
هزيمةٌ بلا اعتراف… حين تُهزم القوة أمام الحقيقة
بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل
الهزيمة ليست دائمًا رايةً بيضاء تُرفع فوق أسوار المدن، ولا بيانًا عسكريًا يُذاع على شاشات التلفزة، ولا قائدًا يعلن انكساره أمام عدسات الكاميرات. فثمة هزائم أشد مرارةً من الاعتراف نفسه؛ هزائم تسكن العقول قبل الجبهات، وتُولد في غرف القرار حين تصطدم الأحلام الإمبراطورية بصخرة الواقع، فيكتشف صانعو الحرب أن الخرائط التي رسموها بالحبر انتهت مكتوبةً بالدم، وأن النصر الذي وعدوا به شعوبهم لم يكن سوى سرابٍ يركض خلفه الجميع حتى تبتلعه الصحراء.
الحروب، في حقيقتها، ليست سباقًا في عدد الصواريخ، ولا مباراةً في استعراض القوة، بل امتحانٌ لإرادة الدول، وقدرتها على تحمّل النتائج التي لم تكن تتوقعها. ومن يعتقد أن إشعال النار أمرٌ سهل، عليه أن يتذكر أن النار لا تسأل عن هوية من أشعلها، بل تلتهم كل ما يقع في طريقها، حتى تمتد ألسنتها إلى يد صاحبها.
دخلت الولايات المتحدة و”إسرائيل” المواجهة وهما تحملان مشروعًا يتجاوز حدود الحرب نفسها. لم يكن الهدف مجرد مواجهة عسكرية مع إيران، بل إعادة رسم الشرق الأوسط وفق ميزان جديد، وكسر معادلات القوة التي تشكلت خلال عقود، وإرسال رسالة إلى العالم بأن اليد الأمريكية ما زالت تمسك بمفاتيح النظام الدولي، وأن “إسرائيل” قادرة على فرض إرادتها متى شاءت.
لكن الواقع كان أكثر عنادًا من الأمنيات، وأكثر تعقيدًا من الخطط الموضوعة في مراكز الدراسات. فالحروب لا تعترف بالغطرسة، والتاريخ لا ينحني لمن يظن أنه يكتب نهايته بنفسه.
ومع انقشاع دخان المعركة، لم تظهر صورة المنتصر الواثق، بل برزت أصواتٌ متضاربة، وتصريحاتٌ متناقضة، وتسريباتٌ تتحدث عن خلافات داخلية، وعن تبادلٍ للاتهامات بين الحليفين. فجأةً، لم يعد السؤال: كيف انتصرنا؟ بل أصبح: من المسؤول عن الإخفاق؟
وهنا تبدأ الهزيمة الحقيقية…
فالقائد الذي يثق بانتصاره لا يبحث عن مذنب، والدولة التي تحقق أهدافها لا تفتح محاكم سياسية داخلية لتوزيع المسؤوليات. أما عندما تتحول غرف القرار إلى ساحات اتهام، ويصبح كل طرفٍ يسعى إلى تبرئة نفسه وإلقاء العبء على الآخر، فإن ذلك يكشف أن الأزمة لم تعد في الميدان، بل في عمق المشروع نفسه.
إن تبادل اللوم بين الحلفاء يشبه سفينةً أصابها ثقبٌ في عرض البحر؛ لا ينشغل ركابها بالوصول إلى الميناء، بل يبدأ كل واحدٍ منهم باتهام الآخر بأنه السبب في الغرق، بينما الماء يتسلل بصمت إلى داخلها.
لقد أثبتت هذه الحرب مرةً أخرى أن التكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع أن تحسم معركة الإرادات، وأن حاملات الطائرات، مهما عظمت، لا تستطيع أن تمنح أصحابها يقين النصر. فالقوة العسكرية قد تدمر المباني، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تعيد تشكيل قناعات الشعوب أو أن تمحو حقائق الجغرافيا والتاريخ.
والمفارقة أن الحرب التي أُريد لها أن تعزز صورة الردع، فتحت بابًا واسعًا للتساؤلات داخل الغرب نفسه. كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ وهل كانت التقديرات صحيحة؟ وهل كانت الأهداف قابلة للتحقيق أصلًا؟ وما حجم الخسائر السياسية والاقتصادية التي ستدفعها واشنطن وتل أبيب في السنوات المقبلة؟
هذه الأسئلة لا تُطرح بعد الانتصارات… بل بعد الصدمات.
فالمنتصر يحتفل، أما المتردد فيراجع حساباته.
والتاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تبدأ بالسقوط يوم تخسر أول معركة، بل يوم تفقد قدرتها على إقناع نفسها بأنها ما زالت قادرة على الانتصار. فالانهيارات الكبرى تبدأ غالبًا من الداخل؛ من اهتزاز الثقة، وتآكل الهيبة، واتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الذي يراه الناس.
وفي المقابل، دفعت شعوب المنطقة الثمن الأغلى. فالحروب لا تميز بين طفلٍ يحمل لعبته، وأمٍ تنتظر أبناءها، وشيخٍ أنهكه العمر. المدن تتحول إلى رماد، والقرى تُفرغ من أهلها، والمستشفيات تُثقل بالجرحى، بينما يتجادل الساسة حول من أخطأ ومن أصاب، وكأن دماء الأبرياء مجرد أرقام في تقاريرٍ باردة.
لقد علمتنا التجارب أن الحرب قد تبدأ بقرارٍ سياسي، لكنها لا تنتهي إلا عندما تعجز السياسة عن تبرير استمرارها. وعندما يصبح وقف إطلاق النار إنجازًا بعد أن كان النصر هو الوعد، ندرك أن الحسابات الأولى لم تكن دقيقة، وأن الواقع كان أقوى من الشعارات.
قد تستطيع الحكومات أن تؤجل الاعتراف بالهزيمة، وأن تعيد صياغة الروايات، وأن تبدّل العناوين، لكن الحقيقة لا تشيخ، ولا تتقاعد، ولا تموت.
فالتاريخ ليس كاتبًا مأجورًا، بل قاضٍ صامت، يراقب الجميع دون انحياز، ثم يكتب حكمه حين يسقط آخر دخانٍ من سماء المعركة.
وسيبقى السؤال معلقًا فوق أنقاض هذه الحرب: هل انتصرت القوة لأنها امتلكت السلاح، أم انتصرت الحقيقة لأنها كشفت حدود تلك القوة؟
فما أكثر الانتصارات التي صفق لها الإعلام… ثم دفنها التاريخ تحت عنوانٍ واحد:
هزيمةٌ بلا اعتراف.



