
“هابا ليهورغيخا هاشكيم ليهورغو”..!!
عدنان الروسان
هذه العبارة ليست مجرد نص تاريخي، بل هي العقيدة الأمنية والاستباقية التي وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو يتبجح بها علناً في القدس المحتلة، ليقول للعالم: “نحن نبادر، نهاجم، نفاجئ، ونهاجم الأعداء قبل أن تتاح لهم الفرصة”.
لو قلتُ أنا، أو قال أي أحد منكم، إنه سيقتل كل من يشك (مجرد شك) أنه قد يقتله يوماً ما، لُصقت بنا تهمة الإرهاب فوراً، ولواجهنا عقوبات تصل للسجن المؤبد. أما إن كان هذا الكلام موجهاً ضدنا كعرب ومسلمين، فعندئذٍ تصبح المسألة في العرف الدولي “حقاً مشروعاً في الدفاع عن النفس”، وتتحول أي معارضة له إلى “معاداة للسامية” وإرهاب وتطرف، في معزوفة صهيونية ممجوجة لا تنتهي!
لكن.. دعونا نتأمل المشهد بعيداً عن العواطف والمجاملات:
إيران ضربت بهذه العقيدة الإسرائيلية، وبالقوة الأمريكية، والقنابل الذرية عرض الحائط. وحينما هاجمتها أمريكا وإسرائيل معاً، دافعت عن نفسها بصلابة. نعم، قتل الأمريكيون والإسرائيليون قادة كبار وعلماء، ودمروا وبغوا، لكن إيران في النهاية عرفت كيف تلعب “السياسة الواقعية” بحرفية دول المؤسسات؛ لقد طأطأت أمريكا رأسها حين لزم الأمر، وقبلت بوقف إطلاق النار، وفرضت ايران شروطها فرضاً: فرضته على إسرائيل في لبنان، فتحت مضيقها، تدفق نفطها إلى الأسواق، رُفعت عنها العقوبات والحصار، وجلبت مئات المليارات لإعادة الإعمار!
كيف حصل ذلك..؟! ولماذا هم ينجحون ونحن نفشل؟!
بينما نحن –العرب– أعادت علينا إسرائيل الكرة خمس مرات؛ خمس حروب خسرناها معها ، دمرت، وأحرقت، وقتلت، واحتلت أراضينا في دول عربية كثيرة، وسرقت مياهنا، وبقرت بطون نسائنا.. وكنا دائماً نتفاخر بالبيانات والشعارات الفضفاضة بأننا “أحبطنا مخططات العدو الصهيوني”، رغم أننا لم نأخذ حقاً ولم يدفع لنا أحد ملياراً واحداً لإعادة الإعمار، بل وما نزال نتفاخر بعجزنا ونردد: “لا نستطيع أن نقاتل أمريكا”!
لماذا إيران لوحدها تستطيع أن تواجه أمريكا وإسرائيل، ونحن عشرون دولة ودولة (أو دولتين) لا نستطيع أن ندافع عن أنفسنا، ولا أن نحمي أوطاننا وديننا؟!
والأدهى من ذلك، لماذا نكنّ كل هذه العداوة لإيران لمجرد أنهم شيعة وفي وفدهم من يشتم الصحابة؟ طيب، نحن نتعامل مع الغرب وهو يشتم ديننا ورسولنا علناً في “تشارلي إيبدو” وغيرها من وسائل إعلامهم ويكرهنا كعرب ومسلمين! ونتعامل مع إسرائيل الصهيونية التي تنتمي لفصائل تريد قضم كل بلادنا لإقامة “إسرائيل الكبرى”!
لماذا حلالٌ التعامل مع الصليبيين وجماعة شيلوك والصهاينة، ومحرمٌ ومرفوضٌ أن نتعامل مع إيران الشيعية استراتيجياً؟! ثم هل نحن دول تطبق القرآن والسنة بحذافيرهما وتحافظ على الدين حتى نغار على السنة من الشيعة؟! ما لنا وللشيعة؟ الله هو من يحاسب كل فرد وكل أمة على دينها وعقيدتها.
الجواب الذي نحتاجه، وأجركم على الله، يكمن في بضع نقاط صريحة:
دولة استراتيجية مقابل دول وظيفية: إيران، اتفقت معها أو اختلفت، تدار بعقلية دولة ذات مشروع قومي متكامل. بنت أوراق قوتها داخلياً واستثمرت لعقود في التصنيع العسكري الذاتي من صواريخ ومسيرات حتى حققت الردع. أما نحن، فقد وضعنا كل بيضنا في السلة الأمريكية المنحازة، واليد التي تمتد لطلب السلاح من الغرب لا يمكنها كتابة قرار سياسي مستقل.
استراتيجية الدفاع خارج الحدود: إيران لم تقاتل على أرضها، بل طورت عقيدة موازية لعقيدة إسرائيل؛ نقلت المعركة إلى ساحات إقليمية عبر أذرعها، فصار أي استهداف لها يعني إشعال المنطقة بأسرها. هذا الردع هو ما أجبر القوى العظمى على التفاوض معها في النهاية.
تزييف الوعي وصناعة “العدو البديل”: لقد نجح الغرب وإسرائيل في اختراق العقل الجمعي الرسمي العربي، فحولوا البوصلة من “المشروع الصهيوني” الجاثم على صدورنا، إلى “الخطر الشيعي”. الدول لا تُدار بالمذاهب بل بالمصالح، والغرب يتحالف مع البوذي والملحد إذا اقتضت مصلحته، بينما نحن نرهن مصيرنا القومي لخلافات تاريخية.
غياب المشروع العربي: الـ 21 دولة عربية ليست كتلة واحدة، بل جزر معزولة غاب عنها أي مشروع موحد، وعندما لا تملك مشروعاً، تصبح تلقائياً ساحة مستباحة لمشاريع الآخرين.
ولا يخرج لي أحد الآن ليقول: “ولكن بلادهم دُمرت وقتل منهم الآلاف”.. هذا صحيح ، لكن في معايير السياسة والاستراتيجية: هم انتصروا! لأن النصر لا يُقاس بحجم الألم، بل بمن يفرض شروطه في النهاية على طاولة المفاوضات.
الله يحاسب الخلق على عقائدهم يوم القيامة، أما على هذه الأرض، فليس هناك سوى قانون واحد يحكم الصراع: “القوة تفرض الحق.. والضعف يشرعن الهزيمة”.
.. ولا شو..؟!



