الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني… الاختبار الحقيقي للسلام

 

 

كتب: سعيد فارس السعيد

 

 

بعد توقيع مذكرة الاتفاق الأمريكي–الإيراني، برزت مجموعة من البنود والتفاهمات التي يُنظر إليها باعتبارها مدخلًا لمرحلة جديدة في المنطقة تقوم على خفض التوتر وفتح الأبواب أمام الاستقرار والتسويات السياسية.

 

وفي هذا السياق، يُعدّ بند الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني أحد أهم المؤشرات العملية على جدية هذا المسار، ليس فقط بالنسبة للبنان، بل أيضًا باعتباره اختبارًا حقيقيًا لمصداقية الإدارة الأمريكية في رعاية السلام، ولمدى استعداد إسرائيل للانتقال من منطق القوة العسكرية إلى منطق الحلول السياسية المستدامة.

 

إن أي اتفاق سياسي لا تُترجم بنوده إلى خطوات ملموسة على الأرض يبقى عرضة للتشكيك وفقدان الثقة. ولذلك فإن تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية يشكل معيارًا أساسيًا للحكم على نجاح الاتفاق وقدرته على إنتاج واقع جديد أكثر استقرارًا وأقل توترًا.

 

الأمن لا يُصنع بالقوة وحدها

 

ما شهدته وما تزال تشهده قرى وبلدات ومدن الجنوب اللبناني من دمار واسع طال المنازل والأحياء السكنية والبنى التحتية والمرافق العامة، إضافة إلى ما خلّفته العمليات العسكرية من خسائر بشرية مؤلمة في صفوف المدنيين، يطرح أسئلة جوهرية حول جدوى السياسات التي تعتمد القوة العسكرية كخيار رئيسي لتحقيق الأمن والاستقرار.

 

لقد دفعت عائلات كثيرة ثمنًا باهظًا من أرواح أبنائها وممتلكاتها، فيما تحوّلت مناطق واسعة إلى مشاهد من الخراب والمعاناة الإنسانية. ومهما كانت المبررات الأمنية التي تُطرح لتفسير هذه العمليات، فإن استمرار دوامة القتل والدمار لا يبدو قادرًا على إنتاج سلام دائم أو أمن حقيقي لأي طرف.

 

إن الاعتقاد بأن التفوق العسكري وحده، أو فرض الوقائع بالقوة، أو إنشاء مناطق عازلة، أو توسيع نطاق السيطرة الميدانية، يمكن أن يحقق الأمن المستدام، هو اعتقاد أثبتت تجارب التاريخ محدوديته.

 

فالأمن الحقيقي لا يقوم فقط على موازين القوة، بل على احترام سيادة الدول، وصون كرامة الإنسان، والالتزام بالقانون الدولي، والبحث عن حلول سياسية عادلة تعالج جذور النزاعات.

 

كما أن استمرار مشاهد الدمار وسقوط الضحايا المدنيين يترك آثارًا عميقة في الوعي الجمعي للشعوب، ويؤدي إلى تراكم مشاعر الغضب والعداء وفقدان الثقة، الأمر الذي يجعل فرص التعايش والسلام أكثر صعوبة وتعقيدًا على المدى البعيد.

 

إن السلام لا يُبنى بالخوف، ولا بالاحتلال، ولا بالقصف، ولا بفرض الإرادات بالقوة.

 

السلام الذي لا يستند إلى العدالة واحترام الإنسان يبقى سلامًا هشًا ومعرضًا للانهيار عند أول أزمة.

 

لقد دخل العالم عصرًا أصبحت فيه وسائل القوة العسكرية متاحة بدرجات متفاوتة لأطراف عديدة، ولم تعد الجغرافيا وحدها قادرة على توفير الأمن المطلق.

 

لذلك فإن الطريق الأكثر واقعية واستدامة يتمثل في بناء الثقة المتبادلة، واحترام السيادة الوطنية، والاعتراف بحقوق جميع الشعوب في الأمن والكرامة والحياة.

 

إن مستقبل المنطقة لن يُصنع بالمزيد من الحروب والتوسع والصراعات المفتوحة، بل بإرادة سياسية شجاعة تؤمن بأن أمن أي شعب لا يمكن أن يتحقق على حساب أمن الشعوب الأخرى، وأن إنسانية الإنسان يجب أن تبقى القيمة العليا التي تتقدم على كل الحسابات الأخرى.

 

إن نجاح أي تفاهم أمريكي–إيراني أو أي مشروع سلام إقليمي سيُقاس في النهاية بقدرته على إنهاء الاحتلالات والنزاعات المسلحة، وترسيخ سيادة الدول، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وفتح صفحة جديدة عنوانها الأمن المشترك والاحترام المتبادل بين جميع شعوب المنطقة.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل

 

«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»

شارك