تسوّل رقمي بـ “فلاتر” الذكاء الاصطناعي

 

 

كتب رياض الفرطوسي

 

كلنا نعرف هذا الشعور المحبط؛ تفتح هاتفك صباحاً لتتصفح منصات التواصل الاجتماعي، فتبتلعك موجة صاخبة من الوجوه المتشابهة والنصوص البراقة التي تبدو بلا روح. في هذا الفضاء الذي كان يوماً نافذة للتواصل الإنساني الصادق، تسيطر اليوم مقايضة يومية رخيصة ومكشوفة يتورط فيها الجميع: “أعطني لايكاً أمنحك إعجاباً، وعلّق على منشوري لأرفع من شأنك فيرفع الخوارزمي اللعين شأني”. لقد تحول عالمنا الافتراضي إلى ما يشبه سوقاً كبيراً لبيع المديح والابتزاز العاطفي، حيث لا يهم ماذا تقول أو ماذا تكتب، بل كم نقرة ستجني من ورائه. لم يعد الأمر مجرد رغبة بريئة في تكوين صداقات أو البحث عن تقدير، بل استحال وباءً نفسياً حقيقياً غيّر طبيعة العلاقات الإنسانية. في الماضي، كان سارقو النصوص يكتفون بنسخ أسطر للمشاهير ولصقها بخجل، أما اليوم فقد منحهم الذكاء الاصطناعي “صك غفران” وصنع منهم عباقرة مزيفين بضغطة زر واحدة؛ نصوص تُسرق، وأفكار تُحور في ثوانٍ، لتظهر خلف صور مفلترة عبر برامج التزييف العميق، توحي لك بأن صاحبها قائد رأي أو رمز مجتمعي، بينما الحقيقة أنه عاطل عن الفكر، محبوس في زنزانة البحث عن شهرة جوفاء، ويعيش عبودية مطلقة في إحصاء جيشه الفضائي من المداحين والحسابات الآلية الوهمية (البوتات).

 

لكن، هل نحن مجبرون على العيش في هذا الوهم إلى الأبد؟ بالتأكيد لا، ومواجهة هذا الزيف لا تبدأ بالشكوى، بل بفهم اللعبة الرياضية والبرمجية التي تدير هذا الابتذال. إن أولى خطوات الحل تكمن في ثورة تقنية تطالب بها اليوم كبرى المعاهد البحثية في العالم، وتقوم على فكرة واحدة: تغيير مقاييس النجاح على الإنترنت. يجب إجبار المنصات على الانتقال من نظام يحسب عدد “اللايكات” السريعة، إلى نظام ذكي يحتسب “وقت القراءة الفعلي” ومدى التفاعل البشري الحقيقي مع المحتوى. وبالمثل، فإن تصفية هذه المواقع من الجيوش الإلكترونية والحسابات الوهمية التي تصنع مجداً من ورق لهؤلاء المتسولين، سيقطع عنهم الأكسجين الرقمي تماماً، فضلاً عن ضرورة فرض وسوم وعلامات مائية واضحة تكشف أي نص أو صورة صنعها الذكاء الاصطناعي، لحماية حقوق المبدعين الحقيقيين ومعاقبة السارقين بخفض وصولهم الافتراضي.

 

ومع ذلك، فإن الآلة وحدها لن تحل مشكلتنا إن لم نتحرك نحن كبشر؛ فالوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول والأنقى. إننا بحاجة ماسة لتعليم الأجيال الجديدة مفاهيم التربية الإعلامية، ليعرف القارئ العادي كيف يفرق بين نص رصين كتبه إنسان بدمه وعصبه، وبين نص بارد ولدته الآلة لإبهار العيون بكلمات معسولة. يترافق هذا مع سلاح بسيط لكنه فتاك نملكه جميعاً وهو “الحظر الذكي” والتجاهل التام؛ فالخوارزميات غبية لا تميز بين الحب والكره، وعندما تعلّق لشخص ما لتسخر منه، أنت في الحقيقة ترفع من شأنه وتخدمه. الاستهلاك الواعي يعني أن ندرك أن “النقرة” أو “الإعجاب” على شاشة الهاتف هو موقف أخلاقي وفكري، وليس مجرد مجاملة عابرة لشخص فارغ.

 

لا يمكن ترك الحبل على الغارب دون مظلة قانونية وأكاديمية تحمي عقول الناس وممتلكاتهم الفكرية. لقد حان الوقت لتحديث القوانين لتجريم “الانتحال الاصطناعي” وسرقة جهود الآخرين عبر تدويرها بالآلات، واعتبار ذلك نوعاً من الاحتيال المنظم. ونتيجة لهذا الابتذال الخانق، نرى اليوم بداية هجرة جماعية للنخب والمفكرين والكتاب الحقيقيين نحو منصات بديلة ومجتمعات معرفية مغلقة وقائمة على التحقق، حيث يُحترم العقل، ويعود التقدير للمحتوى وقيمته الذاتية لا لعدد المصفقين الافتراضيين. إننا في هذه المعركة لا نحارب التكنولوجيا ولا نقف ضد التطور، بل نحاول إنقاذ إنسانيتنا، ونعيد توجيه هذه الأدوات لنكسر قضبان الوهم والتعالي الأجوف، ونسترد الفضاء الرقمي ليكون مجدداً منصة حقيقية للفكر والإبداع الإنساني الخلاق الذي يلامس القلوب والعقول دون زيف أو فلاتر.

شارك