الإبادة العمرانية في جنوب لبنان: عندما تتحول المفاوضات إلى غطاءٍ لاستكمال التدمير

 

العميد منير شحادة

 

 

لم تعد مشاهد الدمار في جنوب لبنان مجرد نتيجة جانبية للحرب، ولا يمكن اختصارها في أضرار عسكرية فرضتها طبيعة المواجهة. ما يجري على امتداد عدد من البلدات والقرى الجنوبية يطرح سؤالاً أخطر: هل تحوَّل تدمير البيئة العمرانية والبنية الحياتية للقرى الحدودية إلى سياسة عسكرية مقصودة تهدف إلى جعل العودة إلى هذه المناطق أمراً بالغ الصعوبة؟

المعطيات الإسرائيلية نفسها تفرض هذا السؤال.

فوزير الحرب الإسرائيلي إسرائيل كاتس تحدث عن تدمير ٢٤ قرية حدودية، وقال إن نسبة الدمار في القرى الشرقية القريبة من الحدود بلغت نحو ٧٣%، بينما أشار إلى أن القرى الواقعة في المناطق الوسطى والغربية تعرضت لدمار يقترب من ١٠٠%. كما تحدث عن تدمير ما بين ١٥ و٢٠ ألف منزل في هذه القرى.

وفي المقابل، توثق الأمم المتحدة استمرار عمليات القصف والتدمير والانتهاكات حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار. ففي ١٥ أيار ٢٠٢٦، قالت منسقية الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في لبنان إن الغارات وعمليات الهدم استمرت يومياً، مع سقوط ضحايا مدنيين وتدمير للبنية التحتية المدنية.

وهنا تصبح المسألة أبعد من مجرد (خروقات).

 

الإبادة العمرانية: تدمير المكان كي يصبح السكان غير قادرين على العودة

 

الحرب لا تُقاس فقط بعدد القتلى والجرحى. ثمة شكل آخر من أشكال الحرب يتمثل في تدمير المكان الذي يجعل الحياة ممكنة: المنزل، المدرسة، المستشفى، الطرق، شبكات المياه والكهرباء، الأراضي الزراعية، الجسور والمنشآت الاقتصادية.

عندما يُدمَّر منزل واحد، تكون الخسارة مأساوية لعائلة.

لكن عندما تُدمَّر مئات المنازل في قرية، وتُقطع الطرق إليها، وتُستهدف بنيتها التحتية، وتُدمَّر الأراضي الزراعية، يصبح الأمر متعلقاً بمستقبل مجتمع بأكمله.

وهنا تظهر خطورة ما يمكن تسميته (الإبادة العمرانية): أي تحويل قرية مأهولة إلى مساحة غير قابلة للحياة، بحيث لا يكفي انتهاء القتال لإعادة سكانها إليها.

والمشكلة أن هذا النوع من التدمير لا ينتهي بانتهاء الغارات. فحتى إذا توقفت الطائرات والمدفعية، يبقى السكان أمام ركام ومنازل غير صالحة للسكن وطرقات مدمرة وأراضٍ زراعية متضررة، فضلاً عن خطر الذخائر غير المنفجرة.

وقد وصفت تقارير أممية عودة السكان إلى الجنوب بأنها عودة إلى مجتمعات تواجه دماراً واسعاً، مع استمرار الإبلاغ عن خروقات لوقف إطلاق النار.

وفي بلدة المنصوري، على سبيل المثال، أشارت تقارير محلية إلى أن نحو ٧٠% من المباني دُمِّرت، فيما لم يتمكن سوى عدد محدود من سكان البلدة من العودة، من أصل نحو أربعة آلاف نسمة.

إذن، المسألة ليست فقط: هل توقفت الحرب؟

بل السؤال الأهم هو:

هل أصبح الجنوب قابلاً للحياة مجدداً؟

 

من (المنطقة الأمنية) إلى تغيير الواقع الديموغرافي

 

تقول إسرائيل إن عملياتها تستهدف منع حزب الله من إعادة بناء قدراته قرب الحدود.

لكن حتى لو افترضنا صحة هذا التبرير بالنسبة إلى أهداف عسكرية محددة، يبقى السؤال قائماً حول مدى التناسب بين الهدف العسكري وبين حجم الدمار الذي أصاب قرى بأكملها.

فالهدف العسكري المفترض يمكن استهدافه.

أما تدمير البيئة العمرانية بكاملها فيعني شيئاً آخر.

وإذا ترافق ذلك مع بقاء القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، وفرض مناطق عازلة، ومنع السكان من العودة، واستمرار الغارات، فإن النتيجة العملية تصبح إنشاء واقع أمني وجغرافي جديد على الأرض.

وهذا بالضبط ما يجعل مصطلح (المنطقة العازلة) بحاجة إلى تدقيق سياسي: هل نحن أمام إجراء أمني مؤقت إلى حين تطبيق ترتيبات وقف إطلاق النار، أم أمام محاولة لفرض أمر واقع طويل الأمد؟

الأمم المتحدة قالت صراحة في آذار إن وجود القوات الإسرائيلية في مواقع داخل لبنان، إلى جانب الضربات الجوية، يشكل انتهاكاً للقرار ١٧٠١ ولسيادة لبنان وسلامة أراضيه.

 

الأخطر: التفاوض تحت النار

هنا نصل إلى جوهر المشكلة اللبنانية.

 

ليس الخطأ أن تتفاوض الدولة اللبنانية.

بل على العكس: الدبلوماسية يجب أن تكون حاضرة دائماً.

لكن هناك فرقاً هائلاً بين أن تدخل الدولة مفاوضات من موقع سياسي واضح، وبين أن تدخلها بينما الطرف الآخر يقصف ويدمر ويحتل مواقع داخل أراضيها ثم يستخدم هذا الواقع العسكري لتحسين شروطه على طاولة المفاوضات.

إذا كانت إسرائيل تقصف اليوم، ثم تدخل غداً إلى المفاوضات لتطالب لبنان بتنازلات جديدة، فإن السؤال المشروع هو:

ما الذي يمنعها من اعتبار استمرار القصف أداة لتحسين شروطها التفاوضية؟

وهذا تحديداً ما يجب أن تتنبه إليه الحكومة اللبنانية.

فالمفاوضات ليست هدفاً بحد ذاتها.

المفاوضات وسيلة للوصول إلى اتفاق.

وإذا كانت الوسيلة تجري في ظل استمرار القصف والتدمير والخروقات، فإن ميزان التفاوض يميل بصورة متزايدة إلى الطرف الذي يملك القدرة على تغيير الوقائع بالقوة.

 

لماذا لا تضع الحكومة اللبنانية وقف الاعتداءات شرطاً واضحاً؟

 

هنا يجب أن تكون الدولة اللبنانية أكثر صراحة.

لا يعني ذلك الانسحاب من المفاوضات، ولا يعني إغلاق الباب أمام الدبلوماسية الأميركية أو الدولية.

بل يعني تحويل الموقف اللبناني من رد فعل على الأحداث إلى سياسة تفاوضية ذات شروط واضحة.

كان يمكن للبنان أن يقول بصورة مباشرة:

نحن مستعدون للتفاوض في أي وقت، ولكن استمرار التفاوض لا يمكن أن يكون بديلاً عن وقف إطلاق النار، ولا يمكن أن تتحول المفاوضات إلى غطاء لاستمرار تدمير القرى اللبنانية وفرض وقائع جديدة على الأرض.

وهذا ليس موقفاً متطرفاً.

بل هو منطق تفاوضي بديهي.

فالحد الأدنى الذي ينبغي أن تطالب به الدولة هو:

وقف عمليات الهدم والتفجير والتدمير الممنهج للمنازل والمنشآت المدنية.

وقف الغارات والاعتداءات على الأراضي اللبنانية.

وقف التوغلات والوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.

تثبيت آلية واضحة وشفافة للتحقق من الخروقات.

إتاحة عودة السكان إلى قراهم ومنازلهم بصورة آمنة.

البدء بمعالجة ملف الأضرار وإعادة الإعمار، لا تأجيله إلى أجل غير مسمى.

إلزام الطرفين بتطبيق الالتزامات التي تقوم عليها ترتيبات وقف إطلاق النار، لا تحميل لبنان وحده مسؤولية التنفيذ.

والأهم أن هذه المطالب يجب ألا تبقى في إطار البيانات السياسية.

يجب أن تتحول إلى جدول أعمال تفاوضي مكتوب.

المشكلة ليست في التفاوض، بل في غياب (الثمن) للخروقات

إذا كانت إسرائيل ترتكب خرقاً اليوم، ثم تكتفي الحكومة اللبنانية بإصدار بيان إدانة، وتعود في اليوم التالي إلى طاولة التفاوض من دون أي كلفة سياسية أو دبلوماسية على إسرائيل، فإن الرسالة التي تصل إلى الطرف الآخر هي أن الخروقات لا تمنع استمرار المسار التفاوضي.

وهنا تكمن المشكلة.

الدولة لا تستطيع منع إسرائيل عسكرياً من كل خرق بالبيانات.

لكن تستطيع أن تجعل الخرق مكلفاً دبلوماسياً وسياسياً وقانونياً.

يمكن للبنان أن يطلب من الولايات المتحدة، وفرنسا، والأمم المتحدة، والدول الأعضاء في مجلس الأمن، إصدار موقف واضح من كل خرق موثق، وأن يقدم بصورة دورية ملفاً متكاملاً يتضمن صور الأقمار الصناعية، وتقارير الجيش اللبناني، وتقارير قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، وشهادات البلديات والجهات المختصة.

وهنا توجد نقطة مهمة للغاية:

لا ينبغي للبنان أن يكتفي بالشكوى من الخروقات ، بل يجب أن يحول الخروقات إلى ملف تفاوضي.

أي:

لا انسحاب من الأراضي اللبنانية؟ إذن لا يمكن الانتقال إلى ترتيبات جديدة.

لا وقف للغارات؟ إذن لا يمكن مطالبة لبنان بتقديم تنازلات جديدة.

استمرار تدمير القرى؟ إذن لا يمكن التعامل مع الأمر كأنه مجرد تفصيل أمني.

الأمم المتحدة نفسها تقول إن الخروقات مستمرة

المشكلة أن لبنان لا يحتاج إلى اختراع أدلة.

 

الأمم المتحدة وثقت بنفسها استمرار الانتهاكات.

 

ففي ٩ تموز ، أعلنت الأمم المتحدة أن قوات اليونيفيل رصدت أكثر من ٤١ خرقاً جوياً في يوم واحد، إلى جانب ضربات جوية ونيران صادرة عن مواقع إسرائيلية جنوب الخط الأزرق، كما تحدثت عن عرقلة حركة قوات حفظ السلام في بعض المناطق.

وفي ٨ حزيران ، سجلت اليونيفيل ٢٠١ خرق للمجال الجوي اللبناني من جانب إسرائيل خلال ثلاثة أيام، بإجمالي يقارب ٢٨٨ ساعة من التحليق، كما سجلت أكثر من ٢١٠٠ حادث إطلاق نار من مواقع إسرائيلية. وفي الوقت نفسه، سجلت إطلاقات من الجانب اللبناني أيضاً.

وهذه نقطة ينبغي التعامل معها بموضوعية: أي سياسة لبنانية جادة يجب أن تطالب بتطبيق وقف إطلاق النار على الجميع، وأن ترفض أي إطلاق نار أو اعتداء من الأراضي اللبنانية أيضاً.

القوة السياسية للبنان لا تأتي من تجاهل خروقات طرف وتضخيم خروقات طرف آخر، بل من المطالبة بتطبيق القواعد على الجميع.

 

هل تستطيع الحكومة اللبنانية ربط المفاوضات بوقف التدمير؟

 

نعم، سياسياً تستطيع.

لكن الأفضل ألا تقول: (لن نتفاوض.

الأكثر ذكاءً أن تقول:

(سنفاوض، ولكن لن نفاوض تحت النار).

وهذه صيغة مختلفة تماماً.

لبنان لا يغلق الباب أمام الوساطة الأميركية أو الفرنسية أو الأممية، ولا يرفض الحل الدبلوماسي، ولكنه يرفض أن تتحول الدبلوماسية إلى عملية أحادية الجانب يحصل خلالها الطرف الأقوى عسكرياً على تنازلات جديدة بينما يستمر في تغيير الواقع على الأرض.

وهنا يمكن للحكومة أن تطلب من الوسطاء الدوليين ضمانة تنفيذية:

وقف الخروقات أولاً، ثم الانتقال إلى المرحلة التالية.

لأن المشكلة في لبنان ليست نقصاً في الاتفاقات.

المشكلة هي غياب آلية فعالة لإلزام إسرائيل بتنفيذ ما توافق عليه.

وقد حذرت الأمم المتحدة أكثر من مرة من أن استمرار التصعيد يقوض الجهود الدبلوماسية. وفي ٨ حزيران دعت جميع الأطراف إلى الالتزام بوقف إطلاق النار وعدم اتخاذ خطوات تقوض الجهود الجارية للوصول إلى سلام دائم.

 

ماذا يعني قبول التفاوض في ظل استمرار الدمار؟

 

يعني عملياً أن إسرائيل تستطيع أن تجمع بين مسارين في آن واحد:

المسار العسكري: تدمير المنازل والقرى، تثبيت مواقع عسكرية، تنفيذ ضربات وفرض وقائع ميدانية.

المسار السياسي: الدخول في مفاوضات للحصول على ترتيبات إضافية من لبنان.

وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة تفاوضية.

لأن طاولة المفاوضات يجب أن تكون المكان الذي تُترجم فيه القوة السياسية إلى اتفاق، لا المكان الذي يتم فيه شرعنة نتائج القوة العسكرية التي سبقت التفاوض.

وإذا قبل لبنان بهذا المنطق، فإن كل قرية تُدمَّر يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط جديدة، وكل موقع عسكري يُنشأ يمكن أن يتحول إلى (واقع جديد)، وكل خرق يمكن أن يصبح مقدمة لمطلب جديد.

الجنوب ليس مجرد ورقة على طاولة المفاوضات

المسألة في النهاية ليست فقط عسكرية.

جنوب لبنان ليس (منطقة عازلة).

إنه أرض لبنانية يعيش فيها مواطنون لبنانيون، وله بلدات وقرى وتاريخ وذاكرة وحقول ومقابر وبيوت.

حين تُدمَّر قرية، لا تُدمَّر حجارتها فقط.

يُدمَّر جزء من اقتصادها، وذاكرتها، ونسيجها الاجتماعي، وقدرة أهلها على العودة.

ولهذا فإن إعادة الإعمار ليست قضية لاحقة للمفاوضات ، إنها جزء من صلب أي تسوية.

ومن غير المقبول أن يكون النقاش السياسي منصباً فقط على سلاح حزب الله ، وانتشار الجيش، وترتيبات الأمن على الحدود، بينما لا يكون هناك التزام واضح ومُلزم بإعادة بناء القرى التي دُمِّرت وبضمان حق أهلها في العودة.

 

المطلوب من الحكومة اللبنانية: تغيير قواعد اللعبة

 

لبنان لا يحتاج إلى مغادرة طاولة المفاوضات.

بل يحتاج إلى الجلوس إليها بشروط واضحة.

الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى واشنطن وتل أبيب والأمم المتحدة هي:

لبنان يريد السلام، لكنه لا يقبل السلام الذي يُبنى فوق أنقاض قراه.

لبنان يريد تطبيق القرار ١٧٠١، لكن تطبيق القرار لا يمكن أن يكون انتقائياً.

لبنان مستعد لتوسيع سلطة الدولة وانتشار الجيش، لكن ذلك يجب أن يترافق مع احترام سيادة لبنان وانسحاب القوات الإسرائيلية من أراضيه ووقف الاعتداءات.

لبنان يريد ترتيبات أمنية على الحدود، لكن الأمن لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة لإبقاء منطقة لبنانية تحت السيطرة الإسرائيلية.

والأهم:

لا يمكن أن تطالب الدولة اللبنانية سكان الجنوب بتسليم سلاحهم للدولة، ثم تعجز الدولة نفسها عن تأمين الحماية لهم من الاعتداءات الإسرائيلية.

هذه هي المعادلة التي يجب أن تُطرح بصراحة أمام الوسطاء.

 

 

ما يجري في الجنوب ليس مجرد (دمار حرب) بالمعنى التقليدي.

إنه صراع على شكل الجنوب الذي سيخرج من الحرب.

هل سيكون جنوباً يستطيع أهله العودة إليه وإعادة بناء منازلهم وحقولهم ومدارسهم ومستشفياتهم؟

أم جنوباً مدمراً، منزوع السكان، تحيط به منطقة أمنية تفرضها إسرائيل بقوة الأمر الواقع؟

وهنا تقع المسؤولية الكبرى على الدولة اللبنانية.

فإذا دخلت المفاوضات من دون شروط، فإنها تخاطر بأن تتحول المفاوضات إلى مسار لتثبيت نتائج القوة العسكرية الإسرائيلية.

أما إذا دخلت وهي تحمل ملفاً موثقاً لكل خرق، وتطالب بوقف الاعتداءات، والانسحاب، وعودة السكان، وإعادة الإعمار، وآلية رقابة وتنفيذ واضحة، فإنها تكون قد نقلت النقاش من (ماذا يريد لبنان أن يقدم؟) إلى (ماذا يجب أن تحصل عليه الدولة اللبنانية؟)

وهذه هي النقطة الفاصلة.

ليس المطلوب من لبنان أن يرفض التفاوض. المطلوب أن يرفض التفاوض تحت النار.

فالمفاوضات التي تجري بينما تُهدم القرى ليست مفاوضات متكافئة، والسلام الذي يُبنى فوق الركام لا يكون سلاماً مستداماً.

والقاعدة التي يجب أن تضعها الحكومة اللبنانية أمام الوسطاء واضحة:

وقف التدمير، وقف الخروقات، احترام السيادة اللبنانية، والانسحاب من الأراضي اللبنانية ليست مكافآت تُمنح للبنان في نهاية المفاوضات ، بل هي شروط طبيعية لنجاح أي مفاوضات أصلاً.

شارك