
العيش على حافة الهاوية
بقلم: أمين السكافي
الحلقة الأولى
قد ينظر الإنسان إلى المرحلة التي سبقت الإعلان عن وقف إطلاق النار، في أعقاب المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبرعاية باكستانية وقطرية، والتي أفضت إلى التوافق على مجموعة من البنود، كان من بينها معالجة الجبهة المشتعلة في الجنوب اللبناني نتيجة استمرار العدوان الإسرائيلي، على أنها مرحلة استثنائية من تاريخ لبنان الحديث.
لكن من يقرأ تاريخ هذا البلد قراءة متأنية يدرك أن ما نعيشه اليوم ليس حدثًا منفصلًا ولا حالة طارئة، بل هو امتداد لمسار طويل من الاضطرابات والتوترات التي رافقت هذه الأرض منذ ما قبل تأسيس الكيان اللبناني بصيغته الحديثة.
كان هذا الكيان يُعرف بدايةً باسم لبنان الكبير، ثم استقر لاحقًا على اسم لبنان بعد ضم مناطق الشمال والجنوب والبقاع إلى جبل لبنان. وما زال السؤال مشروعًا: لماذا أُسقطت صفة «الكبير» وبقي الاسم وحده؟ وهل تغيّر المضمون أم تغيّر العنوان فقط؟
لبنان، في نظر كثيرين، يشبه كل شيء إلا فكرة الوطن المستقر؛ وكأنه مساحة جغرافية جذّابة للأزمات، وساحة مفتوحة للصراعات والحروب والتدخلات. فمنذ ما يزيد على مئتي عام، يعيش هذا البلد على إيقاع الاهتزازات المتلاحقة، وكأن الاستقرار فيه استثناء والاضطراب قاعدة.
ولفهم الصورة بصورة أعمق، لا بد من العودة إلى البدايات.
فالحروب في لبنان لم تبدأ اليوم، ولا قبل خمسين عامًا، بل تعود جذورها إلى قرون مضت. فعلى الرغم من وجود السلطنة العثمانية، بقيت التوترات قائمة بين الزعامات المحلية والانقسامات الاجتماعية والدينية التي حكمت الحياة السياسية في جبل لبنان.
ثم جاء الاحتلال المصري لبلاد الشام بقيادة إبراهيم باشا سنة 1831، فدخل لبنان مرحلة جديدة من التحولات السياسية والإدارية، لكن هذا الوجود لم يدم طويلًا، إذ عادت المنطقة لاحقًا إلى الحكم العثماني بدعم أوروبي.
وخلال أربعينيات القرن التاسع عشر، شهد جبل لبنان مواجهات بين الدروز والموارنة شكّلت إحدى البدايات الفعلية للصدامات الأهلية الحديثة.
أما عام 1860 فكان واحدًا من أكثر الأعوام دموية في تاريخ لبنان، فيما عُرف بحرب جبل لبنان، والتي خلّفت آثارًا عميقة لا تزال انعكاساتها التاريخية حاضرة حتى اليوم.
وقد أسفرت تلك الأحداث عن:
* اقتتال واسع بين الدروز والموارنة، تسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا وترك جروحًا عميقة في العلاقة بين الطرفين.
* تدخل عسكري فرنسي تحت عنوان حماية المسيحيين.
* إنشاء نظام المتصرفية سنة 1861 الذي منح جبل لبنان حكمًا خاصًا ضمن الدولة العثمانية.
ثم جاء عام 1914، حين وجد سكان جبل لبنان أنفسهم أمام سلسلة من الأحداث القاسية مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. فرض العثمانيون الأحكام العرفية، واشتد الحصار البري والبحري، فكانت المجاعة الكبرى التي حصدت أرواح أعداد هائلة من السكان.
ومع انتهاء الحرب وسقوط السلطنة العثمانية، دخلت فرنسا وبريطانيا إلى المشهد الإقليمي بعد ترتيبات ما بعد الحرب وما عُرف باتفاقية سايكس – بيكو، حيث أُعيد رسم الخرائط وتشكيل الكيانات السياسية الجديدة، وصولًا إلى إعلان دولة لبنان الكبير سنة 1920 تحت الانتداب الفرنسي.
وخلال سنوات الانتداب شهدت مناطق لبنانية عدة حركات اعتراض وتمرد، بالتوازي مع أحداث الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش.
وفي عام 1941، تحولت الأراضي اللبنانية إلى ساحة مواجهة ضمن الحرب العالمية الثانية، بين قوات حكومة فيشي والقوات الفرنسية الحرة المدعومة بريطانيًا، ما أدخل البلاد في حالة من عدم الاستقرار والقلق.
ثم جاء الاستقلال عام 1943، واكتمل انسحاب القوات الفرنسية سنة 1946، ليبدأ لبنان مرحلة جديدة من تاريخه السياسي.
غير أن ولادة الدولة لم تُنهِ الأزمات.
ففي عام 1948، أدى إعلان قيام إسرائيل على الأراضي الفلسطينية إلى اندلاع الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى، وما تبعها من نزوح فلسطيني واسع إلى دول الجوار، ومنها لبنان، الأمر الذي ترك أثرًا عميقًا على تركيبته السياسية والاجتماعية.
وفي عام 1958 دخل لبنان أزمة داخلية حادة على خلفية الانقسام حول التموضع الإقليمي والصراع بين المشاريع العربية والدولية، وانتهت الأزمة بتدخل أميركي مباشر عبر إنزال قوات المارينز على الشواطئ اللبنانية.
لكن التوتر لم يكن مرتبطًا فقط بالموقف من الصراع العربي الإسرائيلي، بل ارتبط أيضًا بأسئلة الداخل اللبناني: التوازنات السياسية، توزيع السلطة، الامتيازات الطائفية، وشعور فئات واسعة بعدم العدالة في المشاركة داخل مؤسسات الدولة.
كل ذلك كان يتراكم بصمت…
إلى أن انفجر لاحقًا في الحرب الأهلية اللبنانية، تلك الحرب التي استمرت خمسة عشر عامًا، وحصدت عشرات الآلاف من الضحايا، وخلّفت دمارًا ما زال اللبنانيون، حتى اليوم، يدفعون أثمانه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وللحديث تتمة…
في الحلقة الثانية: من الحرب الأهلية إلى الاحتلالات والانسحابات والتحولات الكبرى



