
الدولة… وصناعة الإنسان الحلقة الرابعة: إيران وتركيا… دروس في عراقة الدولة
كتب رياض الفرطوسي
عند مقارنة تصدعات الدولة الوطنية المعاصرة في المشرق العربي، وتحديداً في المشهدين العراقي والسوري، بجارتيهما الإقليميتين إيران وتركيا، يقفز إلى السطح تساؤل يحمل في طياته شغف الفهم: ما الذي يمنح هاتين القوتين الإقليميتين طاقة استثنائية على الصمود التاريخي، والحفاظ على التماسك المركزي، وإدارة التعددية برغم أمواجها العاتية؟
سرُّ هذه الحصانة لا يكمن في خلوّ ساحتهما من الأزمات؛ فتركيا تخوض منذ عقود مواجهة معقدة مع المسألة الكردية تلامس عصب أمنها القومي، وإيران تواجه دورياً هزات احتجاجية وتوترات عرقية في أقاليم حيوية كخوزستان وبلوشستان. لكنَّ “شفرة العبور” التي تمتلكها طهران وأنقرة تتجاوز حدود الأزمة الراهنة إلى ما يُعرف بـ “المخزون السيادي المتراكم” أو “عراقة التقاليد المؤسساتية”.
إن تركيا الحديثة، في واقع الأمر، هي الوريث المؤسساتي والإداري المباشر للماكينة العثمانية التي صقلت بيروقراطية الحكم وفنون الإدارة على مدى قرون. وبالمثل، تستند إيران إلى جدار إرث سياسي وتنظيمي صلب، يتسلسل متصلاً من العهد الصفوي وصولاً إلى بنية الجمهورية الإسلامية المعاصرة. هذه الامتدادات الزمنية العميقة لم تكن مجرد سنوات تمر، بل تحولت إلى تقاليد حكم راسخة، وتحالفات اجتماعية وثيقة، ونخب سياسية ورثت “كتالوج” التعامل مع الأزمات الكبرى واحتواء الصدمات العنيفة.
وفي المقابل، بدت اللوحة في المشرق العربي، وتحديداً في العراق، مختلفة تماماً؛ إذ ولدت الدولة كمنتج هجين ومفاجئ للترسيم الاستعماري في القرن العشرين. وفي غمرة هذا التحول السريع، صعدت إلى واجهة المشهد نخب سياسية غضة التجربة في إدارة الحكم، توازيها طبقة مثقفة ومحدودة كانت تحلم ببناء دولة حداثية متكاملة فوق ورق الخرائط.
لكن المفارقة الصادمة كانت تكمن في الفجوة بين الورق والواقع؛ فبينما كان المثقفون يصممون مؤسسات الدولة الحديثة، كان قاع المجتمع لا يزال محكوماً بقوانين غير مكتوبة، وولاءات تقليدية وعشائرية تسبق في وجودها مفهوم الدولة وقوانينها الرسمية. لقد كانت الدولة تحاول فرض سلطتها من الأعلى، بينما كان المجتمع محتمياً ببناه القديمة التي تمنحه الأمان الذي عجزت الدولة الناشئة عن توفيره.
هذا التباين الجذري والاختلاف العميق في التكوين التاريخي والاجتماعي جعل بناء المؤسسات الوطنية في العراق وسوريا أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للاختراق والارتهان من قبل القوى الخارجية والطائفية العابرة للحدود. فغياب التراكم المؤسسي والمناعة التاريخية جعل الانقلابات العسكرية العنيفة في الجمهوريات العربية أمراً يسيراً، وحوّل العلاقة الطبيعية المفترضة بين الحاكم والمحكوم إلى معادلة استتباع زبائني أو صراع وجودي دائم، بدلاً من أن تصبح علاقة عقد اجتماعي وطني تحميه القوانين والمؤسسات الراسخة. إن إعادة بناء الدولة في المشرق العربي تتطلب اليوم إدراكاً عميقاً وشجاعاً لهذه العقدة التاريخية المزمنة، والعمل الدؤوب على تطوير خيال وطني متجدد يتجاوز حدود النخبة الضيقة ليتشارك فيه المجتمع بأسره عبر مشروع تحديثي وديمقراطي طويل الأمد. وعلى الرغم من أن الدروس المستفادة من تجارب الجيران قد تكون مريرة وقاسية، إلا أنها تقدم لنا خريطة طريق واضحة لتفادي تكرار الفشل ذاته، وتدفعنا نحو التساؤل المصيري حول اللحظة التاريخية الفاصلة التي يتحول فيها الحلم الجماعي بالدولة العادلة إلى واقع حقيقي ملموس في وعي الجماهير التي ما فتئت تهتف بالحرية والكرامة.
يتبع في الحلقة الخامسة والأخيرة: “متى يولد الوطن؟”.



