
القضية الكردية بعد حرب إيران: بين نزع السلاح والضمانات السياسية – 4 –
ليست القضية الكردية تفصيلًا في خرائط الشرق الأوسط ، إنها واحدة من أعمق القضايا التي تكشف هشاشة الدول الوطنية التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى ، وحدود مفهوم السيادة حين يقوم على إنكار جماعات كاملة ، وخطورة تحويل حقوق الشعوب إلى أوراق في صراعات القوى الكبرى والإقليمية ، فالكرد ليسوا أقلية صغيرة تبحث عن امتياز إداري ، ولا جماعة عابرة يمكن اختزالها في حزب أو تنظيم أو سلاح ، إنهم شعب واسع ، موزع بين تركيا والعراق وسوريا وإيران ، يحمل ذاكرة طويلة من الإنكار ، والتمرد ، والقمع ، والوعود المكسورة، والاستخدام الخارجي.
لكن مأساة الكرد لا تكمن فقط في أنهم حُرموا دولة مستقلة ، بل في أنهم غالبًا دُفعوا إلى أن يكونوا ورقة في يد الآخرين ، استُخدموا ضد بغداد، وضد دمشق، وضد طهران، وضد أنقرة، ثم تُركوا عند لحظة التسويات ، وبهذا المعنى، فإن السؤال الكردي ليس سؤالًا قوميًّا فقط، بل سؤال عن شكل الدولة في منطقتنا : هل تستطيع الدولة أن تعترف بتعددها، أم لا ترى في كل اختلاف تهديدًا ؟ هل تستطيع أن تعطي مواطنيها حقوقًا ثقافية وسياسية حقيقية، أم لا تفهم السيادة إلا كصهر قسري؟ وهل يستطيع الكرد أنفسهم أن ينتقلوا من موقع الورقة المسلحة في لعبة الآخرين إلى موقع الفاعل السياسي الدستوري داخل دول أكثر عدلًا وتعددية؟
تأتي الحرب مع إيران ، وما فتحته من اضطراب إقليمي ، لتعيد وضع المسألة الكردية في موقع بالغ الحساسية ، فكلما اشتد الصراع بين واشنطن وطهران ، أو بين إسرائيل وإيران، أو بين تركيا ومخاوفها الأمنية ، دخل الملف الكردي في حالة انتظار ، لا أحد يريد أن يقدم تنازلًا كبيرًا في لحظة إقليمية غامضة ، فأنقرة تخشى أن تتحول أي مرونة تجاه الكرد إلى ضعف استراتيجي، خصوصًا وهي تراقب شمال سوريا والعراق وإيران ، والكرد يخشون أن يكون المطلوب منهم تسليم السلاح قبل ضمان السياسة، أي التخلي عن آخر عناصر قوتهم قبل أن يحصلوا على اعتراف دستوري وقانوني حقيقي.
في تركيا تحديدًا، تبدو القضية الكردية العقدة المركزية ، فتركيا تضم أكبر كتلة كردية في الإقليم ، ولا يمكن لأي حل كردي واسع أن يتقدم من دون معالجة المسألة التركية – الكردية. لعقود طويلة ، تعاملت الجمهورية التركية مع الكرد بوصفهم مشكلة أمنية أو هوية فرعية يجب صهرها في قومية واحدة ، فحُوصرت اللغة، وقُمعت التعبيرات السياسية، وتضررت مناطق واسعة من الجنوب الشرقي ، ثم جاء الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني ليغلق المجال أكثر ، ويحول القضية من سؤال مواطنة واعتراف إلى حرب طويلة بين دولة وتنظيم.
ومع ذلك، فإن لحظة جديدة كانت قد بدأت تتشكل ، فدعوات المفكر عبد الله أوجلان إلى نزع السلاح والحل السياسي فتحت بابًا نظريًا للخروج من الحلقة القديمة ، لان النقاش التركي حول إصلاحات قانونية مرافقة لنزع السلاح أشار إلى إدراك ، ولو محدود، بأن الحل الأمني وحده لا يكفي ، لكن العقدة بقيت كما هي : الدولة تريد نزع السلاح أولًا ، والكرد يريدون ضمانات قبل التسليم ، أنقرة تقول إن السلاح هو المشكلة، والكرد يقولون إن إنكار الحقوق هو أصل المشكلة ، وما بين هذين التصورين، تتعطل التسوية.
هذه العقدة ليست تقنية ، إنها جوهرية ، فإذا نُزع السلاح من دون ضمانات ، قد يشعر الكرد أنهم خسروا ورقة القوة الوحيدة التي أجبرت الدولة على التفاوض ، وإذا أصرّ حزب العمال الكردستاني أو أي طرف كردي على إبقاء السلاح من دون أفق سياسي واضح ، ستبقى الدولة التركية قادرة على استخدام الأمن ذريعة لتعطيل الإصلاح ، لذلك لا يمكن أن تنجح التسوية إلا إذا وُضع نزع السلاح والضمانات في مسار واحد متزامن ، لا في علاقة إذعان من طرف لطرف ، فالسلام لا يصنعه المنتصر وحده ، بل تصنعه الثقة المتبادلة، والثقة لا تولد من فراغ، بل من قانون ومؤسسات وتعهدات قابلة للمراقبة.
الشكل الصحيح للحل في تركيا ليس الانفصال، ولا العودة إلى الحرب، ولا استمرار الإنكار ، فالصيغة الواقعية والعادلة هي تركيا ديمقراطية لا مركزية ، تعترف بالكرد كمكوّن أصيل من مكونات الدولة، وتضمن حق اللغة والثقافة والتمثيل السياسي والإدارة المحلية، وتوقف تحويل البلديات المنتخبة إلى ساحات وصاية أمنية ، وتعيد تعريف المواطنة التركية بما يتسع للتعدد بدل أن يخاف منه ، و في المقابل، ينتقل العمل الكردي من السلاح إلى السياسة ، ومن الجبل إلى البرلمان والبلدية والنقابة والجامعة والإعلام، ومن منطق التنظيم العسكري إلى منطق الحركة المدنية الديمقراطية.
لكن هذا الانتقال يحتاج إلى أكثر من إعلان ، يحتاج إلى إصلاح قانون الإرهاب، وإطلاق المجال السياسي السلمي، واحترام نتائج الانتخابات المحلية، ووقف تجريم التعبير الثقافي والسياسي غير العنيف، وفتح باب التعليم والثقافة الكردية ضمن إطار وطني لا يهدد وحدة البلاد ، كما يحتاج إلى شجاعة كردية أيضًا: شجاعة الاعتراف بأن السلاح ، مهما كان له من تاريخ أو وظيفة دفاعية، لا يستطيع أن يبني مستقبلًا دائمًا لشعب يريد حقوقًا داخل دول ومجتمعات معقدة ، فالسلاح يفرض الاعتراف أحيانًا، لكنه لا ينتج المواطنة ، والسياسة وحدها، حين تكون محمية بضمانات ، تستطيع أن تنقل القضية من الاستثناء الأمني إلى الحق الدستوري.
القضية الكردية في سوريا تزيد الصورة تعقيدًا ، فقد منحت الحرب السورية الكرد فرصة تاريخية لبناء إدارة ذاتية في شمال شرق سوريا ، مدعومة جزئيًا من الولايات المتحدة في سياق الحرب على داعش ، لكن هذه الإدارة بقيت محاصرة بين مخاوف تركيا، وضعف الدولة السورية، وحسابات أميركا، وحضور روسيا، وضغط إيران، وقلق العرب المحليين من بنية الحكم الجديدة . تركيا لا ترى في قوات سوريا الديمقراطية مجرد فاعل سوري ، بل امتدادًا لمنظومة مرتبطة بحزب العمال الكردستاني ، والكرد في سوريا يرون أنفسهم قوة دفعت ثمنًا كبيرًا في الحرب على داعش، وتخشى أن تُسلّم لاحقًا إلى تفاهم تركي – سوري أو أميركي – تركي.
لذلك فإن مستقبل كرد سوريا مرتبط إلى حد بعيد بمسار الحل في تركيا ، إذا نجحت تسوية تركية -كردية جدية، يصبح من الممكن تخفيف خوف أنقرة من أي صيغة لامركزية سورية، ويصبح من الممكن البحث عن إدماج الإدارة الذاتية في دولة سورية لا مركزية موحدة ، أما إذا فشلت التسوية في تركيا ، فستبقى أنقرة تنظر إلى شمال سوريا كتهديد وجودي ، وسيبقى الكرد هناك بين حماية أميركية غير مضمونة، وعداء تركي دائم، ودولة سورية لم تستعد بعد شكلها ولا شرعيتها.
أما كرد العراق ، فهم يملكون تجربة مختلفة ، لديهم إقليم، مؤسسات، حكومة، برلمان، قوات أمن، وعلاقات خارجية ، لكن هذه التجربة، على أهميتها، تكشف أن الحكم الذاتي لا يكفي وحده إذا لم يتحول إلى ديمقراطية حقيقية ، فإقليم كردستان العراق يعاني من الانقسام بين القوى الكبرى داخله، ومن التنافس بين أربيل والسليمانية، ومن الاعتماد الكبير على النفط، ومن ضغوط بغداد، وأنقرة، وطهران، ومن مشكلات الفساد والوراثة السياسية والحريات ، هنا يصبح السؤال: هل يكون الإقليم نموذجًا لتحرر كردي ديمقراطي، أم يتحول إلى نسخة محلية من نظام زبائني مغلق؟
التحرر الكردي في العراق لا يكتمل فقط بحماية الإقليم من بغداد أو من تدخلات تركيا وإيران ، بل يكتمل ببناء مؤسسات شفافة، وقضاء مستقل، وإدارة عادلة للثروة النفطية، وحياة سياسية مفتوحة، ووحدة أمنية لا تخضع لانقسام حزبي ، فالحكم الذاتي إذا صار غنيمة لحزبين أو عائلتين أو شبكات مصالح يفقد جزءًا كبيرًا من معناه التحرري ، لا يكفي أن يتحرر الكرد من سلطة مركزية عربية إذا دخلوا في تبعية داخلية مغلقة ، فالتحرر الحقيقي لا يتوقف عند العلم والبرلمان، بل يقاس بقدرة المواطن الكردي على محاسبة سلطته، لا فقط الاحتماء بها.
أما كرد إيران، فيعيشون وضعًا أكثر حساسية ، فهم جزء من دولة تواجه ضغوطًا خارجية كبرى، وعقوبات، وحربًا معلنة أو مؤجلة، وتملك نظامًا شديد الحساسية تجاه أي حراك قومي أو مناطقي ، لذلك فإن أي مطلب كردي في إيران يُقرأ بسرعة في طهران كجزء من مؤامرة خارجية، خصوصًا في لحظات الصراع مع واشنطن أو إسرائيل ، وهذا يضع الكرد أمام مأزق مزدوج: حقوقهم حقيقية، لكن القوى الخارجية قد تستخدمها هذه من جهة . و من جهة اخرى قمع الدولة حقيقي، لكنه يتغذى من خوفها من الاستخدام الخارجي.
لذلك، فإن أفضل صيغة لنضال كرد إيران ليست الارتهان لأي مشروع خارجي، بل ربط القضية الكردية بمشروع ديمقراطي إيراني عام يعترف بالتعدد القومي والثقافي، ويضمن التنمية واللغة واللامركزية والحقوق السياسية ، فالكرد لا يستطيعون أن يتحرروا وحدهم داخل إيران إذا بقيت الدولة كلها مغلقة ، لكن إيران أيضًا لا تستطيع أن تدّعي مواجهة الهيمنة الخارجية بينما تنكر حقوق مكوناتها الداخلية ، السيادة التي لا تتسع لشعوبها تتحول إلى قشرة أمنية، والتحرر من الخارج لا معنى له إذا كان الداخل مقموعًا.
هنا نصل إلى الدرس الأوسع: القضية الكردية لا تُحل بالإنكار، ولا بالسلاح وحده، ولا بالاستخدام الخارجي، ولا بالشعارات القومية المغلقة ، تُحل عندما تعترف دول المنطقة بأن التعدد ليس تهديدًا، وأن المركزية القسرية لا تصنع الاستقرار، وأن المواطنة لا تعني محو الخصوصيات. وتُحل عندما يدرك الكرد أن الاعتماد على القوى الكبرى يعطي مكاسب مؤقتة لكنه لا يمنح ضمانة تاريخية. فالقوة الكبرى قد تدعم اليوم وتتخلى غدًا. أما الضمانة الحقيقية فهي في عقد دستوري داخلي، وتحالفات ديمقراطية، ومؤسسات، ومجتمع مدني، واعتراف متبادل.
والحرب مع إيران جعلت هذا الدرس أكثر إلحاحًا ، فعندما تتوتر المنطقة، تتحول الأقليات والقوميات والجبهات غير المحسومة إلى أوراق ضغط ،فالكرد قد يصبحون ورقة في يد أميركا ضد إيران، أو في يد إيران ضد تركيا، أو في يد تركيا داخل سوريا والعراق، أو في يد قوى محلية تبحث عن توازن ، لكن شعبًا بحجم الشعب الكردي لا يجوز أن يبقى ورقة ، يجب أن يصبح فاعلًا سياسيًا له مشروع واضح: لا استخدام خارجي، لا حرب دائمة، لا تسليم بلا ضمانات، ولا انفصال عن سؤال الديمقراطية في الدول التي يعيش فيها.
من هنا، فإن المسار التركي – الكردي هو الاختبار الأكبر ، فإذا استطاعت تركيا أن تنتقل من منطق الدولة الخائفة إلى منطق الدولة الواثقة بتعددها، وإذا استطاع الكرد أن ينتقلوا من منطق السلاح إلى منطق السياسة المضمونة، فإن المنطقة كلها ستتأثر ،و ستتراجع مخاوف تركيا في سوريا والعراق، وسيفتح الباب أمام ترتيبات لامركزية أوسع، وستضعف قدرة القوى الخارجية على استخدام القضية الكردية كورقة ضغط ، أما إذا فشل المسار، فسنعود إلى الحلقة القديمة: قمع، تمرد، تدخل خارجي، تفاوض مؤجل، ثم كلفة أعلى.
ولا يجب أن يكون نزع السلاح نهاية القضية، بل بداية السياسة ، هذه نقطة حاسمة ، فبعض الدول تتعامل مع نزع السلاح كأنه الحل النهائي، بينما هو في الحقيقة لحظة انتقال ، فإذا لم تأتِ بعده حقوق، ومؤسسات، وتمثيل، وتنمية، وكرامة، فإن السلاح قد يختفي من يد تنظيم ويعود بأشكال أخرى ، أما إذا ترافق نزع السلاح مع اعتراف وضمانات، فإنه يستطيع أن يفتح بابًا تاريخيًا. السلام ليس صمت البنادق فقط، بل شعور الناس بأنهم لم يعودوا مضطرين إلى حملها لكي يُسمع صوتهم.
وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول الضمانات إلى ذريعة لإدامة السلاح إلى ما لا نهاية ، فالقضية العادلة قد تخسر عدالتها حين تتحول إلى سلطة عسكرية مغلقة فوق المجتمع ، ومن حق الكرد، مثل أي شعب، أن يسألوا قواهم السياسية والمسلحة: إلى أين؟ ما الهدف النهائي؟ ما العلاقة بالديمقراطية؟ ما موقع المرأة والشباب والمعارضة الداخلية؟ ما علاقة السلاح بالمجتمع؟ ومن يقرر باسم الشعب الكردي؟ فكما لا يجوز للدولة أن تنكر الكرد، لا يجوز لأي تنظيم أن يحتكر تمثيلهم إلى الأبد.
القضية الكردية، في جوهرها، ليست فقط قضية حدود، بل قضية كرامة سياسية ،بأن يستطيع الإنسان الكردي أن يتكلم لغته بلا خوف، وأن يعلّم أبناءه ثقافته، وأن ينتخب ممثليه من دون وصاية، وأن يشعر أن الدولة دولته لا سجنه، وأن تكون منطقته نامية لا معاقبة، وأن يكون انتماؤه القومي جزءًا من مواطنته لا تهمة عليها ، هذه ليست مطالب انفصالية بالضرورة ، إنها مطالب دولة عاقلة تعرف أن الاعتراف أقل كلفة بكثير من الحرب.
لقد دفعت تركيا والكرد معًا كلفة هائلة من الدم والاقتصاد والفرص الضائعة . ودفع كرد سوريا كلفة الحرب على داعش ثم وجدوا أنفسهم أمام مستقبل غير مضمون . ودفع كرد العراق ثمن الصراع بين بغداد والجوار والانقسام الداخلي . ودفع كرد إيران ثمن الخوف الأمني من كل تعبير قومي . آن الأوان لأن تخرج القضية من منطق الطوارئ إلى منطق السياسة، ومن لغة الخطر إلى لغة العقد الوطني، ومن السلاح مقابل الإنكار إلى الحقوق مقابل السلام.
في النهاية، القضية الكردية بعد حرب إيران ليست قضية كردية فقط ، إنها اختبار للدولة في الشرق الأوسط. فإذا استطاعت دول المنطقة أن تعترف بالكرد وبغيرهم ضمن مواطنة تعددية، فربما تفتح بابًا لنوع جديد من الاستقرار ، وإذا بقيت ترى كل اختلاف تهديدًا، فستظل تنتج التمرد الذي تقول إنها تحاربه. وكذلك الكرد: إذا استطاعوا تحويل قضيتهم إلى مشروع ديمقراطي واسع، لا ورقة خارجية ولا سلطة عسكرية مغلقة، فإنهم يقتربون من تحرر حقيقي . أما إذا ظلوا عالقين بين سلاح بلا أفق وضمانات بلا قوة، فسيبقى الآخرون يفاوضون عليهم، كما فاوضوا على شعوب كثيرة في هذه المنطقة.
الطريق العاقل واضح وإن كان صعبًا: نزع سلاح متزامن مع ضمانات سياسية وقانونية، اعتراف بالهوية ضمن دولة مواطنة، لامركزية ديمقراطية لا تقسيم، ورفض استخدام الكرد كأداة في حروب الآخرين. وحده هذا الطريق يستطيع أن ينقل القضية الكردية من ذاكرة المظلومية إلى مستقبل الشراكة.
د. بشير عصمت


