهيئات الثقافية، خاضعة لسلطة المرشد المباشرة، فالدستور في المادة 110 قد منحته صلاحيات واسعة، لكنه في الواقع قدّم نفسه كسلطة فوق القانون، وممثلاً لحكم الله على الأرض، لتصبح طاعته هي طاعة الله، ومع هذه الصلاحيات المتعدِّية لحدود القانون، تقدَّست الصفة الدينية على موقع الوليّ الفقيه، فتأسَّس وتوسَّع مشروع الأمة الإسلامية وفي تصدير الثورة، أو ما يُعرف بمحور المقاومة، الممتد من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن وأفغانستان، وتولَّى فيلق القدس تنفيذ هذا التوسُّع، وفي وقت ذاته تواصلت مهاجمة المفاهيم القومية في البلاد، وتهمَّشت الهُوية الإيرانية، كما أفسح المجال لتدمير الرموز القومية أيضاً، بإعتماد جهاز دعائي ضخم، شمل الإعلام الرسمي والحوزات الدينية، والقنوات الفضائية الخارجية، لترسيخ نموذج خاص من الإسلام السياسي، حيث تمَّت التضحية بالمصلحة الوطنية مرات عدة، لمصلحة ما سُمِّي مصلحة الأمة الإسلامية، عبر إنفاق مليارات الدولارات في سوريا، إضافة إلى الدعم المالي والعسكري لحماس وحزب الله، وفرض عقوبات مدمِّرة بسبب الإصرار على المشاريع النووية والصاروخية، ورغم الأزمات الإقتصادية والسُّخط الشعبي الواسع، لم يتمّ التراجع عن السياسات العابرة للحدود.
الولاء ومصدر الشرعية
فهناك تناقض فاضح وبارز، في إعادة إنتاج بناء الأمة والقومية في التاريخ السياسي المعاصر للعالم الإسلامي، بخاصة في دولة مثل إيران، حيث يعتمد بناء الأمة على الرؤية الإسلامية للعالم، بغضِّ النظر عن الحدود الجغرافية أو العرق أو اللُّغة، فالكلُّ أعضاء في كيان عالمي واحد يُسمَّى أمَّة الإسلام، وفيه يتكرَّس الولاء الديني بدَلَ الولاء الوطني، وتُعتبر الحدود والأعلام والهويات الوطنية، عائقاً أمام تشكُّل الوحدة الإسلامية، وتستمد الدول التي تعمل في إطار بناء الأمة، شرعيتها من الشريعة والوصاية الدينية، وتعتبر نفسها ملتزمة مصالح العالم الإسلامي، وليس فقط مصالح بلدها، بينما تستند القومية إلى مفاهيم حديثة في بناء الدولة القومية، وضمن هذا الخطاب تُعدُّ الأمة مجموعة من الناس، الذين تجمعهم لغة وتاريخ وثقافة وأرض ومصالح مشتركة، والدولة هي ممثِّلهم السياسي الشرعي. فالولاء للأمة وإحترام السيادة الوطنية والدفاع عن المصالح الوطنية، وقبول الحدود الرسمية للبلاد، تُعَدُّ مبادئ أساسية للقومية، والهوية الوطنية لها شرعية الدولة الصادرة من إرادة الشعب، وليس من تفسير ديني للسلطة، ويَكْمُن الإختلاف الجوهري بين الخطابين أيضاً، في نوع الولاء ومصدر الشرعية، فبناء الأمة يدعو إلى تحطيم الحدود بإسم الوحدة، بينما تعمل القومية على تعزيز الإهتمام بما هو داخل الحدود والهوية الوطنية، وبينما يعطي بناء الأمة الأولوية لمصالح المسلمين حول العالم، حتى لو تعارَض ذلك مع المصالح الوطنية للبلاد، تقوم القومية السياسية على مبدأ خدمة الأمة، وكثيراً ما كان هذان الخطابان يشكِّلان صراعاً محتدماً في النظام الإيراني، أحدهما يسعى إلى توسيع الإسلام السياسي خارج حدوده، والآخر يسعى للحفاظ على إيران كوطن تاريخي وثقافي وسياسي للإيرانيين.
ولذلك أتت النتائج معاكسة اليوم، لما أرادته وعملت عليه إيران طيلة عقود طويلة، فسياسات النظام الإسلامي لم تؤدِّ إلى توحيد المسلمين، بل عملت على توسيع النفوذ الفكري للمرشد الأعلى، وكذلك السياسات لم تُساعد في تضامن الأمة الإسلامية، بل عمَّقت أيضاً الإنقسامات الطائفية والإقليمية في الشرق الأوسط، وعلى مدى أربعة عقود، أنْفقت إيران من ثرواتها الوطنية مبالغ هائلة، على سياسات عابرة للحدود، من دعم للفصائل العسكرية والسياسية، وتمويل الحروب بالوكالة، وبناء مشاريع التسلُّح والدعاية الإيديولوجية في المنطقة، وهو ما أدَّى الى إنحراف الدولة عن مسار التنمية الوطنية والرفاهية العامة، وأصبحت دولة بإقتصاد منهار، وصار المجتمع منهكاً من السياسة الخارجية المحفوفة بالأخطار.
التحول في البناء القومي
النتيجة الأهمّ للحرب اليوم، لم تكن في صمود الجمهورية الإسلامية العسكريّ، بل بالتحوّل الذي أصاب طبيعة النظام، وبدلاً من كسر هيبتها، فقد حوّلتها الحرب بل ومكَّنتها من البقاء وتحقيق مزايا إستراتيجيّة جديدة، بعد أن كان عليها التكيُّف والتدوير والإبتكار، وتعمل على تغيير أساليبها في خوض الحرب وفي إدارة الدولة، وتدبير شؤون المجتمع، فهذه الحرب على إيران، لم تحقّق هدفها المتمثّل في إسقاط الجمهوريّة الإسلاميّة، أو في إضعافها بصورة حاسمة، بل أدّت إلى نتيجة معاكسة، حيث هناك ظهور لجيل جديد من أبناء الطبقة السياسيّة والقوى المسلّحة الإيرانيّة التي تُدير البلاد، وهو من الجيل الثالث من الثورة، الذي لم يتشكّل الوعْي السياسيّ لديه خلال الثورة الإسلاميّة عام 1979 ، أو خلال الصراع مع نظام الشاه، بل نشأ جيل داخل مؤسّسات الجمهوريّة الإسلاميّة نفسها، ويرى اليوم نفسه على أنه يدير الدولة أكثر من كونه حارساً لمشروعٍ ثوريّ، ويشغل هذا الجيل الآن مناصب رئيسة في صناعة القرار، ونظرته القوميّة للحكم والأمن، تُعيد تعريف الجمهوريّة الإسلاميّة، عبر تبنِّي ثقافة تكنوقراطيّة منظّمة، ورؤية إستراتيجيّة عمادها الدفاع الوطنيّ، وليس الإيديولوجية الثوريّة، فهؤلاء يحكمون بثقة قادة، يعتقدون أنّهم دافعوا بنجاح حتى الآن عن إيران، في حربَين ضدّ أعْتى قوى متفوّقة عسكريّاً في العالم، وحقَّقوا ما وعدت به الثورة فقط، وهو الإضعاف الحقيقيّ للنفوذ الأميركيّ في الشرق الأوسط.
فلقد أُعِيد تنظيم مراكز القوّة، ضمن هيكل أكثر تماسكاً على ما يبدو في المجال العسكريّ الإيراني، وتمَّ إنشاء مجلس دفاع أعلى لتسريع هذا التكيّف، وتحوّلت القوّات المسلّحة، إلى شبكة عمليّات مرنة، تُشبه تنظيمات حرب العصابات أكثر من الجيوش التقليديّة، بحيث تستطيع مواصلة العمل حتّى في حال فقدان كبار القادة، وبدلاً من تركيز قدراتها الصاروخيّة في مواقع محدّدة، عَمَدت إلى توزيع منصّات الإطلاق على نطاق واسع، وأشركت فرق هندسيّة في إصلاح المنشآت المتضرّرة بسرعة، مستخدمين أسراب الطائرات المسيّرة الرخيصة، لإستنزاف الدفاعات الجوّيّة الأميركيّة والإسرائيليّة وفتح المجال أمام الصواريخ الدقيقة لضرب أهداف إستراتيجيّة، لقد إستنتجت القيادة الإيرانيّة، من أنّ النجاح لا يتحقّق فقط بتحمّل الضربات، بل أيضاً بإفشال أهداف الخصم وإطالة أمد الحرب، فقد مكّنت هذه الإجراءات إيران من مواصلة القتال لفترة أطول ممّا توقّعه خصومها.
تفوُّق السياسة على الإيديولوجيا
من هنا، بدأت الدولة الإيرانية العمل على إعطاء الأولويّة لفنّ إدارة الدولة والمصالح الإستراتيجيّة، متجاوزةً الشعارات الإيديولوجيّة، فهي وبدلاً من محاولة منافسة الولايات المتّحدة وإسرائيل في مجالات التفوّق التكنولوجيّ، ركّزت على إستهداف البنية التحتيّة للمعلومات، والإنذار المبكِّر والرادارات، بهدف إرباك إتّخاذ القرار لدى الخصوم، وكانت تجربة مضيق هرمز شاهد إثبات، بأنّ إيران ليست بحاجة إلى قوّة بحريّة تقليديّة، كي تفرض سيطرتها على الممرّات البحريّة، فهي إعتمدت على عقيدة قتالية قوامها، الحرب غير المتكافئة وإستغلال نقاط ضعف الخصوم، فتحوّل المضيق من ممرّ دوليّ مضمون أميركيّاً إلى ورقة نفوذ إيرانيّة، كذلك تحقَّقت نتائج مهمّة عبر تعميق الشراكة مع الصين، فهي ترى في بكّين الشريك الأكثر موثوقيّة، لإعادة الإعمار والتعافي الإقتصاديّ، وقد إستخلصت دروساً مهمَّة على الصعيد الاقتصاديّ، بإعتبار أنّ التدهور الإقتصاديّ هو ما يمثّل الخطر الأكبر على إستقرار النظام، ولذلك سارعت بعد وقف إطلاق النار، لإطلاق إصلاحات إقتصاديّة ومشاريع لإعادة بناء البنية التحتيّة، في محاولة لإرساء شرعيّة جديدة، تقوم على الكفاءة والإنجاز بدلاً من الشعارات الإيديولوجيّة التي صارت خلف الشعب الإيراني.
عقد إجتماعي جديد
فقبل الحرب، كانت إيران تعاني إنقساماً داخليّاً عميقاً بعد الإحتجاجات الواسعة، وكان كثيرون يتوقّعون أن تؤدّي هذه الحرب إلى زيادة الغضب الشعبيّ، لكنّ الحرب، يبدو أنها غيّرت المشهد السياسيّ بشكل واضح، كما غيّرت من طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويبدو أن القصف الواسع والتهديدات الأميركيّة والإسرائيليّة، قد أثار ردّات فعل قوميّة، تجاوزت الإنقسامات السياسيّة، فقد بقيت مشاعر الغضب تجاه النظام، لكنّ الأولويّة أصبحت الدفاع عن البلاد في مواجهة التهديد الخارجيّ، وبدلاً من إندلاع إحتجاجات ضدّ الدولة، شهدت البلاد مَسِيرات داعمة للمجهود الحربيّ، ومبادرات شعبيّة لحماية البُنية التحتيّة، وصارت قطاعات من المجتمع، تنظر إلى القوّات المسلّحة بأنها المدافع عن البلاد، وليست أدوات قمع فقط، هنا يمكن القول، أنَّ البلاد دخلت حرباً وطنيّة، وأنَّ هناك هويّة جديدة آخذة في التشكّل، فالحرب كانت لحظة تأسيسيّة لجمهوريّة إسلاميّة مختلفة عن تلك التي نشأت عام 1979، وقد أوْجد هذا التحوّل، ما يُمكن تسميته بالعقد الإجتماعي الجديد، ففي السابق إستندت شرعيّة النظام إلى الثورة الإسلاميّة، أو الى إعادة توزيع الثروة، أو وعود النموّ الإقتصاديّ ورفع العقوبات، أمّا اليوم، فالبلاد أمام صفقة قوميّة تكنوقراطيّة واضحة للعيان، تستند فيها شرعيّة الدولة إلى قدرتها الردعية في الدفاع عن البلاد وإعادة بنائها، فالشروط هنا قومية وليست إسلامية، وهذا ما شهدناه بإنتاج وسائل الإعلام الحكوميّة محتوى طبيعيّاً غير مصطنع، حول صور النساء المحجّبات وغير المحجّبات، تسير جنباً إلى جنب، ويصوّر الهويّة الإيرانيّة على أنّها ثقافيّة وليست دينيّة صرفة، وهذا المحتوى إستهدف شرائح المجتمع كالشباب والطبقة الوسطى الحضرية.
إيران ليست اليوم أمام جدلية تحرير، لكن الدولة تقرّ الآن، بحاجتها إلى قاعدة إجتماعيّة أوسع بكثير ممّا يمكن أن توفّره الإيديولوجية الإسلاميّة وحدها، وباتت الجمهوريّة الإسلاميّة، تتَّجِه بشكل متزايد، لتبدو أقلَّ شبهاً بالثيوقراطيّة الدينية، وأكثر شبَهاً بدولة قوميّة يمينيّة مُشْبعة بالإستبداد، لأنَّ الطبيعة القومية تنحو هذا المنحى المتشدِّد في الضبط الشعبي والولائي، لكن لا تزال الإيديولوجية الإسلاميّة قائمة، لكنّها تخضع لضرورة التماسك الوطنيّ، فأصبح معيار الولاء السياسيّ، بأنك إيرانيّ ولست فقط مسلم، والمجتمع نفسه الذي حمى محطّات الطاقة، سيعود إلى مظالمه عند إنحسار الخطر المباشر.
براغماتية تعزيز الأذرع والحلفاء
كذلك، فقد عزّزت هذه الحرب من قناعة طهران، بأهميّة الجبهات المتعدّدة، وهذا لا يعني أنه بالتحوّل القوميّ ستتخلّى إيران عن حلفائها الإقليميّين، فالعلاقة ستستمرّ مع الحزب في لبنان، والفصائل في العراق، والحوثيّين في اليمن، لكنّها ستُدار وفق منطق أكثر براغماتيّة وأقلّ إيديولوجيّة، فقد تلمَّست طهران خطورة السماح لإسرائيل بمواجهة أطراف محور المقاومة كلٌّ على حِدة، ولذلك سارعت خلال حرب 2026 إلى تفعيل دور الحزب بلبنان، والفصائل العراقيّة في الوقت نفسه، بما وسَّع من نطاق المواجهة إقليميّاً، فطهران تدرك أنَّ محور المقاومة جزءاً من منظومة الدفاع الوطنيّ الإيرانيّ، لا مشروعاً إيديولوجيّاً عابراً للحدود.
أخيراً يمكن القول، أنَّ هذه الحرب، شكَّلت لحظة تأسيسيّة لجمهوريّة إسلاميّة، مختلفة عن تلك التي نشأت عام 1979، فلم تَعُد السلطة بيد الجيل المؤسّس، بل إنتقلت إلى أجيال جديدة، صارت تتبنّى رؤية قوميّة وتكنوقراطيّة للدولة، وصارت الأولوية لديها، هي بإعتماد فنّ الحكم وإدارة القوّة الوطنيّة، أكثر من إلتزام العقيدة الثوريّة التقليديّة، فالجمهوريّة التي ولدت من رَحِم الحروب الأميركيّة الإسرائيليّة، لا تُعرَّف بالإيديولوجية بقدر ما تُعرَّف بالقوميّة، ولا بالثورة بقدر ما تُعرَّف بفنّ الحكم، وبالمقارنة، فهي تُشبه الدول القوميّة التي قادتها الجيوش في القرن العشرين، مثل تركيا في عهد الكماليّين، ومصر في عهد جمال عبدالناصر، حيث إستمرّت الإيديولوجية، لكنّها خضعت للمصلحة الوطنيّة ومتطلّبات سلطة الدولة، لكنّ هذا التحوّل عن العقائد الجامدة نحو فنّ الحكم البراغماتي، لا يجعل الجمهوريّة الإسلاميّة أكثر إعتدالاً، فغالباً ما تنجرُّ الدول الأمنية القومية نحو الوحشية ضدّ شعوبها، وغالباً ما تكون مزعزعة للإستقرار في النظام الدوليّ، وهنا ستبقى الدولة الإيرانية الناشئة دولة إستبداديّة، وستتحدّد أولويّاتها الجديدة، وكيفيّة سعيها إلى تحقيقها، من خلال تجارب حربَيها مع إسرائيل والولايات المتّحدة، إن كان من الخسائر التي تكبّدتها إيران، أو من الثقة التي إكتسبتها قيادتها، أو من العقد الإجتماعيّ الجديد الذي فرضته الحرب وجعلته ممكناً، فهو الكفيل بتحقيق هذا التحوُّل الكبير والعميق في دولة الجيل الثاني.

رائد المصري
أستاذ محاضر في الفكر السياسي والعلاقات الدولية. صحافي لبناني وكاتب سياسي عربي ودولي



