الزوايا التسع:تيار شيطاني فوضوي

الزوايا التسع:تيار شيطاني فوضوي وشر اكبر من جزيرة ابستين

بقلم / نعمة حسن

تسع زوايا تكشف كيف يتحول الغموض إلى مصنعٍ للتطرف والعنف

كان جيفري إبستين يحتاج إلى جزيرة.
إلى طائرة خاصة، وقصور مغلقة، وأموال طائلة، وأبواب لا يدخل منها إلا أصحاب النفوذ. كانت جريمته شبكة استغلال جنسي حقيقية وموثقة، اتُّهم فيها بالاتجار الجنسي بالقاصرات، ثم أُدينت شريكته غيلين ماكسويل وحُكم عليها بالسجن عشرين عامًا. هذه ليست حكاية مؤامرة ولا أسطورة إنترنت؛ إنها قضية جنائية لها ضحايا ومحاكم ووثائق.
وزارة العدل الأمريكية
أما نظام الزوايا التسع، المعروف اختصارًا باسم O9A أو ONA، فلا يحتاج بالضرورة إلى جزيرة.
لا يحتاج إلى قصر واحد، ولا زعيم يطل من شرفة، ولا بطاقة عضوية تحمل ختم التنظيم.
إنه أخطر في معنى مختلف: يستطيع أن يعيش بوصفه فكرةً متنقلة، ونصوصًا مظلمة، وخلايا صغيرة، وأفرادًا لا يعرف بعضهم بعضًا، ثم يلتقون داخل أكثر زوايا الإنترنت عنفًا.
ولهذا لا يصح أن نقول، بلا دليل، إنه «أخطر من إبستين» حكمًا مطلقًا؛ فالجرائم لا تُقاس بعناوين مثيرة. لكن يمكن القول إننا أمام نوع آخر من الخطر: لم تعد الجريمة محصورة في مكان يمكن اقتحامه، بل أصبحت أيديولوجيا تستطيع نسخ نفسها من شاشة إلى أخرى.
وهنا تبدأ الحكاية.
الزاوية الأولى: جماعة لا تريد أن تبدو جماعة
تصف وثائق قضائية أمريكية «الزوايا التسع» بأنها تيار شيطاني فوضوي نشأ في بريطانيا وانتشر خارجها، وتذكر أن الخطاب المرتبط به جمع بين الشيطانية والفوضوية والنازية الجديدة والفاشية ومعاداة السامية. كما تشير الوثائق إلى أن هذا التيار لا يقدم نفسه دائمًا كتنظيم تقليدي له قيادة مركزية وعضوية رسمية وقواعد واضحة.
وزارة العدل الأمريكية
وهذه أولى مناطق خطورته.
فالشرطة تعرف كيف تراقب مبنى.
وتعرف كيف تتعقب حسابًا مصرفيًا.
وتعرف كيف تبحث عن رئيس وأعضاء وهيكل قيادة.
لكن كيف تحاصر نصًا يتنقل بين آلاف الحسابات؟
كيف تعتقل فكرةً لا تملك جواز سفر؟
وكيف تحظر تنظيمًا يقول لك إنه ليس تنظيمًا أصلًا، بل «أفراد وتجمعات» يشتركون في التوجهات نفسها؟
الجماعات القديمة كانت تبني هرمًا: رأس في الأعلى، وأتباع في الأسفل.
أما التيارات الجديدة فتبني ضبابًا.
ويمكن قطع رأس الهرم، لكن لا يمكن قطع رأس الضباب.
الزاوية الثانية: الغموض ليس غطاءً… بل طُعم
الأسماء الغريبة تجذب الإنسان.
الزوايا.
الأسرار.
الدرجات الخفية.
الطقوس.
الكتب المحظورة.
الأبواب التي يقال إن العامة لا يعرفون ما وراءها.
إن الغموض يمنح الفكرة قيمةً قبل أن يعرف القارئ محتواها؛ فيشعر الشاب الذي دخل إليها أنه اكتشف شيئًا مخفيًا عن العالم، وأنه لم يعد واحدًا من «القطيع» كما تصف الخطابات المتطرفة بقية الناس.
لكن الغموض هنا ليس زينة أدبية.
إنه أداة نفسية.
فالشخص الذي يعتقد أنه وصل إلى سر خطير يبدأ في ربط هويته بهذا السر. وكلما ازداد المحتوى قسوةً، لم يتراجع بالضرورة، بل قد يراه دليلًا على أنه يتقدم إلى «مستوى أعلى» لا يحتمله الضعفاء.
هكذا يتحول النفور الطبيعي من القسوة إلى اختبار:
إن صُدمت، فأنت ضعيف.
إن اعترضت، فأنت عبد للأخلاق التقليدية.
إن قبلت، فقد أثبت أنك مختلف.
إنها حيلة قديمة: لا تثبت قوة الفكرة، بل تجعل رفضها دليلًا ضد الرافض.
الزاوية الثالثة: ليست مجرد «عبادة شيطان»
اختزال هذا التيار في عبارة «عبدة الشيطان» قد يخفي الخطر الحقيقي بدل أن يشرحه.
فليس كل من يتبنى فلسفة شيطانية أو رمزية غامضة إرهابيًا، ولا يجوز اتهام جماعات مختلفة بالعنف لمجرد استعمالها رموزًا صادمة. الخطر في الزوايا التسع لا يكمن في الزخارف السوداء أو الأسماء الغريبة وحدها، بل في الخلطة الأيديولوجية التي مزجت الغموض الروحي بالنازية الجديدة، وبكراهية البشر، وبفكرة أن العنف وسيلة لتسريع انهيار المجتمع.
وصف مركز مكافحة الإرهاب والتطرف في معهد ميدلبري التيار بأنه مسار للتطرف نحو العنف قائم على ممارسات غامضة، ويمكن أن يدفع بعض المنخرطين إلى قبول العنف، ولا سيما عنف الأفراد المنفردين. كما أشار إلى سعي بعض المرتبطين به للتأثير في بيئات متطرفة أخرى وإدخال أفكاره إليها.
إذن نحن لا نتحدث عن شخص يشعل شمعةً سوداء داخل غرفة.
نحن نتحدث عن فكرة قد تجعل تدمير المجتمع غاية فلسفية، وتحول العنف من جريمة إلى «مرحلة تطور»، والضحية من إنسان إلى مجرد مادة في تجربة مظلمة.
وهنا يفقد الشر بشاعته، لأنه يحصل على اسم جديد:
لا يسمونه قتلًا، بل تجاوزًا.
لا يسمونه كراهية، بل تحررًا.
لا يسمونه انهيارًا أخلاقيًا، بل صعودًا فوق أخلاق البشر العاديين.
وأخطر الشرور هي التي تغير أسماءها قبل أن تدخل العقول.
الزاوية الرابعة: صناعة الإنسان الذي لا يخجل
تعرف الجماعات المتطرفة أن الضمير لا يموت بضغطة زر.
لذلك لا تبدأ غالبًا بطلب الجريمة الكبرى.
تبدأ بتحطيم الحواجز الصغيرة.
صورة صادمة.
نكتة عنصرية.
تطبيع مع الإهانة.
احتقار الضعفاء.
تمجيد قاتل.
السخرية من الرحمة.
ثم ينتقل المرء من المشاهدة إلى المشاركة، ومن المشاركة إلى الدفاع، ومن الدفاع إلى الاستعداد للفعل.
يصف باحثون بعض نصوص الزوايا التسع بأنها تشجع أفعالًا «تخريبية وغير قانونية وغير أخلاقية»، مع وجود تيارات مختلفة داخل هذا العالم؛ بعضها يغلب عليه الغموض الفردي، وبعضها يمتزج بصورة أوضح بالعنف القائم على الكراهية والإرهاب، وقد تتقاطع بعض اتجاهاته مع عنف جنسي وطقوسي.
والهدف النفسي الأعمق ليس أن يرتكب الشخص فعلًا واحدًا.
بل أن يصبح إنسانًا لم يعد داخله شيء مقدس.
إذا فقد الإنسان حرمة الجسد، سهل الاعتداء.
وإذا فقد حرمة الطفل، سهل الاستغلال.
وإذا فقد حرمة الحياة، صار القتل رأيًا.
وإذا فقد حرمة الحقيقة، صار الكذب أداةً مشروعة.
إنها لا تبدأ بصناعة قاتل.
بل تبدأ بصناعة شخص لا يرى سببًا يمنعه من القتل.
الزاوية الخامسة: التسلل بدل المواجهة
لا يقول صاحب الفكر المتطرف دائمًا: ها أنا متطرف، وهذه رايتي.
قد يدخل جماعة أخرى.
أو مؤسسة.
أو مجتمع ألعاب.
أو منتدىً سياسيًا.
أو مساحة مهتمة بالغموض والسحر.
ثم يبدأ في دفع الموجودين خطوةً خطوة نحو تصور أكثر عنفًا.
تصف دراسات التطرف المرتبط بالزوايا التسع مفهومًا يُعرف بـ«أدوار التبصّر» أو التسلل إلى جماعات ومساحات مختلفة؛ حيث يعيش المنخرط دورًا داخل بيئة أخرى، وقد يستعمل ذلك لإدخال النصوص والأفكار المتطرفة أو للتأثير في أشخاص سبق أن اقتربوا من العنف.
والخطر هنا ليس في أن كل شخص غامض متسلل.
هذه قفزة مجنونة يجب رفضها.
الخطر أن الفكر المتطرف يتعلم التحدث بلهجات متعددة.
للشاب الغاضب يقدم نفسه تمردًا.
وللباحث عن القوة يقدم نفسه بطولة.
وللمهتم بالغيب يقدم نفسه سرًا كونيًا.
وللعنصري يقدم نفسه تفوقًا.
وللمجرم يقدم نفسه فلسفة تبرر الجريمة.
إنه لا يبيع السلعة نفسها للجميع.
إنه يدرس الجرح، ثم يصنع له السم المناسب.
الزاوية السادسة: النازية ليست الهدف الأخير… بل الفوضى
تؤمن التيارات «التسارعية» المتطرفة بأن المجتمع القائم لا ينبغي إصلاحه، بل دفعه نحو الانهيار؛ بإشعال الكراهية والعنف والصراعات حتى تسقط المؤسسات ويولد نظام جديد من الخراب.
لهذا يمكن لخطاب واحد أن يجمع بين رموز تبدو متناقضة.
قد يمجد نازيين وإرهابيين من اتجاهات أخرى في الوقت نفسه، لا لأن العقائد متطابقة، بل لأن القاسم المشترك هو العنف الذي يهدم المجتمع.
في قضية أمريكية شهيرة، وصفت وزارة العدل نصوصًا واتصالات تجمع الإعجاب بالنازية وبتيارات إرهابية أخرى داخل البيئة التي تحرك فيها جندي أمريكي يدعى إيثان ميلزر. وقد اعترف بالتخطيط لهجوم يستهدف رفاقه في الجيش، وبتقديم معلومات دفاعية حساسة، ثم حُكم عليه عام ٢٠٢٣ بالسجن خمسةً وأربعين عامًا.
وزارة العدل الأمريكية
هذه الواقعة تكشف الفرق بين استعراض الرموز وبين الخطر الحقيقي.
الرمز قد يبقى على الشاشة.
لكن الفكرة التي تقدس الفوضى قد تصل إلى شخص يملك معلومات أو سلاحًا أو موقعًا حساسًا.
وفي تلك اللحظة، لا يعود الأمر شابًا يرتدي السواد.
بل يصبح خيانةً وخطة قتل.
الزاوية السابعة: الفرد الواحد قد يصبح تنظيمًا كاملًا
في الماضي، كان تنفيذ هجوم كبير يتطلب قيادةً وتمويلًا وتدريبًا واجتماعات.
أما اليوم، فقد يستهلك شخص واحد آلاف المواد المتطرفة، ويدخل غرفًا مغلقة، ويجد من يشجعه، ثم يتحرك وحده من دون أن يتلقى أمرًا مباشرًا من زعيم.
الحكومة البريطانية نفسها أشارت إلى أن التهديد الإرهابي الحديث يأتي بدرجة كبيرة من أفراد يبادرون بأنفسهم، ويستلهمون أفكارًا عامة من بيئات الإنترنت بدل أن يتحركوا بأوامر تنظيمية مباشرة. كما لفتت إلى صعوبة مواجهة التجمعات المتفرقة التي لا تمتلك بنية تقليدية واضحة.
وهذا هو وجه الرعب الجديد:
قد يكون التنظيم هاتفًا في يد شخص واحد.
وقد تكون غرفة العمليات عقله.
وقد يكون القائد مجموعة نصوص.
وقد تبدأ الجريمة من ليلة طويلة قضاها مراهق وحيد بين محتويات تعلّمه أن الرحمة ضعف، وأن القتل شهرة، وأن المجتمع يستحق أن يحترق.
المسافة بين الإنسان العادي والمجرم ليست دائمًا بابًا ضخمًا.
أحيانًا تكون سلسلةً من النقرات.
الزاوية الثامنة: الإنترنت لا ينقل التطرف فقط… بل يعيد تصميمه
الإنترنت ليس صحيفةً أسرع.
إنه بيئة تغير شكل الفكرة نفسها.
تسمح بالتخفي.
وبإنشاء هويات متعددة.
وبالوصول إلى القاصرين.
وبتحويل المحتوى الصادم إلى منافسة.
وبجمع أشخاص يحملون أكثر الدوافع اضطرابًا داخل مساحة واحدة.
في العالم الواقعي، قد يخجل الشخص من أفكاره.
أما في الغرفة الرقمية، فيجد عشرات يصفقون لها.
وفي العالم الواقعي، قد يرى ألم الضحية.
أما خلف الشاشة، فتتحول الضحية إلى صورة أو اسم أو هدف.
وفي العالم الواقعي، قد يوقفه أحد.
أما الخوارزمية فقد تقدم له محتوى أشد، لأنها تعلم أن الصدمة تبقيه أمام الشاشة.
وهنا لا يعود التطرف مدرسةً لها منهج ثابت.
إنه سوق مفتوح، يأخذ كل فرد منه أكثر المواد ملاءمةً لغضبه، ثم يركب منها أيديولوجيته الخاصة.
ولهذا تثير الزوايا التسع قلق الباحثين: ليس لأنها جيش موحد يزحف تحت راية واحدة، بل لأنها قد تعمل كـمكتبة مفتوحة للشر، يستعير منها العنيف ما يحتاج إليه لتجميل عنفه.
الزاوية التاسعة: الأسطورة تحمي الحقيقة من التحقيق
حين نبالغ في رواية الحكاية، نخدم الشيء الذي نحاول فضحه.
إذا قلنا إن أعضاء التنظيم موجودون خلف كل جريمة، نفقد الدقة.
وإذا نسبنا إليهم كل حادث غامض، نحول التحقيق إلى خرافة.
وإذا صدقنا كل مقطع مجهول، نصبح جزءًا من آلة الدعاية التي تريد أن يبدو التيار أقوى وأكثر انتشارًا مما هو عليه.
المعلومات المتاحة لا تثبت وجود حكومة سرية عالمية تدير كل شيء، ولا تثبت أن كل من استخدم رمزًا معينًا عضو في شبكة منظمة. كما أن الموقف القانوني اختلف بين الدول: ففي رد بريطاني رسمي صدر عام ٢٠٢٣، ذُكر أن الزوايا التسع لم تستوف حينها عتبة الحظر كمنظمة إرهابية في بريطانيا، مع الاعتراف بالتحديات التي تفرضها التيارات المتفرقة. وفي المقابل، صنفت نيوزيلندا النظام كيانًا إرهابيًا في ديسمبر ٢٠٢٥

وهذه ليست مفارقة، بل درس.
فالجماعات الشبكية تقع أحيانًا بين حدود التعريفات القانونية.
قد تكون أفكارها عنيفة.
وقد يرتكب متأثرون بها جرائم.
لكن إثبات وجود قيادة مركزية مسؤولة قانونيًا عن الأفعال كلها مسألة أخرى.
لذلك يجب ألّا نستبدل التحقيق الجاد بعبارة: «إنهم في كل مكان».
من يقول إنهم في كل مكان، قد ينتهي إلى عدم العثور عليهم في أي مكان.
هل هي أخطر من جزيرة إبستين؟
السؤال جذاب، لكنه ليس دقيقًا.
إبستين يمثل شبكة استغلال جنسي محددة، لها ضحايا معروفون وجرائم موثقة وأشخاص أُدينوا.
أما الزوايا التسع فتمثل بيئة أيديولوجية فضفاضة ارتبطت بأفراد وجماعات متطرفة، وبمسارات تحريض نحو العنف.
جزيرة إبستين كانت مكانًا يخفي الجريمة.
أما الزوايا التسع فهي فكرة تحاول أن تمحو معنى الجريمة نفسه.
هناك، كان الجاني يعرف أنه يحتاج إلى أبواب مغلقة.
هنا، يراد للمنخرط أن يقتنع بأن الباب الأخلاقي كله يجب تحطيمه.
هناك، استُخدمت الثروة والنفوذ للوصول إلى الضحايا.
هنا، يمكن استخدام الوحدة والغضب والإنترنت للوصول إلى عقل شخص قابل للانفجار.
لكننا لا نحترم الضحايا حين نحوّل آلامهم إلى مسابقة رعب.
السؤال الأهم ليس: أيهما أكثر ظلامًا؟
بل: كيف نمنع الظلام من ارتداء وجه جديد؟
أخطر من الشيطان الذي يعلن اسمه
أخطر الشرور ليس ذلك الذي يدخل مرتديًا قرنين ويحمل لافتة تقول: أنا الشر.
هذا سهل الاكتشاف.
أخطر الشرور يأتيك باسم القوة.
والحرية.
والتفوق.
والاستقلال.
وكسر القيود.
واكتشاف الحقيقة.
ثم يسلبك، بالتدريج، قدرتك على رؤية الإنسان إنسانًا.
لا تحتاج الزوايا التسع إلى إقناع كل من يقرأ نصوصها بعبادة الشيطان.
يكفي أن تقنع بعضهم بأن الرحمة مرض.
وأن الضمير قيد.
وأن الضعيف مادة.
وأن العنف ولادة.
وأن المجتمع لا يستحق الإصلاح بل الإحراق.
حينها يصبح الشيطان مجرد رمز زائد؛ لأن الإنسان يكون قد تولى المهمة بنفسه.
وهنا اضع قلمي لاقول للعالم : لا تبحثوا عن الجزيرة… فتشوا عن الفكرة
ربما اعتدنا أن نتخيل الشر في قصر بعيد.
في جزيرة لا نصل إليها.
في غرفة تحت الأرض.
في رجل ثري تحرسه شبكات النفوذ.
لكن الشر الحديث قد يسكن غرفة طفل.
وقد يدخل من هاتف.
وقد يتحدث بلغة الألعاب والنكات والصور.
وقد يبدأ بوعد صغير: سأجعلك أقوى من الجميع.
ثم ينتهي بسؤال مرعب: لماذا ينبغي أن يبقى الآخرون أحياء؟
لا تُهزم هذه التيارات بالخوف وحده.
ولا بحظر كلمة ثم ترك ألف باب مفتوح.
ولا بتحويل كل شاب غاضب إلى متهم.
تُهزم حين نبني عقلًا يستطيع اكتشاف التلاعب، وأسرةً تسمع أبناءها قبل أن تسمعهم الغرف المظلمة، وإعلامًا يحقق بدل أن يهلوس، وتعليمًا يجعل الإنسان قادرًا على مقاومة الكراهية حين تأتيه مرتديةً ثياب البطولة.
الزوايا التسع ليست مخيفة لأنها تعرف أسرارًا خارقة.
إنها مخيفة لأنها تعرف شيئًا بشريًا بسيطًا:
أن الإنسان المجروح قد يفضّل الشعور بالقوة على الشفاء.
وأن الإنسان الوحيد قد يقبل جماعةً تدمره مقابل أن تمنحه اسمًا.
وأن الغموض قد يغري العقل قبل أن يسأله عن الدليل.
وأن الشر، حين يفشل في إقناعنا بأنه خير، يحاول إقناعنا بأن الخير سذاجة.
لذلك لا تبحثوا فقط عن الشموع السوداء والرموز الغريبة.
ابحثوا عن اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بالسخرية من الرحمة.
فهناك، لا عند الزاوية الأولى ولا التاسعة، تبدأ أخطر الطقوس.
الطقس الذي لا يحتاج إلى معبد.
ولا إلى جزيرة.
ولا حتى إلى شيطان.
يكفيه إنسان أقنعوه بأن قلبه عقبة… فتخلص منه.
الأشخاص تموت والفكرة لاتموت .
وسأظل اقولها ..
إنها حرب عقول أقوى من حرب الجيوش .
حفظنا الله جميعا واولادنا ومجتمعنا وصرنا الحبيبة من اي فكر هدام .
مع تحياتي ..
نعمة حسن .

شارك