
هل كانت الحرب الصهيوأمريكية على إيران من أجل التفاوض؟
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
في قضايا الأمن الاجتماعي والوطني والقومي
منذ اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، انشغل المراقبون والمحللون بسؤال جوهري: هل كان الهدف الحقيقي من هذه الحرب إسقاط النظام الإيراني وإنهاء دوره الإقليمي، أم دفعه إلى طاولة المفاوضات وفق قواعد وشروط جديدة؟
إن قراءة التطورات السياسية والعسكرية التي رافقت هذه المواجهة تشير إلى أن الهدف النهائي لم يكن القضاء على إيران أو إخراجها نهائياً من معادلات المنطقة، بل إعادة صياغة العلاقة معها وإجبارها على التعامل مع واقع إقليمي جديد يحدّد سقوف النفوذ وأدواته وحدوده.
فالحروب الكبرى في التاريخ لا تنتهي دائماً بانتصار عسكري حاسم، بل كثيراً ما تتحول إلى وسيلة لفرض تسويات سياسية جديدة. ومن هذا المنظور يمكن فهم ما جرى مع إيران، حيث بدا أن العمل العسكري كان جزءاً من استراتيجية أوسع هدفها تحسين شروط التفاوض وإعادة ترتيب موازين القوى.
وقد ذهبت تحليلات سياسية غربية عديدة إلى اعتبار أن ما يجري ليس حرباً لإلغاء إيران أو تدميرها، بل حرباً لإنتاج تسوية جديدة معها. وفي هذا السياق أشارت صحيفة الغارديان البريطانية إلى أن أي اتفاق محتمل لا يشبه وثائق الاستسلام التقليدية، بل يعكس اعترافاً متبادلاً بحدود القوة العسكرية وبحاجة الأطراف إلى العودة للمسار السياسي.
كما لفتت بعض التحليلات إلى أن أهدافاً كبرى طُرحت في بدايات التصعيد، مثل تغيير النظام الإيراني أو إنهاء نفوذه بالكامل، لم تعد حاضرة بالوضوح نفسه في الخطاب السياسي اللاحق، ما يعزز فرضية أن الهدف الأساسي أصبح ضبط السلوك الإيراني وإعادة تنظيم التوازنات الإقليمية أكثر من السعي إلى إسقاط الدولة الإيرانية نفسها.
ومن منظور المصالح الأمريكية، يمكن تلخيص الأهداف الرئيسية بما يلي:
الحد من تطور البرنامج النووي الإيراني.
ضبط القدرات الصاروخية والعسكرية الإيرانية.
حماية المصالح الأمريكية وخطوط الطاقة والملاحة الدولية.
إعادة رسم قواعد النفوذ في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
تقليل احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة مستقبلاً.
أما إيران، فتسعى بدورها إلى:
رفع أو تخفيف العقوبات الاقتصادية.
الحفاظ على استقرار نظامها السياسي.
تثبيت دورها الإقليمي ضمن أي ترتيبات جديدة.
الحصول على اعتراف دولي بمكانتها كقوة إقليمية مؤثرة.
وبناءً على ذلك، يبدو أن جوهر الصراع لم يعد يدور حول سؤال: هل سيكون لإيران نفوذ في المنطقة؟ بل أصبح يدور حول سؤال آخر أكثر واقعية: ما حجم هذا النفوذ؟ وأين تبدأ حدوده وأين تنتهي؟
إن المنطقة تشهد اليوم مرحلة انتقالية عنوانها إعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، ومحاولة بناء توازنات جديدة تختلف عن تلك التي حكمت الشرق الأوسط خلال العقود الماضية. وفي هذا الإطار تبدو الحرب وسيلة ضغط سياسية وعسكرية لإنتاج تفاهمات جديدة أكثر منها مشروعاً لإلغاء أحد الأطراف بشكل كامل.
لقد أثبتت التجارب أن الصراعات الكبرى تنتهي غالباً إلى المفاوضات، وأن القوة العسكرية تستطيع تغيير موازين القوى لكنها لا تستطيع وحدها صناعة الاستقرار الدائم. ولذلك فإن ما نشهده اليوم قد يكون بداية مرحلة جديدة تقوم على التفاوض حول النفوذ والمصالح، بدلاً من الصراع المفتوح حول الوجود والبقاء.
ويبقى السؤال المطروح على المستقبل: هل ستنجح هذه التفاهمات في إنتاج نظام إقليمي أكثر استقراراً، أم أنها مجرد محطة مؤقتة تسبق جولات جديدة من التنافس والصراع؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل الشرق الأوسط لعقود قادمة، وستكشف ما إذا كانت الحرب قد نجحت فعلاً في صناعة تسوية جديدة، أم أنها لم تكن سوى فصل آخر من فصول الصراع الطويل في المنطقة.
صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.



