تموز : فجر القيامة المؤجلة

كتب رياض الفرطوسي

عشية الرابع عشر من تموز، يقف العراق مجدداً أمام المرآة الأكثر إثارة للجدل في تاريخه الحديث، متأملاً ذلك الفجر البعيد الذي لم يكن مجرد تبديل لراية الحاكم، بل كان زلزالاً سيكولوجياً جرف معه المنطق الطبيعي لتطور الدولة، وشرّع الأبواب لأول مرة أمام عقيدة الدبابة كوسيلة وحيدة لصياغة المستقبل. إن قراءة هذا الحدث اليوم، بعيداً عن صخب الاحتفالات وصراخ التخوين، تكشف كيف تحولت تلك اللحظة المفصلية من مشروع لإنقاذ الشارع من بؤس العزلة الملكية والاقطاعية، إلى نقطة انطلاق لسلسلة من الانقلابات المتلاحقة التي انفرطت بها حلقات التاريخ العراقي، وفتحت الباب لتدخلات القوى الدولية والاقليمية التي كانت تراقب المشهد برعب ويقظة تفوق يقظة أصحاب الشأن أنفسهم.

 

ولعل المفارقة الكبرى التي تلازم العقل السياسي العراقي منذ ذلك الحين، هي التعويل على النبل في مواجهة الشر، أو الاستغراق في السكينة ريثما يكتمل المخطط؛ فالزعيم الذي قاد ذلك التحول سقط لاحقاً ضحية لنبله الخاص الذي حجبه عن رؤية الكابوس الزاحف نحو وزارة الدفاع في شباط الأسود، بينما كان المثقف والمنظر غارقاً في صالوناته ومقاهيه وأوهامه الأيديولوجية، معزولاً عن نبض الحركة الحقيقية، ومقاداً على الدوام إلى السجون أو المنافي من وسط حاناته وبلاغات نصوصه التي لا تقدم ولا تؤخر في حسابات العسكر. إنها الجريمة والغلطة التي تكررت حذو النعل بالنعل في محطات لاحقة، حين خضع تاريخ البلاد وجغرافيا مصيرها لنزوات فردية عابرة أو لمصادفات عبثية في غرف النوم، ليرتد التاريخ على أعقابه، ويتحول العنف من أداة استثنائية للتغيير إلى نسق ثابت تدار به السلطة وتصفى من خلاله الحسابات، تماماً كما بدأت إرهاصات “فرق الموت” الأولى في الموصل عقب حوادث عام تسعة وخمسين، لتعود وتطل برأسها بعد عقود طويلة بصور أكثر وحشية.

 

هذا الانقطاع المستمر في السلسلة، والبحث الدائم عن بداية جديدة مع كل رصاصة فجر، هو الذي أورث العراق جيله الحالي؛ جيل ولد من رحم التدمير والحروب والاحتلال، ونشأ في ظلال إبادة ثقافية وتعليمية ممنهجة جعلت من الأسطورة والسلاح ثنائية مقدسة في وعيه. وعندما تتحول طبقة السلطة إلى ركيزة للنهب وتعتنق في الوقت ذاته أساطيرها الخاصة، فإن النتيجة الحتمية لا تخرج عن نبوءات الانهيار: إما انزلاق نحو مذبحة جديدة، أو ولادة منظومة عقائدية مشوهة تنتهي بابتلاع المجتمع بالكامل. إن الرابع عشر من تموز ليس مجرد ذكرى عابرة في الرزنامة، بل هو الجرح الأول الذي يفسر كيف تفرّق دم الوطن بين غفلة المثقف، ونزوة الضابط، وطمع الأجنبي، وكيف صار البحث عن طريق السلامة يتطلب أولاً العودة إلى تلك الخطوة الأولى التي قررت مسار الرحلة بأسرها.

شارك