دبلوماسية التقاط الأنفاس

كتب رياض الفرطوسي

لفهم ما يدور خلف كواليس المشهد الإقليمي اليوم، علينا أولاً أن نتجاوز القشرة الخارجية للتصريحات المتناقضة والضجيج الإعلامي المصاحب لها. فبينما يميل البيت الأبيض ببراغماتيته المعهودة إلى تسويق “نصر دبلوماسي سريع” وإعلان التوصل إلى تسوية وشيكة، تمارس طهران لعبة النفس الطويل، متشبثة بعبارات حذرة تؤكد أن “القرار النهائي لم يتخذ بعد”. هذا التباين ليس مجرد خلاف لغوي أو سوء فهم، بل هو انعكاس دقيق لمخاض إقليمي عسير يهدف إلى إعادة رسم الخرائط السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، حيث تبدو هذه الحركية أشبه بـ “دبلوماسية التقاط الأنفاس”؛ استراحة محارب ذكية يُعاد فيها ترتيب الأوراق دون التنازل عن الثوابت.

 

تأتي الاندفاعة الأمريكية الحالية، والمحملة بالوعود حول اتفاق إطاري وشيك، في توقيت دقيق وحرج للغاية؛ فالإدارة الأمريكية تبدو في عجلة من أمرها لفرض واقع سياسي جديد يضمن تبريد بؤر التوتر الساخنة، خاصة مع تداخل الحسابات الاقتصادية الدولية وأمن الطاقة وممرات التجارة الحيوية كـ مضيق هرمز. وفي هذا السياق، يبدو أن طهران استطاعت بذكاء تحويل الضغوط إلى فرص؛ حيث لم تنفِ وجود مسودات متقدمة، لكنها رفضت منح واشنطن مكاسب مجانية أو استعراضية. هذا الصبر الدبلوماسي يثبت أن صانع القرار الإيراني يمتلك زمام المبادرة، فهو لا يتفاوض من موقع ضعف، بل يفرض شروطه وتوقيته مستنداً إلى واقع جديد فرضه على الأرض طوال الأشهر الماضية.

 

من يقرأ ما وراء السطور، يدرك أن إيران استخلصت دروس عام 2018 بعناية فائقة، وتحولت من دور الطرف الذي يسعى لإثبات حسن النوايا إلى الطرف الذي يملي شروط الاستدامة؛ فالتحفظ الإيراني الحالي ليس تردداً، بل هو مناورة دبلوماسية رفيعة المستوى لانتزاع أقصى حد من الضمانات السياسية والاقتصادية الملزمة. ومن الواضح إيحائياً أن التفاهمات الجارية تمنح طهران اعترافاً ضمنياً بمكانتها كقوة إقليمية مركزية لا يمكن تجازوها، مما يمهد لرفع تدريجي للأعباء الاقتصادية، مع الاحتفاظ ببنيتها الأساسية وقدرتها على ضبط إيقاع المنطقة وفقاً لمصالحها الحيوية.

 

في المقابل، يتجلى عمق النجاح الدبلوماسي غير المعلن لطهران في حجم القلق والارتباك الذي يعتري العواصم الأخرى، وتحديداً تل أبيب. فالمنظور الإسرائيلي يرى في هذه التفاهمات فجوة استراتيجية كبرى؛ حيث تركز واشنطن على احتواء الملف النووي وتجنب الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة، مما يترك الحسابات الإسرائيلية معلقة دون حلول جذرية لشبكة النفوذ الإقليمي الإيراني. هذا التباين في الأولويات بين الحليفين يعكس بوضوح كيف استطاعت طهران، عبر مزيج من الردع العسكري والدبلوماسية الهادئة، أن تحيد خيار الحرب الشاملة وتجبر الجميع على السير في مسار تفاوضي يراعي خطوطها الحمراء.

 

في نهاية المطاف، فإن “دبلوماسية التقاط الأنفاس” لا تعني نهاية الصراع التاريخي، بقدر ما تعني صياغة قواعد اشتباك جديدة بملابس دبلوماسية أنيقة. لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن كلفة الاستمرار في التصعيد العسكري المفتوح باتت باهظة على الجميع، لكن المستفيد الأكبر من هذه الهدنة المؤقتة هو من استطاع الصمود وتثبيت معادلاته ميدانياً قبل الجلوس إلى الطاولة. ويبدو أن المنطقة أمام مرحلة تهدئة مؤقتة، تُعيد فيها طهران تموضعها وتعزيز أوراقها، بانتظار جولات قادمة سيتحدد فيها من يمتلك النفس الأطول في إدارة هذا الصراع المعقد.

شارك