الصراع الدولي في بحر قزوين

 

حسين راغب

رئيس حزب الإصلاح الوطني

 

 

معلومات عامة

* يعد بحر قزوين أكبر مسطح مائي مغلق في العالم، وتبلغ مساحته 370 ألف كم2، ومن الدول المشاطئة لبحر قزوين (روسيا، إيران، أذربيجان، تركمانستان، كازاخستان)، تحدّه جبال البرز الإيرانية من الجنوب، والقوقاز من الشمال الغربي ويغذيه نهر الفولغا الروسي من الشمال ليشكّل دلتا واسعة قرب أستراخان وهو من أقدم مناطق إنتاج النفط في العالم.

ويعود تاريخ حفر أول بئر لعام 1840، ولبحر قزوين مكانة خاصة في إمدادات الطاقة العالمية بما يقدر بنحو 48 مليار برميل من النفط الخام وحوالي 4,76 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وتمتلك كازاخستان الحصة الأكبر من النفط بحوالي 31,2 مليار برميل، بينما تمتلك روسيا النسبة الأكبر من الغاز بنحو 3 تريليونات قدم مكعب.

تبلغ مساحة البحر 360 ألف كم2 وهو أكبر بحر مغلق في العالم ويبلغ طول بحر قزوين 1200كم بعرض يصل لـ300 كم ويبلغ أقصى عمق له 1023م.

وتطل عليه كل من مدن أستراخان في روسيا، وباكو عاصمة أذربيجان وأستارا وبندر أنزلي في إيران، وأكاتو في كازاخستان وتركمانباشي في تركمانستان.

ويعاني بحر قزوين من تقلص مساحته باستمرار بسبب التبخر وانخفاض مستوى الأنهار التي تصب فيه وأكبرها نهر الفولغا، ففي أقل من نصف قرن انخفض مستوى مياهه مترين، وتقلصت مساحته من 424 ألف إلى 360 ألف كم2.

وتُعد مياه نهر الفولغا الذي يأتي من روسيا المصدر الرئيسي لمياه البحر ومن أنهار بحر قزوين نهر تيريك القادم من روسيا أيضاً، ونهر أترك ونهر الأورال الذي يأتي من كازاخستان، ونهر كور القادم من أذربيجان.

* تتضارب الأرقام والنسب المتعلقة بحجم الاحتياطي الموجود من النفط والغاز في بحر قزوين بالنظر إلى اختلاف المصادر، وبالنسبة لتقدير حجم الاحتياطيات النفطية فقد اختلف الخبراء في تقديرها وإن اتفقوا على أن المنطقة تأتي على الصعيد العالمي بعد منطقة الشرق الأوسط وقبل بحر الشمال من حيث الاحتياطات وأن بحر قزوين، يحتوي على ما يتجاوز 68 مليار برميل، وترى تقديرات أخرى أنه يأتي في المرتبة الثالثة بعد الخليج العربي وسيبيريا، وأن الاحتياطات تقدر ما بين 12 و15 مليار برميل من النفط.

وفي حين تؤيد العديد من مراكز الدراسات التخصصية في الولايات المتحدة وإيطاليا الرقم الأدنى الذي يعني أن نفط بحر قزوين يشكل 2,7% من الاحتياطي العالمي للنفط و7% من الغاز، فإن ما يزيد التنافس في المنطقة هو التوقعات حول ارتفاع هذه التقديرات فيما بعد مع المزيد من الاكتشافات، حيث يتوقع أن يرتفع إنتاج النفط في دول بحر قزوين، وكذلك أوزبكستان إلى 309 ملايين برميل بحلول عام 2010، وفي تسعينيات القرن الماضي ضخمت الولايات المتحدة لتبرير دخولها حوض بحر قزوين من تقديراتها للاحتياطي النفطي في هذه القارة، فتحدثت عن وجود 243 مليار برميل من النفط أي أقل بقليل من السعودية.

وبالعودة إلى المنطق تقدر هذه الاحتياطيات اليوم بـ50 مليار برميل من النفط و9,1 تريليون م3 من الغاز أي ما بين 4% إلى 5% من الاحتياطي العالمي.

* أصل الخلاف القانوني الحاصل هو في تحديد ماهية بحر قزوين هل هو (بحيرة مغلقة) أم (بحر مفتوح) فإذا كان بحيرة فيحق لكل دولة مطلة استغلال ثرواته الاقتصادية لعشرين ميلاً حسب القانون الدولي للمياه، ثم تبقى المساحة الباقية مشتركة بين هذه الدول، أما إذا نظر إليه كبحر مفتوح، فحسب القانون يجب أن تتقاسم هذه الدول المتشاطئة عليه البحر بالتساوي.

تُعتبر مسألة النّظام القانوني لبحر قزوين من الأمور الأكثر تعقيداً, وأبرز المعاهدات معاهدة الصداقة بين روسيا وإيران عام 1921 ومعاهدة الملاحة والتجارة في عام 1940 وشكل المعاهدتان الإطار القانوني لبحر قزوين طوال مرحلة الحرب الباردة، لكن تفكك الاتحاد السوفييتي أحدث تحولات كبيرة وأنتج واقعاً سياسياً وقانونياً جديداً.

حيث استبعد العديد من القانونيّين إمكان استمرار العمل بهذه الاتفاقات بعد نشوء الواقع الجديد في المنطقة, وبسبب محدوديّة هاتين الاتّفاقيّتين واقتصارهما على المواضيع العسكريّة والملاحيّة والتّجاريّة, وبالتّالي فهما لا تشملان العديد من المواضيع الخلافيّة الأساسيّة, خصوصاً ما يتعلّق بالموارد الطّبيعيّة في باطن البحر، حيث تقول المادّة 34 من اتّفاقيّة فيينا في العام 1978, والّتي تتعلّق بموضوع خلافة الدّول, إنّه في حال انفصال جزء أو أكثر من دولة أو من عدّة دول, فإنّ أي اتّفاقات كانت قد عقدتها الدّولة الأساس تبقى ملزمة لجميع الكيانات الّتي انسلخت عنها. وبالاستناد إلى اتّفاقيّة «مينسك»1991, والّتي أسّست لمجموعة الدّول المستقلّة والّتي شملت جميع جمهوريّات الاتّحاد السّوفياتي ما عدا دول البلطيق, اعتبرت في المادة 12 منها أنّ الدّول الموقّعة على هذه الاتّفاقيّة تتعهّد بالوفاء بجميع الالتزامات المتوجّبة عليها من جرّاء الاتفاقيات الّتي عقدها الاتّحاد السّوفياتي، وبالاستناد إلى اتّفاقيّة فيينا في العام 1978 فإنّ الاتّفاقيات الدّوليّة لا تتأثّر بموضوع تفكّك الدّولة, بمعنى آخر فإنّ اتّفاقيّة فيينا في العام 1978 أقرّت مبدأ الاستمراريّة في موضوع الاتّفاقيات الدّوليّة في حال تفكّك الدّولة, وبالتّالي فإنّ الدّول المستقلّة عن الاتّحاد السّوفياتي تُعتبر مُلزَمة بالاتّفاقيات الّتي أبرمها هذا الأخير. أمّا مبدأ التّغيير الجّذري للظّروف كسبب لإبطال المعاهدة فلا يمكن الاستناد إليه, ذلك أن طبيعة التّغيير الّذي طرأ لا يسمح بإعلان بطلان المعاهدات السّابقة, كما أنّ بعض الخبراء يرى أنّ اتّفاقيّة فيينا في العام 1962 حول قانون الاتّفاقيّات في المادّة 62 تعتبر أنّه لا يمكن الاستناد إلى التّغيير الجذري كسبب لإبطال المعاهدة في حال رسمها لحدود, وعلى الرّغم من أنّ اتّفاقيّتي العام 1921 و1940 لم ترسما أي حدود إلاّ أنّهما تناولتا موضوع تحديد المجال البحري بين إيران والاتّحاد السّوفياتي وبالتّالي تناولت شأناً حدوديّاً ما يجعل من موضوع إبطالهما أمراً صعباً وبالتّالي فهما ملزمتان لجميع الدّول المشاطئة للبحر.

إنّ تبنّي مبادئ القانون الدّولي للبحار لتطبيقها على بحر قزوين يعني حصول كل دولة مشاطئة على حدود بحريّة إقليميّة على أن لا يتجاوز عرض بحرها الإقليمي 12 ميلاً بحريّاً بالإضافة إلى المنطقة الاقتصاديّة الخالصة الّتي لا يتجاوز امتدادها 200 ميل بحري وجرف قارّي. لكن نظراً لعدم وجود نقطة في بحر قزوين تتجاوز فيها المساحة بين سواحل دولتين متواجهتين 400 ميل فإن ترسيم هذه الحدود انطلاقاً من القانون الدّولي للبحار, يواجه مجموعة من العقبات, خصوصاً وأنّ هذا القانون لم يقدّم مبادئ لكيفيّة ترسيم الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة بين الدّول المتجاورة والمتواجهة. ولكن الاجتهاد وضع عدّة مبادئ لترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القارّي, فمن جهة هناك مبدأ خط الارتكاز (الوسط) الّذي يفصل بالأساس بين الجرف القاري للدول ذوات السّواحل المتقابلة, وينطلق من اعتبار أنّ كل نقطة من هذا الخط هي على مسافة متساوية من السّاحلين المتقابلين, في حين أنّ المبدأ الثّاني هو خط المسافة المتساوية الّذي يرسّم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القارّي بين دولتين سواحلهما متجاورة, ويتم رسمه بخط عمودي ليشكّل زاوية 90º مع خط أساس البحر الإقليمي للدوّلتين المعنيّتين.

وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي واستقلال الدول المطلة على بحر قزوين (أذربيجان، كازاخستان، تركمانستان) طالبت الدول الثلاث بصياغة نظام قانوني جديد تتفق عليه الدول الخمس.

ويتمحور الخلاف حول إنشاء أنابيب لتصدير النفط والغاز من هذه المنطقة، وهذه الأنابيب هي:

1 ـ الخط الشمالي: أي خط باكو ـ نوفو سيبيرسك على البحر الأسود المار عبر الأراضي الروسية والذي تتمسك به موسكو.

2 ـ الخط الجنوبي: أي خط باكو ـ جيهان التركي على البحر المتوسط المار عبر الأراضي الجورجية.

3 ـ الخط الذي يمر عبر الأراضي الإيرانية وصولاً إلى الخليج.

4 ـ الخط الشرقي لنقل النفط الكازاخي عبر الصين إلى شواطئ المحيط الهادئ.

5 ـ خط تركمانستان ـ أفغانستان ـ باكستان.

وفق ذلك ترغب كل دولة من الدول المحاذية لبحر قزوين والدول المحاذية لكل دولة من الدول المطلة على بحر قزوين في تنفيذ الخط الذي يمر عبر أراضيها لما يمثله من أهمية اقتصادية وجيواستراتيجية وجيوسياسية لهذه الدول، وفي هذا الإطار يبرز نزاع كبير حول الطرق التي سوف تسلكها خطوط الأنابيب الحاملة والناقلة للنفط والغاز إلى الأسواق العالمية.

ومن ثم أصبح هناك اتجاهان الأول يضم كلاً من روسيا وإيران وتركمانستان ويدعو إلى اعتبار بحر قزوين حوضاً مائياً وبحيرة تتقاسم الدول المتشاطئة احتياطات النفط بها، وتحصل كل دولة بالتساوي على 20% من مساحتها، وهو ما يخدم دولاً ذات إطلالة صغيرة على بحر قزوين مثل إيران وتلتزم كل منها باتفاقيتي 1921 و1940.

الثاني: تدعمه كل من أذربيجان وكازاخستان ويدعو إلى سريان قانون البحار على بحر قزوين واقتسام أجزائه المتشاطئة واعتباره بحيرة حدودية مقسمة إلى خمسة أقسام، كل منها يمثل مياهاً إقليمية تتبع الدول الساحلية المطلة على البحيرة ولها حدودها الحق في هذا الجزء من البحيرة، وترفض الالتزام بالاتفاقيات السابقة نظراً لأنها تضمنت الملاحة وصيد الأسماك ولم تركز على استغلال الموارد الطبيعية.

ولحل الخلاف بين الدول المتشاطئة وقعت الدول الخمس في 12 آب 2018 على اتفاقية الوضع القانوني لبحر قزوين في محاولة للجمع بين وجهتي النظر الخاصة باعتباره بحر أو بحيرة من خلال النظر لسطح البحر كمياه دولية وتقسيم أعماق البحر إلى مناطق وقطاعات إقليمية ومنح الدول المطلة عليه حق مد أنابيب بحرية، واقتصار التواجد العسكري في البحر على قوات الدول التي تتقاسمه وتحديد حصص سنوية لكل دولة من صيد سمك الحفش الذي ينتج الكافيار الفاخر.

وترجع دلالات عدم حسم الخلاف القانوني حول منطقة بحر قزوين إلى انشغال كل من إيران وروسيا بملفات أخرى، حيث العقوبات الأمريكية التي تواجه إيران بما يتعلق ببرنامجها النووي، إضافة إلى انخراط روسيا في الحرب الأوكرانية والصراع القائم بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم ناجورنو كاراباخ.

المصالح الأمريكية في منطقة بحر قزوين

تمثل منطقة بحر قزوين أهمية كبيرة في الفكر الاستراتيجي الأمريكي، فهي منطقة تضم منافسين إقليميين للمشروعات الأمريكية وهما روسيا وإيران، لذا تعارض واشنطن الجهود الروسية لتحقيق نفوذ في القوقاز وآسيا الوسطى من خلال سعي واشنطن لزيادة إمدادات الطاقة من آسيا الوسطى للمستهلكين في مختلف الأسواق وحرمان إيران من استغلال وشحن وتطوير وتسويق منتجات الطاقة، ومنع أي دولة من احتكار الإمدادات النفطية في المنطقة مع العمل على تطوير قدرة دول المنطقة على إنتاج وشحن النفط للخارج لذلك عملت الولايات المتحدة ضمن أهدافها الجيواستراتيجية على ضمان أن يصب معظم إنتاج آسيا الوسطى في الغرب.

دأبت أمريكا على الإلحاح على دول آسيا الوسطى وبحر قزوين بالابتعاد عن كل من موسكو وطهران خصوصاً فيما يتعلق بموضوعي النفط والغاز، وهنا خاضت واشنطن معركة دبلوماسية عام 1999 عمدت من خلالها إلى تذليل جميع العقبات التي اعترضت سبل توقيع اتفاق أنابيب باكو ـ تبليسي ـ جيهان، حيث تصدّرت الإدارة الأمريكية واجهة المفاوضات، والتمويل وحل الخلافات بين الدول المشاركة في الخط.

بعد أحداث الحادي عشر من أيلول:

لم تكن أطماع الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة بحر قزوين وليدة لأحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 وإن كانت تلك الأحداث سبباً قوياً لبدء تحركها تجاه تلك المنطقة، حيث أن منطقة بحر قزوين تعتبر من أهم الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية.

استغلت الولايات المتحدة الأمريكية أحداث 11 أيلول عام 2001 وما بعدها من أجل تحقيق أحد أهدافها الاستراتيجية في منطقة آسيا الوسطى، حيث تصر على دعم التواجد العسكري الدائم في دول المنطقة وذلك من أجل حصار القوى الكبرى مثل روسيا والصين وإيران وتوفير أجواء أمنية وعسكرية وسياسية توفر أرضية مناسبة للسيطرة الغربية والأمريكية على منابع النفط والغاز في منطقة بحر قزوين.

وقد أتاحت أحداث 11 أيلول 2001 الفرصة أمام الولايات المتحدة الأمريكية لفعل ذلك من خلال إرسال قواتها العسكرية إلى أفغانستان للقضاء على حركة طالبان، أما الهدف الرئيسي لهذه القوات هو دعم الهيمنة ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية في الدول التي كانت بعيدة عن سيطرتها في السابق وتمهيداً لقيامها باستغلال ثروات هذه المنطقة.

وحققت أمريكا نجاحاً مع الانتهاء من خط أنابيب نفط باكو ـ تبليسي ـ جيهان العابر لأذربيجان وجورجيا وتركيا، والذي ينقل نفط أذربيجان على مسافة 1760كم إلى ميناء جيهان التركي شرقي البحر الأبيض المتوسط.

مع أيار 2005 تم افتتاح هذا الخط الذي يبلغ طوله 1760كم تبلغ سعته 50 مليون طن سنوياً.

وقد حقق هذا الخط عدداً من الأهداف الحيوية للسياسة الخارجية لأمريكا، أولاً أدى إلى تعزيز عزلة إيران في قزوين كما في الخليج العربي، وذلك بعد تبني قرار العقوبات على إيران وليبيا في آب 1996 من قبل الكونجرس الأمريكي وثانياً كافأ تركيا على دعمها أمريكا خلال حرب الخليج، فمرفأ جيهان في تركيا الذي يقع على المتوسط كان إحدى المحطات الأساسية للنفط العراقي، وبعد حرب الخليج توقفت الصادرات العراقية إلى المرفأ وانعكس ذلك سلباً على الاقتصاد التركي، وثالثاً عزز هذا الخط الخيارات المتاحة لتصدير النفط والغاز بعيداً عن روسيا.

وواجه خط (باكو ـ تبليسي ـ جيهان) غضباً روسياً لأنه أول خط أنابيب ينقل نفط قزوين دون الاعتماد على منظومة الأنابيب التي تسيطر عليها روسيا، كما دخلت الصين على خط التنافس وأقامت علاقات اقتصادية ودبلوماسية مع دول بحر قزوين كبديل للاحتكار الروسي ولمنافسة النفوذ الأمريكي، بالإضافة إلى تأمين إمداداتها النفطية وتنويع مصادر الطاقة بعيداً عن الشرق الأوسط، ومن ثم أقامت الصين عدة مشاريع أنابيب لنقل النفط والغاز منها أنبوب نقل النفط من كازاخستان نحو (شينخ يانغ الصينية) وتصل القدرة التصديرية للأنبوب الممتد على مسافة أكثر من 3000كم إلى ما بين 800 ألف ومليون برميل من النفط يومياً، ومن ثم تحسين المشروع عبر ثلاث مراحل ووصل إلى طاقته القصوى عام 2011.

المصالح الروسية في منطقة بحر قزوين:

إن آسيا الوسطى والقوقاز كانتا على الدوام في صلب الاهتمامات الروسية، فمن جهة هي حيوية للأمن الروسي، حيث تعتبر السياسة الروسية أن الدفاع عن أمن هذه المناطق هو خط الدفاع الأول عن روسيا، ومن جهة أخرى تسعى روسيا لتعزيز نفوذها في هذه الدول للعمل على خلق المناخات المناسبة للتوسع اقتصادياً فيها، واعتبرت توقيع اتفاقية خط (أنابيب باكو ـ جيهان) استهداف كبير لروسيا.

المصالح الروسية وصراع النفوذ

تعد منطقة بحر قزوين مجالاً حيوياً لروسيا فهي إحدى الدول المطلة عليه من الشمال، وفي ظل الخلاف القائم بين دول بحر قزوين حول كيفية تقسيم موارده دخلت كل من الولايات المتحدة والصين خط المنافسة على ثروات المنطقة وأقامت علاقات مع الدول المطلّة عليه في إطار عقود استغلال واستكشاف للثروات بالإضافة إلى إنشاء أنابيب نقل وتطوير منشآت ملحقة مثل الموانئ والطرق البرية وحتى السكك الحديدية وهو ما مثل تهديداً للنفوذ الروسي هناك.

ونتيجة لهذه المعطيات أصبحت قضية قزوين من القضايا الأساسية في السياسة الخارجية الروسية التي تؤكد على ضرورة تطوير التعاون الاقتصادي بين دول بحر قزوين عبر اتخاذ عدد من الإجراءات، من بينها إنشاء منطقة تجارة حرة، فالاستراتيجية الروسية في بحر قزوين تهدف إلى تحقيق هدفين أساسيين، الأول السيطرة على عمليات التنقيب وتطوير مصادر الطاقة في هذا البحر ونقلها، والثاني العمل على الحفاظ على موقعها كالدولة الأكثر تأثيراً في المنطقة.

وإن التدخل الأمريكي في المنطقة يعتبر بالنسبة للروس تهديداً لمصالحهم في المنطقة، وهذه المقاربة هي التي دفعت الروس إلى الدخول في موضوع التنافس على أنابيب النفط بقوة.

في عام 2000 حدثت مراجعة للسياسة الروسية تجاه بحر قزوين عبر عنها بوتين نفسه في كلمة ألقاها في اجتماع مجلس الأمن الروسي لمناقشة الوضع في بحر قزوين (إن علينا الفهم أن اهتمام شركائنا في الدول الأخرى «تركيا، بريطانيا، أمريكا» في بحر قزوين ليس مصادفة وهذا لأننا غير فاعلين هذه منافسة، وعلينا أن نكون منافسين).

فكان أولاً بناء الخط على ميناء نوفوروسيسك وأعقبه نشاط خط (تنجيز ـ شيفرون) وخط اتحاد قزوين، وعمدت روسيا للضغط على كل من أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان من أجل نقل الخط عبر شبكة الأنابيب الروسية بدلاً من تأييد الخيار المدعوم أمريكياً، أضف إلى ذلك سعى إلى استحداث عدد من الممرات الجديدة التي تهدف إلى نقل النفط الروسي أولاً والقزويني ثانياً عبر السواحل الغربية للبحر الأسود إلى المتوسط والأدرياتيكي، وعلى سبيل المثال وخلال اجتماع وزراء الطاقة في كل من روسيا واليونان وبلغاريا في آذار عام 2007، وقعت هذه الدول اتفاقاً يسمح ببناء خط أنابيب روسي بطول 175 ميلاً من مرفأ (بورغاس) البلغاري على البحر الأسود إلى ألكسندر بوليس شمال اليونان.

اتفق رؤساء روسيا وكازاخستان وتركمانستان في 12 أيار 2007 على مشروعين لبناء أنبوبي نقل غاز، ينطلق الأول من الحقول الشرقية لتركمانستان، والثاني موازٍ له ينقل الغاز عبر كازاخستان على طول بحر قزوين نحو روسيا لضمان نقل 20 مليار م3 بدءاً من عام 2012 ويدخل هذان المشروعان في إطار توسيع أنبوب بريكاسبيسكي الذي يربط تركمانستان وكازاخستان بروسيا بهدف إفشال مخطط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لبناء أنبوب الغاز العابر لبحر قزوين من أجل نقل الغاز التركماني والكازاخي عبر بحر قزوين إلى أنبوب نابوكو.

* في بداية كانون الأول عام 2023 قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال افتتاحه لاجتماع وزراء خارجية دول بحر قزوين: (نحن متفقون على أن الطلب على هذا الإطار التعاوني يتزايد وسيستمر في النمو وذلك لأن العمل ضمن هذا الإطار يجعل من الممكن إيجاد حلول أساسية لمشاكل التفاعل الإقليمي ومن المهم جداً أن المسائل المتعلقة بمنطقة بحر قزوين تتسم بأولوية بالنسبة لنا جميعاً، وتتم مناقشتها بانتظام على مستوى رؤساء دول وحكومات البلدان الخمسة المطلّة على بحر قزوين).

وشدد لافروف أن هذا اللقاء سيتم فيه إطلاق حوار وزاري منظم جديد، والذي سيعمل في إطار التكليف المتفق عليه في مؤتمر القمة في عشق أباد، ويتضمن ذلك النظر في قضايا تطوير التعاون الخماسي وتحسين صيغه وإطاراته ووضع تدابير يتم الاتفاق عليها لتنفيذ قرارات القمم وإعداد جدول أعمالها ووثائقها الختامية.

وتابع لافروف: (أود أن أشير إلى الإمكانات التنموية الهائلة لمنطقتنا في مجالات التجارة والاقتصاد والبيئة والتنمية والإنسانية والنقل والعبور، إنها ذات أهمية استراتيجية ومن وجهة نظر إنشاء ممر النقل الدولي من الشمال والجنوب، إن تعميق التعاون العملي بين دول بحر قزوين له أهمية أيضاً بالمعنى الأوسع في سياق تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب وتعزيز مواقف المراكز الجديدة للتطور العالمي، إن العمل المشترك لدول بحر قزوين يسهم بشكل كبير في ضمان الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة في القارة الأوراسية).

المصالح الصينية في منطقة بحر قزوين

ـ إن الارتفاع المستمر في أسعار الطاقة العالمية، والدخول الأمريكي إلى أفغانستان وآسيا الوسطى مع الازدياد الكبير في احتياجاتها الطاقية بدت الصين أكثر اهتماماً من ذي قبل بمصادر جديدة لإدراكها أن الدخول الأمريكي إلى آسيا الوسطى وغزو العراق والضغوط على إيران جعلها تتيقن أن واشنطن تسعى إلى السيطرة على مصادر الطاقة الأساسية.

هذه المعطيات دفعت الصين إلى الاهتمام أكثر فأكثر بمصادر الطاقة على بحر قزوين، ويمكن هنا الاستناد إلى دافعين، الأول قرار شركة النفط الوطنية الصينية توسيع استثماراتها في أحواض بحر قزوين وآسيا الوسطى والثانية استعداد الصين لبناء خط أنابيب كازاخستان تلبية لاحتياجاتها النفطية، أما بالنسبة للصين فإن مصادر الطاقة في هذه المنطقة مهمة لعدة أسباب، فبحر قزوين قادر على تلبية جزء مهم من احتياجات الصين المتزايدة للطاقة وثانياً أن الصين تسعى إلى تنويع مصادر استيراد النفط والغاز، وبالتالي فإن بحر قزوين سوف يعزز هذا الهدف الذي يعتبر جزء من الاستراتيجية الصينية.

* ودخلت الصين في محادثات مكثفة لبناء خطوط أنابيب أخرى فاتفقت في نيسان 2007 مع كازاخستان لاستكمال أشغال بناء أنبوب نقل الغاز الموازي لأنبوب نقل النفط في عام 2009، كما تم التوقيع في الصين على بروتوكول لإنشاء خط أنابيب آخر لنقل الغاز باسم خط أنابيب (بينو ـ شيمكانت) ويضخ 10 مليارات قدم مكعب من الغاز الكازاخي للصين سنوياً.

ونجحت الصين في تحسين مشروع أنبوب الغاز الرابط بينها وبين تركمانستان في 14 كانون الأول 2009، وينقل للصين ما بين 30 و40 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي فأصبحت الصين شريكاً تجارياً هاماً لكل من كازاخستان وتركمانستان خلال زيارة الرئيس (شي جين بينغ) إلى منطقة بحر قزوين في أيلول عام 2013 ثم توقيع اتفاقيات في مجال الطاقة تقدر بنحو 60 مليار دولار.

لا تقتصر الاهتمامات الصينية في بحر قزوين وآسيا الوسطى على موضوع مصادر الطاقة بل يتعداها إلى مواضيع أخرى تعتبر أساسية بالنسبة إلى الصين، فأولاً هناك موضوع التوسع الأمريكي العسكري والاقتصادي في المنطقة والذي يرى فيه الكثير تهديداً مباشراً لأمنها ومصالحها هناك، وثانياً هناك التصدي للحركات الانفصالية والمجموعات المتمردة وخصوصاً منظمة تركستان الشرقية وضمان أمن إقليم شينجيانغ، وثالثاً هناك بناء علاقات قوية مع دول المنطقة مما سمح للصين بتحقيق مصالحها الاقتصادية والتجارية.

شارك