
إيران وأميركا… ماذا بعد التوقيع؟
بقلم: أمين السكافي
على مدى ما يقارب خمسة عقود، بدا المشهد وكأن العالم أمام خصمين لا يجتمعان إلا على الاختلاف. من جهةٍ الولايات المتحدة التي أطلقت على الجمهورية الإسلامية توصيفات وصلت إلى حد «محور الشر»، ومن جهةٍ أخرى إيران التي جعلت من توصيف «الشيطان الأكبر» جزءًا من خطابها السياسي والرمزي منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.
لم يكن الخلاف بين الطرفين مجرد خلاف سياسي عابر أو تنازع مصالح تقليدي بين دولتين؛ بل كان صراعًا متعدد الأبعاد والأشكال: أمنيًا، استخباراتيًا، دبلوماسيًا، اقتصاديًا وعسكريًا بالواسطة، لكنه كان أيضًا – وربما بالقدر نفسه – خلافًا إيديولوجيًا عميقًا بين نموذجين مختلفين في رؤية العالم، وفي تعريف الشرعية والنفوذ ودور الدولة وحدود الهيمنة.
طوال سبعة وأربعين عامًا وقف الطرفان على ضفتين متقابلتين، وكأن كل منهما اختار أن يجعل الآخر نقيضًا وجوديًا له. وبينهما تراكمت ملفات العقوبات، والاغتيالات، والحروب غير المباشرة، والاشتباكات في أكثر من ساحة من الإقليم، حتى بات من النادر أن يتواجدا في منطقة واحدة دون أن يظهر أثر التنافس أو الصدام بطريقة أو بأخرى.
ولا يمكن الحديث عن هذه العلاقة دون التوقف عند العامل الإسرائيلي، الذي شكّل لعقود أحد أبرز المحرضين على إبقاء حالة العداء بين واشنطن وطهران ضمن سقف مرتفع. كما لا يمكن تجاهل موقف بعض الدول العربية التي رأت – ولا تزال – في إيران الثورة مشروعًا يهدد توازناتها ونفوذها وموقعها في المنطقة.
لكن إذا كان كل ما سبق صحيحًا… فماذا بعد؟
ماذا يعني أن ينتقل الطرفان من مرحلة المواجهة المفتوحة إلى مرحلة التوقيع الإلكتروني الذي يُفترض أن يتبعه توقيع رسمي في جنيف يوم الجمعة؟
هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
أولًا: ما مقدار الثقة المتوفرة أصلًا بين الطرفين كي ينجح هذا الاتفاق؟ وهل يمكن لاتفاق سياسي – مهما بلغت أهميته – أن يختصر نصف قرن من الشك المتبادل؟ أم أننا أمام هدنة مصالح لا أكثر؟ وهل سيسعى الطرفان فعلًا إلى بناء الثقة وترميم العلاقة تدريجيًا أم أن الحسابات الآنية ستبقي العلاقة في دائرة الحذر؟
ثانيًا: ما طبيعة العلاقة المقبلة بين واشنطن وطهران؟ هل ستكون علاقة باردة يملؤها الارتياب وتضبطها المصالح؟ أم أنها بداية انتقال نحو نمط جديد يقوم على احترام متبادل للنفوذ والمصالح؟ وهل يمكن – مع مرور الوقت وتراكم الالتزامات – أن نصل إلى ما كان يبدو مستحيلًا: علاقة تعاون، أو حتى ما يشبه التفاهم الاستراتيجي الذي لا نجرؤ اليوم على تسميته تحالفًا؟
ثالثًا: ماذا عن إسرائيل؟ وهي التي أعلنت بوضوح عدم رضاها عن أي مسار يخفف التوتر بين أميركا وإيران. فقيام علاقة مستقرة بين الطرفين لن يكون حدثًا عاديًا بالنسبة لها، خصوصًا أن إيران دولة كبيرة وقوية وغنية بالموارد الطبيعية من نفط وغاز، وتمتلك شبكة علاقات وحلفاء مؤثرين في المنطقة.
وهنا يبرز سؤال أكثر حساسية: هل يمكن أن يأتي يوم تعيد فيه واشنطن ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط؟ وهل تؤثر التحولات التي أفرزتها حرب غزة ولبنان، وتبدل المزاج العالمي تجاه القضية الفلسطينية، والنظرة الأكثر نقدًا لإسرائيل، على شكل العلاقة الأميركية معها مستقبلًا؟
وفي هذا السياق أيضًا، يلفت الانتباه أن الرئيس الأميركي في أكثر من مناسبة خلال المرحلة الماضية تحدث عن حزب الله دون استخدام توصيف الإرهاب، وهي نقطة تستحق التوقف والتحليل لا القفز فوقها.
أما الدول العربية، فهي أمام استحقاق لا يقل أهمية: كيف ستقرأ نتائج هذا الاتفاق؟ وهل ستتعامل معه كفرصة لإعادة صياغة توازنات المنطقة، أم ستنظر إليه باعتباره تحولًا يفرض عليها إعادة تموضع سياسي واستراتيجي؟
وأخيرًا، إذا رُفعت العقوبات عن الجمهورية الإسلامية، فإن السؤال الاقتصادي سيكون حاضرًا بقوة: ماذا سيتغير داخل إيران؟ وكيف سينعكس تدفق عائدات النفط والغاز والصادرات على الداخل الإيراني وعلى دور طهران الإقليمي؟
قد لا يكون التوقيع نهاية الصراع، لكنه بالتأكيد ليس حدثًا عابرًا. لأن ما يُختبر اليوم ليس اتفاقًا بين دولتين فقط، بل اختبار لإمكانية انتقال خصمين تاريخيين من إدارة العداء إلى إدارة المصالح… وبينهما منطقة كاملة تنتظر الإجابة .


